المولد النبويّ في الأردن: موسم الخلافات والتكفير

المولد النبويّ في الأردن: موسم الخلافات والتكفير

فرقة المولوية في مهرجان جرش الأردني (Getty)

كنت في الصفّ الخامس حين حفظت قصيدة طويلة في المديح النبويّ مطلعها:
يا سيّد السادات جئتك قاصدًا .. أرجو رضاك وأحتمي بحماكا

وذلك لألقيها في حفل المولد النبويّ في المدرسة. كنت صغيرًا جدًّا حينها، وأذكر كم قضيت من الوقت لأرتّب هندامي وأعيد تكرار القصيدة الطويلة التي دلّني عليها أبي من كتاب "المستطرف في كلّ فنّ مستظرف" للأبشيهي. أذكر أيضًا تلك المشاهد الاحتفالية الصغيرة في ذكرى المولد في الحيّ الذي كنت أسكنه في عمّان. كان الناس يجلبون حلوى "المشبّك"، وهي الحلوى التقليديّة التي كانت توزّع في هذه المناسبة.

اقرأ/ي أيضًا: "ميموزا".. صوفية إسبانية على أرض مغربية

كانت لدينا حينها نوعٌ من "براءة دينية"؛ تلك السذاجة المريحة التي تجمع بين النّاس، ويتداخل فيها الدينيّ مع الثقافيّ اليوميّ بدون سماجة ولا إقحامٍ فجّ. لم تكن المنابر في تلك الأيام تجعجع بمكبّرات الصوت بحرمة الاحتفال بالمولد وتبديعه وتكفير من وزّع الحلوى وغنّى ورقص في هذه الذكرى. كان النبيّ في ذلك الحين مصدر فرح وسرور وحلوى، أمّا اليوم فميلاده والاحتفال فيه من أكبر موارد الخلاف بيننا.

لم تكن منابر الأردن قديما تجعجع بمكبّرات الصوت بحرمة الاحتفال بالمولد وتبديعه وتكفير من وزّع الحلوى وغنّى ورقص في هذه الذكرى

قد تختلف الصورة في البلاد العربيّة والإسلاميّة الأخرى العريقة في التصوّف والعشق النبويّ كمصر وسوريا والمغرب وتركيا عن الحال في الأردن، مع أنّه ما زال فيها بقيّة من كبار مشايخ التصوّف. فقد تأثر الأردنّ بشكل كبير بالمدّ السلفيّ الحجازيّ، وصار التديّن الشعبيّ سلفيًّا إلى حدّ كبير، حيث المبالغة المفرطة بالمظاهر والتقيّد المتزمّت ببعض الشؤون الدينيّة، ولست في صدد الحكم على خير هذا الأمر من شرّه، ولكنّ الأمر الأكيد هو أنّ المسجد صار ساحة بين الناس لتقاذف الأحكام فيما بينهم، تصول بها كلمة شيوخ من مشارب عديدة، أهمّها السلفيّة التقليديّة التي بدأت بالانتشار الحقيقيّ بداية تسعينيات القرن العشرين.

ومع أنّ حلقات الذكر الصوفيّة، كما أذكر أنا شخصيًا في صغري، وما سمعته من بعض الكبار من العائلة والأساتذة، قد كانت منتشرة في بعض أحياء عمّان، وحتّى في الحيّ الذي كنت أسكنه في عمّان الشرقيّة، فقد كانت هنالك حلقة ذكر صوفيّة لشيخٍ فلسطينيّ من عائلة العمري، قد انتهت بتركه عمّان وعودته إلى القدس. ويكاد يستحيل اليوم أن تفكّر حتّى بتصوّر وجود حلقة صوفيّة في ذات الحيّ، نظرًا لبعد عهد النّاس بهذا الأمر من جهة، ولانتشار التديّن السلفيّ بينهم وبين الغالبيّة الساحقة (حرفيًّا) من الشيوخ أصحاب التوجّهات السلفيّة في تلك المنطقة.

