17-أغسطس-2023
هل نشتري الماضي أم نبيع له أنفسنا؟ (الترا صوت)

هل نشتري الماضي أم نبيع له أنفسنا؟ (الترا صوت)

هل نشتري الماضي أم يشترينا؟

سؤال لا يبالي به أو لا يدركه أهل غربة المكان أو غربة الزمان، من المطرودين من مرابعهم، أو من أخذهم الزمان بعيدًا عن حياة عرفوها في بواكيرهم.

بمقدار ما يتجلّى الحنين شبيهًا بالمرض والمصابون به شبيهين بالمرضى، فإنه يتجلى أيضًا، في إحدى صوره الساخرة، على هيئة باب رزق مرتين، وبمقدار ما تقوم الأسواق والتجّار بفتح هذا الباب بقوةٍ على مصراعيه، فإنه بالقوة ذاتها يبتكر مفاهيمَ جديدةً للأسواق والتسوّق، وأشكالًا أوسع مما حصرنا فيه التجارة طوال تاريخها بين طرفين؛ باعةٍ وزبائن.

صنع الحنين أسواقًا وتجّارًا وزبائن وعلاقاتٍ تجارية. ويمكننا الحديث عن استهلاك كما في الأسواق الأخرى، إلا أن هذا الاستهلاك لا يُشكّل ضغطًا على البيئة، ولا يستنفد الموارد الطبيعية

تحت عنوان القسم الأول، تنتشر في المحلات العربية في ألمانيا، وبعض الدول الأوروبية الأخرى، بضائع سورية شهيرة؛ شيبس وبسكويت وعلكة وبودرة أطفال وشامبو.. وجميعها من العلامات التجارية التي عرفتها السوق المحلية معزّزةً بدعايةٍ جارفةٍ زمنَ التلفزيون الواحد، حتى باتت في عداد المفاخر الوطنية، فالسوريّ الذي كان عليه أن يفتخر، في زمنٍ سابق، لمجرد أنه سوري، كما تقول واحدة من أسوأ الأغاني الشعاراتية في التاريخ: "أنا سوري آه يا نيالي"، افتخر بالمثل بعلكة "منطاد" وبسائل الجلي "الأفراح".

لا يسأل أحد عن جودة المُنتَج في أسواق المنفى، فما من علاقة بينها وبين البضاعة القديمة كما تقول التجربة الأولى بوضوح ومباشرة لكل واحد منهم، لكنهم إذ يشترون الغلافَ دون مبالاةٍ بالمادة في داخله فإنما يشترون الزمان ذاته على أنه بضاعةً لا تحمل تاريخَ انتهاء صلاحية، وبهذا يحملون أكياسهم مسرعين إلى بيوتهم، فأخيرًا أصبح بإمكان كلٍّ منهم أن يجرّب آلة الزمن التي ستُعيد إليه - أو تُعيده إلى - فردوسه المفقود.

بينما تنشأ سوق افتراضية واسعة، تحت عنوان القسم الثاني، متخذةً شكل الفيديو غالبًا، حيث يحمل أحد الباقيين في البلاد المفؤودة موبايلَهُ ويمضي نحو مكان من الأمكنة العزيزة (الجامع الأموي، قلعة حلب، ضفة من ضفاف الفرات..) واثقًا من أن آلاف مؤلفةً ستشاهد الفيديو فور نشره، فالجمهور ليس جاهزًا ومستعدًا لمثل هذه المواد وحسب، بل إنّ طلبه لها كاسح وكأنها من المخدرات.

صنع الحنين أسواقًا وتجّارًا وزبائن وعلاقاتٍ تجارية. ويمكننا الحديث عن استهلاك كما في الأسواق الأخرى، إلا أن هذا الاستهلاك لا يُشكّل ضغطًا على البيئة، ولا يستنفد الموارد الطبيعية، ولا ينتج نفاياتٍ. وليس له علاقة باستغلال العمّال كما في صناعات الأزياء والإلكترونيات. كما أنه لا يُولّد أية قيم سلبية من تلك التي تتمحور حول المظهر والمكانة، ولا يخلق فروقات اجتماعية تؤدي إلى عدم المساواة.

في أحد مشاهد مسلسل "التغريبة الفلسطينية"، يشرح الأخ البراغماتي مسعود لزوجته مشروعه في فتح مطعم "المسخّن"، فيقول إن الناس حين يجلسون في غربتهم في الكويت فإنهم يتحدثون عن البلاد، وثلاثة أرباع الحديث مقتصر على أكل البلاد؛ بطيخها وبرتقالها وعنبها، وزعترها وزيتها وزيتونها، وبالطبع "المسخّن". وبحسب نظرية ذلك اللاجئ المنكوب؛ الحنين تجارة لن تبور!

إذًا، لطالما عرف التاريخ من يعرفون كيف يبيعون الحنين، لكن المشكلة دائمًا في من يشترونه.

مثلما يسعى الأشخاص وراء زمان ذهبيّ جماعيّ، فداخل ذلك هناك زمان ذهبيّ لكلّ شخص، ولهذا فحنين كلٍّ منا استثنائيّ بطبعه

أكّدت الحياة نظرية مسعود في "التغريبة الفلسطينية" لجهة أنّ الحنينَ قوة اقتصاديةً، وعامل حاسم في البزنس والتسويق، لأن البضاعة التي تثير المشاعر والذكريات قادرة على التواصل مع جمهورها، والتميّز عن سواها في المنافسة المحمومة، وفي رفع نسبة الزبائن، وزيادة ولاءهم لها.

هذا كله إلى جانب أن للحنين، بطابعه النوستاليجيّ، علاقةً بالهوية، وبمن نحن، حيث إن دافع البحث عن أشياء محددة من الماضي هو سعي للحفاظ على هوية أو بنائها. وهذا أيضًا لا يُنكر أن تطرف الحنين، في أوقات خروجه عن كل قيد وشرط، لا يعيق العلاقة مع الحاضر وحسب، بل يجعل الزمن ذا بعد أحادي يبدأ وينتهي من الماضي أيضًا. فمع كل الحرارة التي يشعلها الشوق فينا إلى الماضي ثمة رفض للراهن، أو للتكيّف معه.

الحنين قصة تدور حول سعي مستحيلٍ هو اللقاء بالغائب والمفقود. ومثلما يسعى الأشخاص وراء زمان ذهبيّ جماعيّ، فداخل ذلك هناك زمان ذهبيّ لكلّ شخص، ولهذا فحنين كلٍّ منا استثنائيّ بطبعه.

مع كل ما تقدّم، ومع كل ما سيأتي، ما من إجابة عن السؤال الذي ابتدأنا منه: هل نشتري الماضي أم نبيع أنفسنا له؟