الضدية الاقتصادية.. نموذجا مصر وتركيا

الضدية الاقتصادية.. نموذجا مصر وتركيا

أحد المساكن التجارية باسطنبول (Getty)

لطالما اعتبرتا مصر وتركيا دولتين ذاتي أهمية استراتيجية بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط، فمن ناحية، تشكل مصر رابطًا مهمًا بين قارتي آسيا وأفريقيا، فضلًا عن امتلاكها لقناة السويس التي أحدثت إشكالية على مدار التاريخ. ومن الناحية المقابلة، نرى تركيا كدولة كبرى تمثل رابطًا لتشكل بوابة كبيرة بين الشرق الأوسط وأوروبا. إن تلك الأهمية الاستراتيجية عملت على جعل هذين البلدين سياحيين بالدرجة الأولى، فضلًا عن جعلهما مناطق جذب للاستثمارات الأجنبية. إلا أن هذه العملة الصعبة، لعبت دورين مختلفين بالنسبة للبلدين بسبب حساسية هذين القطاعين، القطاع السياحي وقطاع الاستثمارات الأجنبية، اللذين يتأثران بأي توترات أمنية أو مشاكل سياسية.

كان للعلاقات التركية-الأوروبية الأثر الكبير لانفتاحها الاقتصادي الذي مكنها منذ عام 2001 للنهوض بشكل واضح وقوي في المنطقة

كان للعلاقات التركية-الأوروبية الأثر الكبير لانفتاحها الاقتصادي الذي مكنها منذ عام 2001 للنهوض بشكل واضح وقوي في المنطقة. فبذلت تركيا جهودًا حثيثة منذ خمسينيات القرن الماضي لتشبيك جسور بينها وبين أوروبا، للتطوير من ذاتها اقتصاديًا وتقوية مكانتها سياسيًا. ولربما يعود هذا الدافع، لنزعة داخلية لديها تعيدها لحنين مركزيتها كدولة عثمانية قديمة مسيطرة.

فمنذ عام 1949 تسعى تركيا لجذب علاقات مع أوروبا بداية من عضو في المجلس الأوروبي، مكملةً بمحاولاتها الدائمة لنيل عضوية الانضمام بالاتحاد الأوروبي منذ ستينيات القرن الماضي، بالإضافة إلى ميثاق التعاون بينها وبين المجموعة الأوروبية الاقتصادية. بدا لنا واضحًا أن تركيا استغلت موقعها كجار لاقتصاديات قوية، لتحقيق مصالحها الاقتصادية أيضًا من خلال الاتصالات البرلمانية بينها وبين الاتحاد الأوروبي بشكل قوي. فحاليًا، تعتبر تركيا سادس اقتصاد في أوروبا، ويشكل الاتحاد الأوروبي بالنسبة إليها أحد أكبر الشركاء التجاريين والاستثماريين بالطاقة وغيرها.

ومن ناحية أخرى، فقد شكلت نسبة الاستثمارت الأوروبية المباشرة في تركيا تقريبًا 64%، بالإضافة إلى 42% نسبة تجارة تركيا مع دول أعضاء في الاتحاد. فيُرى واضحًا استفادة كلا الطرفين من العلاقات المتشابكة بقوة سواء بين تركيا وأوروبا بشكل عام، أو مع الاتحاد الأوروبي بشكل خاص.

اقرأ/ي أيضًا: التجربة التركية.. الطبقة الوسطى في مواجهة العسكر

تأرجح الوضع الاقتصادي التركي على مدار سنوات متأثرًا بالوضع الأمني الحساس في الآونة الأخيرة، فضلًا عن موجة اللاجئين منذ أربع سنوات حتى اليوم. وتجدر الإشارة أيضًا إلى محاولة الانقلاب التي زعزعت الوضع الأمني التركي، ما أثر بدوره على عملة تركيا الصعبة المتمثلة في السياحة. إلا أنها استطاعت المحافظة على استقرارها نوعًا ما، بسبب وجود اقتصاد قوي، نوعًا ما أيضًا، استطاع أن يحافظ على توازنها.

في الناحية المقابلة، نرى مصر كدولة كبيرة بعدد سكان هائل ووضع سياسي غير مستقر، وهي صاحبة وضع اقتصادي متدهور! يتسم هذا الاقتصاد بالديون المثقلة والتراجع الحاد في مخزون النقد الأجنبي بسبب تراجع الاستثمارات العديدة.

كان واضحًا منذ شهور هول المشهد الاقتصادي المصري الذي وصل أوجه بعد الإجراءات التي اتخذت في محاولة لإنقاذ هذه الأزمة بالاقتراض من صندوق النقد الدولي بشرط تعويم الجنيه المصري! يمكننا القول إن وضع مصر الحالي يصف حالة من الجمود السياسي المبطن والذي أخفى بين طياته أزمات تظهر على مراحل، لتطفو على السطح محدثة كوارث اقتصادية لتغدو سياسية قريبًا. بداية كان للأزمة الاقتصادية أثر في المحافظة على "استقرار" الزعزعة التي سرّعت الانقلاب على حكم محمد مرسي.

كان واضحًا هول المشهد الاقتصادي المصري الذي وصل أوجه بعد الإجراءات التي اتخذت بالاقتراض من صندوق النقد الدولي

في المقابل، فإن استقرار تركيا الاقتصادي نسبيًا، فضلًا عن شكل القيادة المختلف كليًا فيها، ضمن لها ما كانت عليه، وكان من غير السهل الانقلاب على أردوغان، الذي شهِدَت فترته ازدهارًا اقتصاديًا منذ عام 2003 حتى يومنا. في حين كانت خلفية حكم مرسي، تتسم بوضع اقتصادي سيئ بما ورثته، أول حقبة حكم لم تكتمل، من مشكلات عميقة متأصلة في بنية الاقتصاد المصري منذ عهد مبارك، الأمر الذي لم يضمن استقرارًا ولو جزئيًا للمحافظة على استقرار سياسي.

نهاية، يمكننا القول إن أي استقرار اقتصادي يلحقه تلقائيًا استقرار سياسي، والعكس بالعكس. فإن زعزعة الاستقرار الاقتصادي في مصر آل لما آلت إليه حاليًا من أزمات اقتصادية وسياسية، فضلًا عن اجتماعية حرجة. من ناحية أخرى، يمكن القول إن تولي حزب "العدالة والتنمية" كان بانتخابات ديمقراطية فاز فيها بتصويت الأغلبية، في حين أخذ عبد الفتاح السيسي الحكم بانقلاب عسكري! 

اقرأ/ي أيضًا:
المعركة على نمط العيش عربيًا.. والنموذج التركي
هل تورطت الإمارات في الانقلاب التركي؟ لنسأل دحلان