"فنون الوداع".. للفراق أغانٍ باقية في صعيد مصر

السيرة الهلالية على الطريقة المصرية

ضمن سلسلة "الدراسات الشعبية" التي تعنى بنشر الدراسات المتعلقة بالفلكلور وملاحم الأدب الشعبي، صدر مؤخرًا كتاب "فنون الوداع.. من أغاني الفراق في جنوب مصر" (الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2016) للباحث المصري أحمد توفيق. وقد اختار توفيق محافظة أسيوط، في صعيد مصر، ميدانًا لجمع نصوص كتابه الذي يشمل فنون الوداع، وما يصاحبها من ممارسات وطقوس وموسيقى مرتبطة بتلك اللحظات، التي يودّع فيها الأهل والأحباب عزيزًا لديهم.

فنون الوداع موسيقى مرتبطة بتلك اللحظات التي يودّع فيها الأهل والأحباب عزيزًا لديهم

وكما يرد في تقديم الكتاب، فإن ما يجمع بين العديد "رثاء الميت"، وحنون الحجّاج "توديعهم"، وأغاني الحِنّة "الليلة التي تسبق ليلة الزفاف"، والجمَّالة "حدو الإبل"، هو طقس العبور من مرحلة لأخرى في الحياة، حيث تمارس الجماعة الشعبية طقس العبور من زمن إلى زمن أو من مكان إلى مكان، وكلاهما يقترنان كاللحمة والسدى في دورة الحياة، بدءًا من الميلاد وانتهاء بالموت، وطقس العبور يراوح بين الحزن والفرحة، الحزن على فراق مرحلة وزمن والفرحة باستقبال عالم جديد تتهيّأ فيه الروح لتسمية جديدة ومكانة مختلفة. 

اقرأ/ي أيضًا: مصر.. عصر تشميع المكتبات بدأ بـ"الكرامة" أولًا

النصوص الشعبية تعكس هذه الحالة بجدارة، كما يقول الشاعر والباحث مسعود شومان في تقديمه للكتاب، حيث لم يفصل الباحث بين النصوص المجموعة وواقعها الميداني، ونجد ذلك واضحًا في تتبعه للمناطق التي قام بالجمع منها، كما ربط بين أنواع النصوص ورواتها، وكذا بينها وحالة الرواة في الأزمنة والأمكنة التي جمع منها مادته، فقد أجهد توفيق نفسه محاولًا اللحاق بهذه النصوص قبل أن تذوي، على حد تعبير شومان، وذهب وراءها يجمعها من قرى محافظة أسيوط، بني زيد الأكراد، وبني عُدي، وعرب العطيات البحرية، وغيرها. وقد بدأ توفيق باكورة دراسته عام 1998 معتمدًا على ما طرحه الميدان البحثي عليه من تصنيفات، كما أفاد من تصنيف الأستاذ الباحث عبد الحليم حفني رائد هذا المجال من خلال كتابه القيّم "المراثي الشعبية"، الذي يتضمن نصوصًا نادرة بدأ الباحث في جمعها منذ عام 1961، حتى ظهرت أخيرًا في كتاب عام 1997.

وموضوع "فنون الوداع" بما فيه من جمع قد استهوى عددًا من الباحثين الذين قدموا إسهامًا جادًا في دراسة وحفظ هذا الكنز من النصوص العصية على الجمع، وهي دراسات تقدم إضافات في هذا الميدان منها: "فن الحزن" للشاعر والباحث الراحل كرم الأبنودي، و"ميراث الأسى" للشاعر والباحث فارس خضر، و"أشكال العديد في صعيد مصر" للشاعر درويش الأسيوطي، وقد وضع أحمد توفيق تصنيفًا للعديد على النحو التالي: التصنيف العام، ويتفرَّع منه مجموعة من التصنيفات الفرعية حسب الموضوع مثل عديد البنت على أبيها، وعديد البنت على أخيها، وعديد المرأة على زوجها، وعديد الأم، وعديد المرض، وعديد الحزن، وعديد الغريب، وعديد الرجال، وعديد اليتامى، وعديد الشباب، وعديد الرجل الذي لم ينجب، وعديد المرأة التي لم تنجب، وعديد كبار المكانة، وعديد الابن على أبيه، وعديد المسنّين والعجائز، وعديد الأم على ابنتها، وعديد من لم يتزوج، وعديد الفتاة التي لم تتزوج، وعديد المناسبات، وعديد الأم على ابنها، وعديد الطفل، وعديد المقتول، وعديد القبر، وعديد الغُسل، وعديد الكفن، وعديد الملدوغ من العقرب، وعديد المحروق، وعديد الفتاة الميتة بعد زواجها مباشرة. 

أما التصنيف الثاني "عديد السير الشعبية"، فيحتوي على نموذجين للعديد من "السيرة الهلالية" مثل عديد واطفة على أبيها عامر الخفاجي، وعديد هولة فقد أولادها الثلاثة.

الفنون القولية الغنائية في مصر، تكتنز بالشجن والحزن على وداع الأحباب

أما القسم الثاني من "فنون الوداع" فيتضمن أغاني الحج بتقسيماتها المتعددة، إضافة إلى فنون الوداع المتعلقة بأغاني الجمَّالة وأغاني الحِنّة، ويلتحق بها أغاني الأفراح والمواويل والأدوار وغيرها من الفنون القولية الغنائية التي تكتنز بالشجن والحزن على وداع الأحباب. 

