الإقليم المنسي.. محنة الإيغور مع الحزب الشيوعي الصيني

الإقليم المنسي.. محنة الإيغور مع الحزب الشيوعي الصيني

تعيش أقلية الإيغور في ظروف تشبه معسكرات الاعتقال السوفييتية (Getty)

الترا صوت – فريق التحرير

تواجه أقلية الإيغور المسلمة حملة قمع ممنهجة ينفذها الحزب الشيوعي الصيني في إقليم شينجيانغ الشمالي الغربي منذ أكثر من ثلاثة أعوام، حيث يخضع مواطني الأقلية للاحتجاز داخل معسكرات اعتقال بهدف "إعادة تثقيفهم" بما يتناسب مع أيدولوجيا الحزب الشيوعي الحاكم في البلاد، في ظروف تشابه معسكرات الاحتجاز إبان حقبة الاتحاد السوفييتي المعروفة باسم "غولاغ".

يخضع مواطنو الإيغور للاحتجاز داخل معسكرات اعتقال بهدف "إعادة تثقيفهم" بما يتناسب مع أيدولوجيا الحزب الشيوعي الحاكم في الصين، في ظروف تشابه معسكرات الاحتجاز إبان حقبة الاتحاد السوفييتي

مراكز احتجاز لـ"غسل أدمغة" الإيغور

كشفت وثائق مسربة وصلت للاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين (ICIJ) عن مخطط حملة القمع التي تواجه أقلية الإيغور المسلمين في إقليم شينجيانغ شمال غرب الصين، لتؤكد بذلك صحة عشرات التقارير الصادرة على مدار العام الجاري بروايتها لعملية "غسيل الأدمغة"، فيما يصفها الحزب الشيوعي الصيني الحاكم بأنها "إعادة تعليم لمكافحة التطرف".

اقرأ/ي أيضًا: شبح ماو تسي تونغ في الجامعات الصينية.. تخدير بما تيسر من أيديولوجية الزعيم

توضح الوثائق التي أطلق عليها مسمى "البرقيات الصينية" أن نائب سكرتير الحزب الشيوعي في عام 2017 تشو هايلون – أكبر مسؤول أمني في الإقليم – هو مهندس عمليات الاعتقال وإدارة معسكرات الاعتقال المتواجدة في الإقليم، بهدف "إعادة توعية طوعية لمواجهة التطرف"، فيما يعتقد أن ما يزيد عن مليون شخص، معظمهم من أقلية الإيغور قيد الاحتجاز في المعسكرات دون محاكمة.

وتظهر الوثائق الممهورة بتوقيع هايلون تشديده على اتخاذ إجراءت صارمة بحق المعتقلين داخل معسكرات الاعتقال، والتأكيد على عدم السماح للمعتقلين إطلاقًا بالهرب، وزيادة الانضباط والعقاب على الانتهاكات السلوكية، وجعل دراسة اللغة الصينية (الماندرين) العلاجية من الأولويات القصوى، وتشجيع الطلاب على التحول بإخلاص لأيديولوجيا الحزب الشيوعي الحاكم، فضلًا عن ضمان المراقبة الكاملة لعنابر النوم والفصول الدراسية.

وكان هايلون (61 عامًا) قد وصل إلى الإقليم كجزء من مبادرة الحزب الشيوعي في عام 1975، وعلى عكس الأشخاص الذين عادوا بعد انتهاء مهمتهم، قرر هايلون البقاء في شينجيانغ، حيثُ تدرج هناك في المناصب بعد اكتسابه ثقة بكين بسبب قيادته لغارات الشرطة الليلية على القرى الريفية ذات الأغلبية المسلمة، وعندما اندلعت أحداث الشغب الإثنية في أورومتشي عاصمة إقليم شينجيانغ قرر الحزب ترقيته لمنصب نائب سكرتير الحزب في الإقليم.

وتشدد الوثائق في إجراءاتها على بنود صارمة تتحكم بكافة تفاصيل حياة المعتقل، بالإشارة إلى وجوب أن "يكون لدى الطلاب مكان سرير ثابت، ومكان ثابت في الطابور، ومقعد ثابت في الفصل، ومركز ثابت أثناء العمل على المهارات، ويمنع منعًا باتًا من تغيير ذلك"، إضافًة إلى "تطبق المعايير السلوكية ومتطلبات الانضباط على الاستيقاظ من النوم، الغسيل، الذهاب إلى المرحاض، التنظيم ونظافة الغرف، الأكل، الدراسة، النوم، وإغلاق الباب وما إلى ذلك".

