الرياض تراسل طهران بوساطة دولية.. إلى أين يتجه الصراع في الشرق الأوسط؟

الرياض تراسل طهران بوساطة دولية.. إلى أين يتجه الصراع في الشرق الأوسط؟

ما زال مصير الصراع الإيراني الأمريكي غامضًا (European Pressphoto Agency)

رحبّت الحكومة الإيرانية بالرسائل التي نقلها بعض المسؤولين الدوليين عن رغبة الرياض بتغيير سلوكها، في الوقت الذي تحدث ولي العهد السعودي محمد بن سلمان عن أن بلاده تفضل "الحل السياسي على الحل العسكري" لإنهاء التوتر الذي تشهده منطقة الخليج منذ أيار/مايو الماضي، ما أثر على إمدادات النفط العالمية التي يعبر خمس استهلاكها اليومي من مضيق هرمز إلى الأسواق الرئيسية في آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية وخارجها.

رسائل الرياض إلى طهران بوساطة دولية  

قال المتحدث باسم الحكومة الإيرانية علي ربيعي الاثنين إن بلاده تلقت من قادة بعض الدول رسائل من السعودية وصلت للرئيس الإيراني حسن روحاني، مشيرًا إلى أنه "إذا كانت السعودية تسعى حقًا إلى تغيير في السلوك"، فإن طهران "ترحب بذلك"، في الوقت الذي حذر ابن سلمان من أن أسعار النفط قد ترتفع إلى "أرقام خيالية إذا لم يتخذ العالم موقفًا موحدًا لردع إيران"، مضيفًا أنه "يفضل الحل السياسي على الحل العسكري".

قبل توجهه إلى أرمينيا للمشاركة في اجتماع الاتحاد الأوراسي، كشف روحاني في تصريحات صحفية عن وجود "استعدادات قد تبلورت لاجتماع 1+5، وأن جميع الأطراف وافقت على أطر مفاوضات هذا الاجتماع"

اقرأ/ي أيضًا: تداعيات الهجوم على منشآت أرامكو.. هل انتصرت إيران على العقوبات الأمريكية؟

وخلال مقابلة أجريت سابقًا مع الأمير السعودي بثتها شبكة CBS الأمريكية، ونشرت الأحد، اعتبر ابن سلمان أنه في حال اندلعت الحرب بين السعودية وإيران "ستكون كارثية على الاقتصاد العالمي"، مشيرًا إلى أن "المنطقة تمثل نحو 30 بالمائة من إمدادات الطاقة في العالم، وحوالى 20 بالمائة من الممرات التجاريّة العالمية، ونحو أربعة بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي".

وكانت جماعة أنصار الله الحوثي اليمنية قد تبّنت الهجوم الذي استهدف منتصف الشهر الفائت منشأتي النفط التابعتين لشركة أرامكو السعودية شرقي المملكة، ما أدى لخفض إنتاج ما يقرب 5.7 مليون برميل نفط من إنتاج السعودية النفطي يوميًا، ما يعادل نحو 5 بالمائة من إمدادات النفط العالمي، وسط تقارير تحدثت عن أن عودة شركة أرامكو لإنتاج النفط بالكميات الطبيعية قد تتطلب أشهرًا.

وقبل توجهه إلى أرمينيا للمشاركة في اجتماع الاتحاد الأوراسي، كشف روحاني في تصريحات صحفية عن وجود "استعدادات قد تبلورت لاجتماع 1+5، وأن جميع الأطراف وافقت على أطر مفاوضات هذا الاجتماع"، ما يعطي انطباعًا عن إمكانية بدء المفاوضات بين واشنطن وطهران، نظرًا لأن مجموعة 1+5 تعني مشاركة واشنطن في المفاوضات، وشدد الرئيس الإيراني على أنه "من المهم للغاية أن نضع القضية النووية في مسارها القانوني والدولي، ونشجع الآخرين على التوبة"، في إشارة لانسحاب واشنطن الأحادي من الاتفاق النووي الإيراني العام الماضي.