اقرأ/ي أيضًا: 32 مخرجًا في منحة الخريف لمؤسسة "الدوحة للأفلام"

وقد حفل الكتاب بعدد من الكشّافات التي تقدّم عونًا للباحثين في التراث والمأثور الشعبي المصري جاءت على النحو التالي: كشّاف قوافي الأشعار، وأدوات الزينة والروائح والحلي، والأرقام، والأصوات، والأماكن والبلاد، والرواة وأنواعهم، والأوقات، والتعبيرات الشعبية والتحايا والأدعية، والحيوانات والطيور والحشرات والأسماك، وعلاقات القرابة، والنباتات والأعشاب والأشجار والفاكهة، والأمراض، والحِرف والمهن والرتب، والأزياء والملابس والأغطية، وأعضاء الجسد، والألوان، والكائنات الغيبية والخرافية، وعناصر الطبيعة والمعادن والآلات والأدوات والأحجار، والأطعمة والمشروبات والحلوى، والمؤسسات والأبنية وملحقاتها، والمعتقدات، والمكاييل والمقاييس والعملات، والمحاصيل الزراعية، والأدوية، والصفات، والأسماء، والأنبياء وآل البيت والأولياء والقديسين، والرواة والإخباريين، وأماكن جمع النصوص. 

ويذكر الباحث في بداية الكتاب، أنه إذا كان اللعب هو سيناريو الحياة التي تحياها المجتمعات، والحكي هو الحوار والجدل مع مفردات تلك الحياة، فإن الغناء هو صداها الروحي والوجداني. وحول الموروث الشعبي المصري في الغناء بحسب التطورات والأحوال الاجتماعية، يقول إن الشعب المصري في أوقات مختلفة وأحوال متغيرة وعبر أزمان متلاحقة يغنّي حاله، أفراحه وأحزانه، يغنّي للحظات الفراق ولحظات المرض، يغنّي لصفات وسمات النبل والشهامة وكذلك يغني متباكيًا على ما يصل إليه الإنسان من وصمات الذلّ والمهانة والخنوع، يغنّي للعدو ويغنّي للصديق، يغنّي في مراحل دورة الحياة بداية من الغناء للطفل في فترات الطفولة والمهد، والسبوع ويغني لتهنينه ثم يغني لتربيته وتعليمه، وكذلك أغاني "الطهور" في مناسبة ختان الأطفال، وأغاني الفرح بمناسبة الزواج (الفاتحة، الشبكة، كتب الكتاب، الحِنّة، الدخلة، الصباحية، سبوع الزواج)، وفي نهاية المطاف أغاني الموت (البكائيات والعديد).

يغنّي الفلاح المصري للمحاصيل أثناء جمعها، وللقطن أثناء جمع الدودة وأثناء جنيه

كذلك يغنّي الفلاح المصري للمحاصيل أثناء جمعها، وللقطن أثناء جمع الدودة وأثناء جنيه، ويغنّي أثناء دراس وتذرية القمح أو الذرة، وأثناء سقي الزرع، وأثناء الحرث، ويغنّي الجمّالين في رحلاتهم أغاني السفر والفراق، ويغني الأغاني للحجاج أثناء توديعهم وأثناء استقبالهم وقت رجوعهم من الحج، وكذلك يغني البنّاؤون والصيّادون والسقّاؤون، وصانعو الفخار، والحدادون وغيرهم من أصحاب المهن والحرف، كلٌّ له لغته الخاصة وغناؤه الخاص الذي يتسلّى به. 

اقرأ/ي أيضًا: لوحات لفنانين عراقيين تغزو المستشفيات والجامعات

ويشير الكاتب إلى أنه لا يمكن فصل النصّ المجموع في الكتاب عن الواقع الميداني، بشقيه الجغرافي والإنساني، وهو ما يظهر جليًا من خلال تتبعنا للمناطق التي تناولها الكتاب بالجمع، فهناك تعدد جغرافي ساهم في تعدد أشكال وطبائع وأحوال الجماعات الشعبية، ومن ثمّ تعدد أشكال الغناء ومفردات البيئة المعيشة التي تكوّن تلك النصوص، فهناك طبيعة جبلية تؤثر في طبيعة أهلها الذين يمتازون بالغلظة والقساوة والخوف من المجهول الذي يمثّله الجبل، وهناك طبيعة نيلية تجعل أهل تلك المناطق أكثر ليونة وإنسانية وميلًا للخيال والإبداع، وكذلك طبيعة نيلية جبلية تجمع بين صفات الإنسان الذي يعيش الطبيعتين السابقتين، على أساسها تشكّلت الجماعات الشعبية في تلك الأماكن.

وكذلك لا يمكننا فصل طبيعة النص المجموع عن نوع راوي ذلك النصّ، فعلى سبيل المثال نجد أن أغاني العديد معظم رواتها من النساء، وأغاني الحج رواتها من الرجال والنساء، أما أغاني الرحلات الجمّالة فرواتها من الرجال. وكذلك يتأثر النصّ بتغيّر الحالة المزاجية للراوي وكذلك الزمان والمكان الذي نشأ فيه.

اقرأ/ي أيضًا:

"المركز العربي" يبحث في تاريخية الجامعات العربية

الجزائر.. جائزة للرواية باسم الطاهر وطار