ووفقًا لـ"البرقيات الصينية" فإن المعتقلين لن يتم الإفراج عنهم إلا بعد التأكد من تغييرهم "سلوكهم ومعتقداتهم ولغتهم"، على أن قرار الإفراج يجب أن يحظى بموافقة أربع لجان من الحزب الشيوعي، وتشير الوثائق إلى أن الحكومة الصينية بدأت باستخدام برنامج المراقبة التنبؤية لتحليل البيانات الشخصية لـ1.8 مليون شخص بوصفهم مشتبهين بسبب استخدامهم تطبيق مشاركة بيانات يسمى Zapya على هواتفهم.

كيف وصلت أقلية الإيغور إلى الصين؟

وصل الإيغور إلى إقليم شينجيانغ الشمالي الغربي في الصين بعد سيطرة القبائل المغولية على المنطقة في القرن الثامن الميلادي، وبقيت المنطقة الخاضعة لنفوذهم تعرف باسم تركستان الشرقية إلى أن سيطرت عليها الصين نهائيًا في عام 1950، وتعد الأقلية نفسها بأنها أقرب عرقيًا وثقافيًا لأمم آسيا الوسطى، حيثُ يشبهون بالشكل شعوب المنطقة الوسطى أكثر مما يشبهون الهان الذين يشكلون أغلبية سكان الصين.

ووفقًا لعدة تقارير فإن الإيغور الذين يتكلمون اللغة التركستانية تبلغ نسبة المقيمين منهم في شينجيانغ 45 بالمائة مقابل 40 بالمائة من الهان الصينين، وهم يشكلون الأقلية المسلمة الرابعة في الصين بتعداد سكان يتجاوز عشرة ملايين نسمة، فيما تعد قومية تشوانغ أكبر القوميات المتواجدة في الصين من أصل 55 قومية أخرى، فيما ينتمي غالبية سكان الصين للهان.

وكانت السلطات الصينية قد بدأت حملتها ضد الإيغور بعد هجوم بالسكاكين نفذه مجموعة أشخاص في آذار/مارس 2014، واستهدف محطة للقطارات في مدينة كونمينغ التي تبعد ما يزيد عن ألفي كم عن الإقليم، وأسفر الهجوم حينها عن مقتل 31 شخصًا، مما دفع الحكومة الصينية لاتخاذ الهجوم ذريعة لبدء الإجراءات الأمنية ضد أقلية الإيغور الذين يطالبون بالانفصال عن الصين.

معسكرات اعتقال من الحقبة السوفييتية

يقدم مراسل شبكة BBC الإخبارية جون سادوورث في تقرير مطول مثالًا على سياسة الحكومة الصينية في إنشاء معسكرات احتجاز الإيغور التي تطلق عليها مسمى "منشأة" من خلال وصفه لمعالم "منشأة دابانتشينغ" كما تظهر في الطريق، إذ يقول في تقريره إن المعسكر محاط بسياج خارجي بطول 2 كم موزع عليه 16 برج مراقبة، مشيرًا إلى أن قاعدة بيانات سينتينيل الأوروبية التقطت صورة للمعسكر أظهرت تطورًا للموقع في تشرين الأول/أكتوبر 2018، واصفًا المعسكر بأنه مكان "احتجاز كبير هائل الحجم".

على أن الصين ليست وحدها من ترسل مواطنيها إلى معسكرات الاحتجاز لـ"إعادة تأهيليهم"، نظرًا لأن الزعيم الكوري الشمالي كيم جون أون يستخدمها مع الضباط الذين لا يرضى عن أدائهم؛ وكان فلاديمير لينين قائد الثورة البلشفية في روسيا القيصرية أول من أنشأ نظام معسكرات الاعتقال (غولاغ) في عام 1918، إلا أن هذه المعسكرات شهدت ذروتها خلال حكم جوزيف ستالين للاتحاد السوفييتي (1929 – 1953)، حيثُ تشير التقارير إلى أن ستالين أرسل ما لا يقل عن 16 مليون شخص قضى منهم ما لا يقل 1.5 مليون شخص داخل المعسكرات خلال فترة حكمه.

ولعل أكثر ما يثير الاهتمام في معسكرات الاعتقال الصينية، أن والد الرئيس الصيني شي جين بينغ كان واحدًا من الأشخاص الذين تعرضوا للتطهير في الستينات، كما أن أسرته تعرضت للإذلال، وعندما بلغ بينغ سن الخامسة عشرة أرسل  إلى الريف للعمل في الزراعة بهدف "إعادة التثقيف" لمدة سبعة أعوام، في ظروف مشابهة لما يتعرض له الإيغور اليوم، إلا أن الفارق الوحيد أنهم يقيمون داخل معسكرات اعتقال.