روحاني رفض إجراء مكالمة هاتفية مع ترامب

وتظهر طهران موقفًا صارمًا من حدوث أي مفاوضات مباشرة مع واشنطن طالما أن الأخيرة تفرض العقوبات الاقتصادية عليها، بالأخص بعد التقارير التي تحدثت عن فشل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بترتيب اتصال هاتفي بين روحاني ونظيره الأمريكي دونالد ترامب في الفندق الذي كان يقيم فيه روحاني، أثناء انعقاد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة الأسبوع الماضي.

وكشفت تقارير صحافية في هذه الشأن أن ماكرون وظَّف تقنيين فرنسيين لتركيب خط هاتفي مؤمن في غرفة اجتماعات بفندق ميلينيوم قبالة مقر انعقاد اجتماعات الجمعية العامة، إلا أن روحاني بعد وصوله لغرفته المخصص إقامته بها في الفندق رفض استقبال المكالمة الهاتفية، فضلًا عن فشل ماكرون بذلك شخصيًا بعدما قرر الذهاب إليه في غرفته لإقناعه بإجراء المحادثة مع ترامب.

وبالتزامن مع انعقاد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، فرضت واشنطن حزمة عقوبات جديدة على طهران، استهدفت من خلالها البنك المركزي الإيراني، والصندوق الوطني للتنمية، وذلك بعد فرضها على مدى العام الجاري مجموعة من العقوبات الاقتصادية استهدفت قطاعي النفط والصناعة، بالإضافة لمسؤولين في الحكومة الإيرانية، والحرس الثوري الإيراني، وساهمت العقوبات الاقتصادية التي تفرضها واشنطن من جانب أحادي بعرقلة الجهود التي يقودها ماكرون لتخفيف التوتر المتصاعد بين طهران وواشنطن في الشرق الأوسط.

وفي كلمته خلال اجتماع الجمعية العامة طرح روحاني مبادرة "تحالف الأمل" التي تضمنت حرية الملاحة لكل الدول المطلة على مضيق هرمز، داعيًا "للتسوية السلمية للخلافات"، وأن تقوم على مبدأي "عدم الاعتداء، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول".

هجمات أرامكو أثرت على الاقتصاد السعودي

وتعرض الاقتصاد السعودي لضربة قوية جاءت بالتوازي مع استعدادات الرياض لإصدار دولي محتمل لسندات إسلامية مقومة بالدولار، فقد أشارت وكالة فيتش العالمية إلى انخفاض تصنيف الاقتصاد السعودي درجة واحدة من A+ إلى A، مما سيساهم بزيادة تكلفة الاقتراض على الرياض من الأسواق العالمية، متوقعًة وصول العجز المالي في الملكة لـ6.7 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي للعام الجاري بسبب السياسة المالية وهبوط أسعار النفط مقارنة بعجز 5.9 بالمائة للعام الماضي.

وقالت الوكالة إنه "من وجهة نظرنا، فإن السعودية عرضة لتوترات جيوساسية متصاعدة نظرًا لمكانتها البارزة في السياسة الخارجية، بما في ذلك ارتباطها بالسياسة الأمريكية بشأن إيران واستمرار انخراطها في حرب اليمن"، دون استبعادها حدوث مزيد من الهجمات على الرياض مما قد تنجم عنه أضرار اقتصادية.

وأرخى الهجوم الذي استهدف منشأتي النفط في السعودية بتأثيرات سلبية على شركة أرامكو التي كانت تنتظر موافقة الحكومة السعودية لطرح أسهمها للاكتتاب العام الأولي بنسبة 5 بالمائة في عملية كان يتوقع أن تكون أكبر طرح للأسهم في أسواق البورصة العالمية، لكن الهجوم دفع بالمسؤولين السعوديين للتفكير بتأجيل طرح الشركة أسهمها للاكتتاب، فقد كان مقررًا طرح الشركة أسهمها للاكتتاب في 2018، قبل إعلان تأجيل الطرح حتى 2019، ثم 2020 أو 2021، رغم أن التحضيرات لذلك بدأت في 2016.

