الحراطين.. هل تحرر عبيد موريتانيا بالفعل؟

الحراطين.. هل تحرر عبيد موريتانيا بالفعل؟

تظاهرة احتجاجية ضد العبودية في نواكشوط عام 2015 (أرشيفية/ أ.ف.ب)

رغم تحرير "الحراطين" في موريتانيا، وهو اللقب الذي يطلق على العبيد السابقين هناك، إلا أنهم  يشكلون الفئة الأكثر تهيمشًا في المجتمع الموريتاني؛ فالكثير منهم  يعاني من آثار العبودية التي انتهت قبل سنوات عبر مرسوم رئاسي عام 1981.  لكن غياب الترسانة القانونية، لم يحد من هذه الممارسات التي تسيء لموريتانيا، خاصةً مع نزيف التقارير الدولية، التي تؤكد حدة الفقر والتهميش الذي يعيشه "الحراطين"، وبفضل الضغط الدولي والمنظمات الحقوقية المحلية، أصدرت الحكومة قانونًا يجرم المتاجرة بالعبيد سنة 2007.

لكن وفقًا لحقوقيين وسياسيين في بلد المليون شاعر، فإنّ واقع الحراطين أو العبيد السابقين في موريتانيا يشهد ظروفًا قاسية جدًا، بهدف بقائهم في دائرة التبعية لأسياداهم السابقين ذوي النفوذ والمال، لا سيّما وأن هذه الفئة من المجتمع الموريتاني، التي يختلف في إحصائها ما بين 25% و50% من إجمالي السكان، تعاني من غياب برامج تنموية تساهم في اندماجهم بالمجتمع، لكن الرأي الآخر يرى أن الحراطين مثلهم مثل باقي فئات أخرى من موريتانيا، فما يجري عليهم يجري على الآخرين.

اقرأ/ي أيضًا: أن تكون ضد العبودية في موريتانيا

تهميش الحراطين

لم يفوّت الحقوقي أبوبكر ولد مسعود رئيس منظمة "نجدة العبيد"، والرئيس الدوري لميثاق "الحقوق السياسية والاقتصادية للحراطين" ، الذكرى الرابعة للميثاق، قبل أيام، ليوجّه انتقادات لاذعة للنظام بخصوص واقع العبيد السابقين في موريتانيا.

ورفع ولد مسعود وباقي الحراطين شعار "كفى ظلمًا"، في وجه الحكومة الموريتانية، إذ انتقد رئيس منظمة "نجدة العبيد" في خطابه الذي ألقاه أمام العبيد السابقين "إقصاء الحراطين في قطاعات التوظيف، سواءً العمومية أو شبه العمومية، نتيجة السياسات المعتمدة من طرف الدولة الموريتانية، التي هي ريع خاص وحصري لعصابات الفساد المميزة من ناحية تكوينها الاجتماعي"، على حد تعبيره.

يعيش العبيد السابقون في موريتانيا ظروفًا قاسية مقصودة، بهدف بقائهم في دائرة التبعية لأسيادهم السابقين

وقدم أبوبكر ولد مسعود إحصائيات ومقارنات لواقع الحراطين في أجهزة الدولة، فعلى سبيل المثال في غرفتي البرلمان لا يوجد سوى أقل من 10 برلمانيين حراطين من أصل 151 منتخبًا على مستوى هاتين الغرفتين، وعلى مستوى الحكومة، استقر الأمر خلال 30 عامًا، على متوسط وزيرين اثنين من الحراطين.

وعلى رأس الولايات، فهنالك والٍ واحد فقط من الحراطين من أصل 13 واليًا، وفي البعثات الدبلوماسية ليس هناك إلا اثنان على الأكثر من الحراطين في رئاسة البعثة الدبلوماسية من أصل 35، وهناك على الأكثر أربعة حراطين كمديرين عامين لمؤسسات عمومية، من أصل 140.

على جانب آخر، تحوّل قانون "الإصلاح العقاري" إلى وسيلة لانتزاع الأرض من ملك الحراطين، وفقًا لولد مسعود، الذي يقول إنه يحرم على آلاف الحراطين "الولوج إلى الحالة المدنية، فيتكدسون طيلة أشهر أمام مراكز الحالة المدنية، وتتحول المدرسة العمومية إلى مكان لتكريس سياسة التمييز غير المعلن ضد أبناء الحراطين، ومن هم في وضعيتهم من الفقراء والمهمشين".

مجتمع موريتانيا الطبقي

تهميش الحراطين راجع إلى بنية المجتمع الموريتاني، فهو بالأساس مجتمع قبلي، وطبقي على هذا الأساس، أو كما قال الكاتب الصحافي المختار محي يحيى لـ"ألترا صوت"، إن "عدم اندماج الحراطين في المجتمع الموريتاني، يرجع بالأساس، إلى طبقية المجتمع".

وأوضح المختار أنه على سبيل المثال ترفض بعض القبائل الموريتانية الزواج من قبائل أخرى، مثل قبائل "البيظان" والتي يقصد بها القبائل العربية، بالإضافة إلى أن الزواج بين العرب والسود يجد معوقات في كثير من الأحيان، لذا فإنه يُؤكد على أن التقاليد والعرف القبلي هو الذي يحكم الأمر، مدللًا على أن بعض القبائل، وبحكم الجيرة والتعايش، تتعامل مع الحراطين بشكل طبيعي.