ويشير سادوورث في تقريره إلى أن "منشأة دابانتشينغ" ليست المعسكر الوحيد الذي يحتجز داخله الإيغور، وفقًا لما أوردته شركة GMV المختصة بالفضاء والطيران بعد تحليل قائمة تتضمن 101 منشأة تقع في عموم إقليم شينجيانغ، حيثُ تشير التقديرات لوجود 44 منشأة "يحتمل أو يحتمل جدًا" أن تكون معسكرات اعتقال على مساحة تقدر بـ440 هكتار جرى بنائها منذ عام 2003.

فيما تقول حركة "الصحوة الوطنية لتركستان الشرقية" إن لديها إحداثيات جغرافية لـ 182 موقعًا يشتبه في أنها "معسكرات اعتقال"، مشيرًة إلى أنها رصدت 209 مواقع تشتبه في أنها سجون، فضلًا عن 74 معسكرًا للعمال، وبينما تقدر منظمات حقوقية احتجاز الصين لأكثر من مليون من الأيغور مع عرقيات تركستانية مسلمة أخرى، تقول الولايات المتحدة إن العدد من المرجح أن يكون أقرب إلى ثلاثة ملايين شخص.

إعادة تفسير النصوص الدينية وفقًا لرؤية الحزب الشيوعي الصيني

ولا تقف انتهاكات الحكومة الصينية للإيغور عند الاعتقال، إنما تمتد إلى نطاقات واسعة من الحياة الاجتماعية من خلال تعرضهم للتفتيش والتحقيق على الهوية عند الآلاف من نقاط التفتيش والحواجز المنتشرة في الإقليم الذي يتمتع بالحكم الذاتي مع ثلاثة أقاليم أخرى، فضلًا عن فرض قيود صارمة على السفر والتنقل سواء داخل أو خارج الإقليم.

وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها السنوي الصادر مطلع العام الجاري، إن السلطات الصينية "زادت في السنوات الأخيرة من تبرير القمع الشامل كردّ ضروري على تهديدات الإرهاب"، وبدأت بتنفيذ إجراءات تُعادي العديد من أشكال التعبير المتصلة بهوية الإيغور، مشيرًة إلى أنه منذ أواخر عام 2016 بدأت بتنفيذ حملة الاحتجاز التعسفي الجماعي.

كما أنها شرعت باستخدام أنظمة مراقبة جماعية متطورة تستخدم رموز الاستجابة السريعة، وقياسات بيومترية، والذكاء الاصطناعي، وبرمجيات التجسس على الهواتف، والبيانات الضخمة، فضلًا عن نشرها أكثر من مليون موظّف لمراقبة الناس، بما في ذلك من خلال برامج تطفلية يكلف المراقبون فيها بالبقاء في منازل الناس بانتظام.

اقرأ/ي أيضًا: اضطهاد الإيغور في الصين.. معسكرات اعتقال لتعليم الشيوعية!

وفي سياق فرض المزيد من الإجراءات المشددة ضد الأقليات القومية في الصين، أفادت وكالة الأناضول التركية نقلًا عن وسائل إعلام صينية قبل أيام، أن السلطات المحلية أعطت تعليمات بإعادة تفسير الكتب والنصوص الدينية بما يتناسب مع أفكار الحزب الشيوعي وظروف العصر الحالي، مضيفًة أنه على السلطات الدينية أن تتبع توجيهات الرئيس بينغ، وتفسر الأيديولوجيات المختلفة الخاصة بالأديان بما يوافق "القيم الأساسية للحزب ومتطلبات العصر".

 أفادت وكالة الأناضول التركية نقلًا عن وسائل إعلام صينية قبل أيام، أن السلطات المحلية أعطت تعليمات بإعادة تفسير الكتب والنصوص الدينية بما يتناسب مع أفكار الحزب الشيوعي

وكانت بعض التقارير قد رجحت في وقت سابق من الشهر الجاري إجبار الحكومة الصينية للنساء الإيغوريات على الزواج بأشخاص يختارهم الحزب الشيوعي "من أجل تعزيز الوحدة العرقية"، وفقًا لما ذكر مسؤول صيني لإذاعة آسيا الحرة، وأشارت إلى تعرض النساء الإيغوريات لـ"الاغتصاب الجماعي" من قبل مسؤولي الحزب الشيوعي.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

اضطهاد الإيغور في الصين.. معسكرات اعتقال لتعليم الشيوعية!

انفوغرافيك: دمويون غيروا وجه التاريخ