أن تكون ضد العبودية في موريتانيا

أن تكون ضد العبودية في موريتانيا

الحقوقي المناهض للعبودية بيرام ولد اعبيدي (Getty)

قضت محكمة الاستئناف في مدينة "ألاك"، وسط موريتانيا، يوم 20 آب/أغسطس الحالي بتأكيد الحكم القاضي بسجن ناشطين حقوقيين مناهضين للعبودية سنتين نافذتين، ليفجر هذا الحكم مزيدًا من الامتعاض في صفوف أنصارهما والناشطين الحقوقيين في البلاد. ويتعلق الحكم القضائي الصادر من قبل محكمة مدينة ألاك بسجن كل من رئيس حركة "إيرا" المناهضة للعبودية "بيرام ولد اعبيدي" ونائبه "إبراهيم ولد بلال" على خلفية مشاركتهما في مسيرة باتجاه مدينة روصو جنوب موريتانيا، ضد ما سموه "العبودية العقارية" منذ عدة أشهر.

ويطلق المناهضون للرق في موريتانيا تسمية "العبودية العقارية" على استغلال رجال الأعمال للآلاف من العبيد السابقين للعمل في الأراضي والحقول والعقارات الزراعية بأجور زهيدة، ودون منحهم الحق في امتلاك جزء منها رغم أن أغلبهم يسكنون فيها منذ زمن طويل. وكانت محكمة مدينة روصو، جنوب موريتانيا، قد قضت قبل 3 أشهر بسجن كل من "بيرام" ونائبه سنتين نافذتين بتهمة القيام بأنشطة تزعزع الأمن العام وتثير الشغب، قبل أن تقرر السلطات نقلهما إلى سجن مدينة ألاك حيث تم استئناف الحكم.

محاكمة قادة "إيرا".. تلك الجريمة

كان اعتقال اعبيدي وولد بلال على خلفية نشاطهما ضد العبودية العقارية

بدأت الاستعدادات الرسمية في مدينة ألاك، 260 كلم شرق العاصمة الموريتانية نواكشوط، لمحاكمة قادة الحركة المناهضة للعبودية مبكرًا، في حين دفعت السلطات الموريتانية بأعداد كبيرة من قوات الأمن والشرطة لتأمين محيط محكمة الاستئناف بعدما توافد على المدينة العشرات من أنصار ومؤيدي المتهمين من حركة "إيرا" غير المرخصة. وأغلقت قوات الأمن والشرطة الموريتانية الشوارع المؤدية إلى المحكمة في الساعات الأولى من الصباح للحيلولة دون وصول أنصار المتهمين إلى مباني المحكمة.

غاب المتهمان عن جلسة المحاكمة، بحجة أنها محكمة غير عادلة وليست شرعية، وقد حاولت المحكمة إحضار المتهمين بالقوة للمثول أمامها، لكنها تراجعت فيما بعد عن قرارها، فعقدت جلستها بحضور عدد من أنصارهما. وكانت هيئة المحامين المدافعين عن قادة "إيرا" قد أعلنوا مقاطعتهم للمحاكمة التي اعتبروها "غير قانونية وغير مختصة".

واعتبر المحامي إبراهيم ولد أبتي، عضو هيئة الدفاع، أنه تم تسييس المحاكمة وأخرجت عن نطاقها القانوني، مؤكدًا "أن هذه المحاكمة تعتبر تراجعًا للحريات في موريتانيا إضافة إلى أنها تجسيد واضح لخضوع السلطة القضائية للسلطة التنفيذية". لكن المحكمة العليا، وهي الهيئة القضائية العليا في موريتانيا، رأت "أن الإجراءات القانونية لسير المحاكمة سليمة وأن اختصاص محكمة ألاك قائم".

وكان العديد من أنصار السجينين المحكوم عليهما بسنتين نافذتين قد تجمهروا وحمل عدد منهم يافطات حملت شعارات مناوئة للمحاكمة ورافضة لاستمرار سجن مناهضي العبودية ومن بينها شعار "مهزلة ألاك" عوضا عن محكمة ألاك. ويقول الكاتب الصحفي المهدي ولد لمرابط، وهو مختص في ملف العبودية وحضر المحاكمة، لـ"الترا صوت" أن الجلسة "كانت أقرب إلى مسرحية هزلية لم يرتق فيها رئيس المحكمة ولا المدعي العام إلى تقمص الأدوار التي يبدو أنها رسمت لهما مسبقا".