تظاهرة منددة بالتمييز ضد الحراطين في موريتانيا (Getty)
تظاهرة منددة بالتمييز ضد الحراطين في موريتانيا (Getty)

وأغلب هؤلاء الذين سبق ورزحوا تحت العبودية، يعيشون في أرياف بعيدة شيئًا ما عن مركز القرار، وتنتشر بينهم تدني مستوى التعليم والبطالة، ويسمي الموريتانيون مفرد تلك "الأرياف" بـ"أدباي"، وتنتشر في مختلف محافظات البلاد.

وهنالك عامل آخر، وهو العامل الجغرافي، فالعبيد السابقون يفضلون العيش في المناطق القريبة من النهر جنوبًا، أو الشاطئ غرب مورتيانيا، لأن مهنتهم التقليدية هي الزراعة وتربية الماشية. أما العرب فيفضلون العيش في الصحراء.

ونفى المختار عدم امتلاك الحراطين لوثائق مدنية أو ثبوتية، مُؤكدًا أنّ "الحراطينن مثلهم كبقية المواطنين، إلا أن آثار الرق التي تسببت في فقرهم بعد تخلي أسيادهم عنهم، بسبب الجفاف، والقوانين المحاربة للعبودية، جعلتهم يعيشون فقرًا مدقعًا، واتكالًا على أسيادهم السابقين، وأغلب من لا يمتلكون أوراقًا ثبوتية هم من الأشخاص الذين يعيشون في معزل عن الحياة الحضرية، ولم يقوموا بإحصاء عام 1998، وبالتالي يتعذر عليهم الإحصاء الحالي، نظرًا لعدم وجود شجرات نسب خاصة بهم في النظام البيومتري الحالي، وذلك حال العديد من الموريتانيين وليس خاصًا بفئة دون أخرى"، كما قال.

اقرأ/ي أيضًا: موريتانيا بخير يا سيدي الرئيس

وتطالب العديد من الجهات الحقوقية باستهداف الحراطين بالتمييز الإيجابي في التعليم، وتحسين ظروفهم الاقتصادية، ليلحقوا ببقية فئات ومكونات المجتمع الموريتانيا، لكن المختار يقول إن الحراطين "ممثلون في الحكومة ومفاصل الدولة"، ليؤكد بذلك على أن "الأصوات التي تقول إنهم مهمشون، في صدام مع تلك الحقيقة".

استغلال سياسي

يرى المختار أن تيارات عديدة  تحمل شعار "محاربة العبودية"، وملف حقوق الحراطين، إلا "أنها  تتقاعد بالتوالي كلما تحققت مصالحها الشخصية"، على حد تعبيره، مُشيرًا إلى مناهضين سابقين للعبودية، هم الآن رؤساء أحزاب يدعمون الحزب الحاكم، بالإضافة إلى "الانقسام في ميثاق الحقوق السياسية والاقتصادية للحراطين"، والذي تمثل في انقسام المسيرة الأخيرة إلى ثلاث مسيرات فرعية، فمنهم من يوالي النظام ويرفض أن هنالك وجودًا للعبودية، ويطالب بمعالجة مخلفاتها، وهنالك من يزعم وجود العبودية ويعتبر النظام الموريتاني مستغلًا للحراطين.

ينقسم المجتمع الموريتاني بين من ينفي وجود العبودية، وبين من يُؤكد استمرارها، وبين من يقول إنها مجرد "مخلفات عبودية" 

من أشهر الجمعيات الحقوقية، المعنيى بقضية الحراطين في موريتانيا، هي جمعيات "إيرا" و"نجدة العبيد" و"الحر"، وكلها تحاول تسليط الضوء على واقع أليم يعيشه الحراطين في موريتانيا. كما يطالب الحقوقيون الموريتانيون بأن يطبق النظام بصرامة القانون 0048/2007 المجرّم للرق.

وينسقم الموريتانيون فيما بينهم بخصوص ملف الحراطين، فمنهم من يؤكد استمرار ممارسة العبودية في المجتمع، ومنهم من ينفي وجودها ويؤكد أن ما يوجد هي "مخلفات العبودية"، وهو الموقف الرسمي الذي تتبناه الحكومة التي أعلنت العام الماضي تأسيس "وكالة التضامن لمحاربة الفقر ومخلفات الرق"، كما سنّت قوانين تجرم الرق، وأسست محكمة مختصة في معالجة قضاياه.

في حين ظلت منظمات حقوق الإنسان الدولية، التي تطل بين الفينة والأخرى، لتدق ناقوس الخطر، وتحذر من انتشار العبودية في موريتانيا، ولعل أشهرها منظمة "ووك فري فوندشن" الأسترالية، التي أصدرت  تقريرًا وَضَعَ موريتانيا في المرتبة الأولى على قائمة "المؤشر العالمي للعبودية" قبل ثلاث سنوات، وبررت ذلك بأن 4% من الموريتانيين تحت العبودية، أي ما يتراوح بين 140 و160 ألف موريتاني، وهي أرقام أثارت استغراب كثير من الموريتانيين، بينما عدها كثير من الحقوقيين منطقية وغير بعيدة عن الواقع. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

موريتانيا.. تاريخ من الانقلابات

في الذكرى 171: كيف ولماذا ألغيت العبودية في تونس؟