كما كان الجامع الحسينيّ الكبير في وسط البلد يحتضن حلقة ذكرٍ صوفيّة، كانت تقام بعد العشاء من يوم الثلاثاء للشيخ أحمد الخضريّ، وكان شيخ الطريقة الشاذلية العلويّة، ولكنّها نقلت إلى مكان آخر غير معلوم في محافظة الزرقاء شرق العاصمة. وما زالت هنالك بعض الزوايا الصوفيّة المعدودة على أصابع اليد في عمّان وبعض المحافظات الأخرى، خاصّة في إربد والزرقاء.

ومع غياب تجربة التصوّف في المجتمع بشكل عام، سواء على شكل الممارسة والسير على طريقة ما، أو حتّى على المستوى الثقافي اليوميّ، كما هي الحال في مصر أو السودان أو تركيا، وما كانت تعنيه هذه التجربة من احتفاء بمظاهر إسلاميّة كبيرة، كالمولد النبويّ أو ذكرى الهجرة وغيرها نتيجة خطاب متشدّد يتّشح بالطهوريّة، يريد أن يخلّص المجتمع من البدع والهوى، وجاء بفتاوى تبدّع النّاس إن احتفلوا بالمولد أو وزّعوا فيه الحلوى ويحرّمون التهنئة به.

اقرأ/ي أيضًا: جورج طرابيشي.. حفريات الفكر العربي

إنّهم جعلوه مثارًا للمذهبيّة والتفتين بين المسلمين، فيقولون إنّ الفاطميين الشيعة هم من ابتدعوا بدعة الاحتفال بالمولد، وأنّ ذلك "خبث ودسيسة على أهل الإسلام، لنشر مذهبهم الإسماعيلي الباطنيّ" كما يقول الشيخ السلفي صالح المنجد وأنّ المولد "وسيلة للغلوّ والشرك"، بل وقال بعضهم إنّها "عادة نصرانيّة لأنّ النصارى هم من يحتفلون بأعياد الميلاد". وهكذا تحوّل الاحتفال بالمولد إلى فرصة سنويّة لحشد الأدلّة ودفع الشبهات، فتروح بهجة المولد وبركته في خصام النّاس، وهو حديث يبدأ في المساجد والمنابر وينتقل إلى البيوت والمجالس ثمّ إلى منصّات التواصل الاجتماعيّ بطبيعة الحال.

تأثر الأردنّ بشكل كبير بالمدّ السلفيّ الحجازيّ، وصار التديّن الشعبيّ سلفيًّا إلى حدّ كبير

وقد تلاشت تلك "البراءة" الدينيّة حتّى بين الأطفال في المدرسة الابتدائيّة، فصارت كلمة "بدعة" تدخل قاموس مفرداتهم في أوّل دخول لهم للمسجد أو في أوّل حصّة دينيّة يعون منها أيّ شيء.

أمّا ما جرى معي وأنا صغير فهو أنّني لم ألق القصيدة بسبب التعديل على برنامج الحفل، ولكنّها بقيت في ذاكرتي حتى وصلت الثانويّة، فخرجتُ على منصّة الإذاعة المدرسيّة مرتجلًا بلا ورقة وألقيتها من حفظي في ذكرى المولد في ذلك العام، فأتاني بعدها أستاذ التربيّة الإسلاميّة لائمًا ومؤنّبًا لأنّ القصيدة فيها مدح وتوسّل يقتربُ من الشرك!

وكلّما أذكر هذا الموقف أستعيذ بحضرة النبيّ من الجاهلين، وأقول: "يا سيّد السادات، خذ بيدي".

اقرأ/ي أيضًا:
مساجد الجامعات الجزائرية.. لله أم للأحزاب؟
السيدة زينب.. سند المكسورين وبراح من ضلَّ السبيل