وعلى الرغم من أن مركز ستراتفور الأمريكي في توقعاته للربع الأخير من العام الجاري أشار إلى أن الرياض ستزيد من استعداداتها لعملية الاكتتاب الأولي على أسهم أرامكو، فإن قلق المستثمرين، بالإضافة لما تتطلبه عملية الطرح من شفافية لها علاقة بالسياسة المالية لأرامكو، واحتياط المملكة من الطاقة سيدفعها لتأجيل عملية الطرح خلال الربع الأخير من العام الجاري.

هل تصعد طهران بزيادة أنشطتها النووية؟

ولا تقتصر توقعات المركز الأمريكي للربع الأخير من العام الجاري على شركة أرامكو، بل امتدت لتشمل معظم القضايا السياسة المتوترة في منطقة الشرق الخليح، بالإشارة للتهديدات الصادقة التي أظهرتها إيران لمنتجي النفط في منطقة الخليج، ما أثر على الاقتصاد العالمي وأسعار النفط، لكنه أظهر في مقابل ذلك "تحفظ ترامب الشديد على الدخول في حرب فوضوية في الشرق الأوسط".

وكانت صحيفة هآرتس الإسرائيلية قد اعتبرت في معرض تعليقها على الهجمات التي ضربت منشأتي النفط في السعودية، أن طهران أدارت حملتها العسكرية للتخفيف من حدة العقوبات الاقتصادية التي فرضت عليها بطريقة منهجية ومنظمة وثابتة، وأظهرت كذلك قدرة تخطيطية وتنفيذية مذهلة، تجاوزت فيها بصواريخ الكروز منظومة باتريوت للدفاع الجوي الأمريكية.

وأشارت توقعات المركز الأمريكي إلى أن التباطؤ الصناعي، وضغوط بريكست، وتداعيات الحرب التجارية بين واشنطن وبكين على الاقتصاد العالمي، ستدفع بدول أوروبا وآسيا المستوردة للنفط من دول الخليج لاستخدام نهج الوساطة مع طهران عوضًا عن المواجهة حتى في حالات التصعيد القصوى، فيما ستحاول واشنطن استنفاذ خياراتها غير العسكرية لإرضاخ طهران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات.

لكن على الطرف الآخر فقد توقع ستراتفور مخاطرة طهران بالدخول في صراع عسكري مع واشنطن وحلفائها في منطقة الخليج، حيثُ سيدخل الطرفان في مرحلة استكشاف إجراء محادثات تمهيدية، ما يعني تشديد العقوبات، وتنفيذ هجمات سيبرانية من الجانب الأمريكي، مقابل اتخاذ طهران خطوات تصعيدية فيما يخص أنشطتها النووية، ومواصلة تهديد السفن التي تعبر منطقة الخليج.

اقرأ/ي أيضًا: المرحلة الثالثة لتقليص التعهدات النووية.. طهران تتجه للتصعيد

وكانت الوكالة الإيرانية للطاقة الذرية قد أعلنت بدء تنفيذ المرحلة الثالثة من تقليص الالتزام بالاتفاق النووي في السابع من الشهر الفائت، ومنحت مهلة ثالثة لشهرين للأطراف الأوروبية قبل الشروع في تنفيذ المرحلة الرابعة من تقليص التعهدات، وأشارت الوكالة إلى أن المرحلة الثالثة تتضمن تطوير أجهزة الطرد المركزي على أربع مراحل.

تعرض الاقتصاد السعودي لضربة قوية جاءت بالتوازي مع استعدادات الرياض لإصدار دولي محتمل لسندات إسلامية مقومة بالدولار

وأوضح المتحدث باسم الوكالة بهروز كمالوندي بأنه مع بدء المرحلة الثالثة من تقليص التعهدات أنهت طهران خمسة من أصل ثمانية قيود يفرضها الاتفاق النووي المبرم عام 2015 على برنامجها النووي، بعدما شملت المرحلة الأولى من تقليص التعهدات رفع القيود عن إنتاج اليورانيوم منخفض التخصيب بنسبة 3.76 بالمائة وإنتاج المياه الثقيلة، وقامت بالمرحلة الثانية برفع نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 4.5 بالمائة لتتجاوز النسبة المنصوص عليها في الاتفاق النووي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

 حرب الناقلات.. هل فرضت طهران هيمنتها على مضيق هرمز؟

التحالف الهش.. الرياض تقف وحيدًة في مواجهة طهران