هل طوي ملف العبودية في موريتانيا؟

العبودية لا تزال موجودة في موريتانيا، ولا يزال الأسياد يتوارثون عبيدهم ويستغلونهم ماديا وجنسيا كما كان يحدث مع العبيد في العهود السابقة

يؤكد ولد لمرابط أن "العبودية لا تزال موجودة في موريتانيا، إذ لا يزال الأسياد يتوارثون عبيدهم ويستغلونهم ماديًا وجنسيًا كما كان يحدث مع العبيد في العهود السابقة"، مع أنه يعترف أنها لم تعد بنفس الحجم.

ويفصح ولد لمرابط عن غياب أرقام ثابتة حول عدد العبيد في موريتانيا، مشيرًا إلى "أن مشروع القانون الذي صادق عليه البرلمان الموريتاني في تموز/يوليو الماضي، والذي يحل محل القانون الصادر بتاريخ أيلول/سبتمبر 2007 المجرم للعبودية، يعد اعترافًا من الحكومة الموريتانية باستفحال العبودية في البلاد". ويعتبر البعض أن الحكومة الموريتانية تصدر القوانين وتغيرها بشأن موضوع العبودية لتبييض وجهها خارجيًا في حين أنها تمتنع عن تطبيقها داخليًا.

ويشير محمد سالم ولد محمدو، رئيس تحرير صحيفة السراج الموريتانية ومؤلف كتاب "الرق في موريتانيا"، إلى "أنه بين الحين والآخر تعلن منظمات حقوقية غير حكومية عن حالات استرقاق، لكن يبقى بيد القضاء والمنظمات الحقوقية إثبات ذلك أو نفيه". ويستدرك "الأكيد أن ثمة إرثًا واسعًا لعبودية مروعة وبالغة السوء لا يزال يعاني من آثارها السلبية شريحة "لحراطين"/ الأرقاء السابقين".

ويرى ولد محمدو أن حل مشكل العبودية إنما يكمن "في مواجهتها تنمويًا واستهداف الفقراء، خصوصًا المتضررين والعمل على تطوير تعاطي خطاب القانون والفقه والسياسة ليعي حقيقة مشكل الرق".

واعتبر مؤلف كتاب الرق بموريتانيا "أن ملف العبودية يزداد تعقيدا" موضحا أن "الأحكام القضائية والسجون لن تمثل حلًا لهذا الملف بل ستدفع برسالة بالغة السلبية تجاه كل الساعين إلى حلحلته".

ويطالب المتابعون لهذا الملف في موريتانيا بضرورة ترسيخ خطابات جديدة قائمة على التساوي والندية والأخوة بين جميع أفراد المجتمع. ويرون أن الطريق الوحيد لتلافي الأزمات الحالية والمتوقعة يكمن في الإفراج عن "بيرام ولد اعبيدي" ونائبه "إبراهيم ولد بلال" والحوار معهما ضمن كل المهتمين بملف الرق في موريتانيا.


زمن من العبودية

نشطت ممارسة الاسترقاق بشكل واسع في الأراضي الموريتانية بالماضي حتى عهد استقلالها عن المحتل الفرنسي سنة 1960، بالإضافة إلى تجارة العبيد التي بدأت في الاختفاء شيئًا فشيئًا مع تشكل الدولة المركزية وحلول موجة جفاف قوي مطلع السبعينيات، أدت إلى تخلي معظم الأسياد عن عبيدهم ومنحهم الحرية. ويعاني "لحراطين"/ الأرقاء السابقون، من الفقر والأمية والتخلف، مع تواصل الحديث عن وجود حالات رق وعبودية في الوقت الراهن رغم أن الدستور الموريتاني ينص على تحريم ذلك.

وكانت شواطئ موريتانيا المطلة على المحيط الأطلسي منذ القرن 18 محط أنظار العديد من الوافدين الغربيين الذين كانوا يختطفون المئات من سكان تلك الشواطئ من العرب والبربر، ويقومون بنقلهم إلى البرتغال وإسبانيا ثم فرنسا كعبيد للعمل في الحقول، قبل أن تتكون علاقات تجارية بينهم لينتقل الأوروبيون إلى شراء وتمويل عمليات اختطاف الزنوج الأفارقة من جمهوريتي السنغال ومالي إضافة إلى جنوبي موريتانيا.

وكان سماسرة الرقيق يستخدمون شواطئ مدينتي سان لويس وداكار في السنغال كمرفأين لتجارة العبيد وتصديرهم إلى الأمريكيتين، قبل أن تفرض إنجلترا على فرنسا إيقاف تجارة العبيد مقابل تسليمها شبه جزيرة سان لويس السنغالية مما قلل بالإضافة إلى أسباب سياسية أخرى من حركة هذه التجارة.