الألبوم الأخير لرشيد طه.. أنا أفريقي

الألبوم الأخير لرشيد طه.. أنا أفريقي

من كليب أنا أفريقي

أصدر لياس رشيد طه، نجل الفنان الجزائري الراحل رشيد طه ألبومًا غنائيًا لوالده، بعد مرور عامٍ على وفاته في سبتمبر/أيلول 2018 عن عمرٍ ناهز 59 عامًا، في فرنسا. كان لياس طه قد أعلن قبل حوالي شهر عن مشروع الألبوم الجديد، والذي يعد آخر عمل قام به المغني رشيد طه قبل وفاته. أطلق طه على الألبوم تسمية "أنا أفريقي"، وقد يبدو الاسم عاديًّا على اعتبار أن أصل المغني جزائريّ الأصل، إلاّ أنه بعد الاستماع لأغاني الألبوم، ولأغنية "أنا أفريقي" على وجه الخصوص يمكننا العبور بتلك التسمية إلى أماكن ثقافية واجتماعية أخرى، أماكن تطرح سؤال الهويّة والإرث.

في "أنا أفريقي" يعمل رشيد طه على استحضار شخصيات مؤثرة ممن كان لعملهم علاقة مع الهويّة الأفريقية

تضمن ألبوم "أنا أفريقي" عشرة أغانٍ، بدا رشيد العمل عليها بعد ألبومه قبل الأخير زوم، وتعاون فيها مع توما فيترمان مؤسس فرقة لاكرافان بلس التي كان قد تعاون معها مسبقًا في ألبومه بابا. حمل الألبوم الأخير أفكار رشيد وانفتاحه بالعلاقة مع الألوان والأشكال الموسيقية المتنوعة من الراي والروك إلى التكنو وغيرها من الأنماط الموسيقية، وبدا حضور توما فيترمان واضحًا في الشكل الموسيقي للألبوم وأنماط التوزيع التي صبغت قطع الألبوم العشر باستخدام إيقاعاتٍ موسيقية حيوية من ثقافات مختلفة، متمازجة ومتنوعة أضفت بعدًا ديناميكيًا على الأغاني. كتب رشيد معظم أغاني الألبوم، والتي حملت عدة مواضيع لم ينفك رشيد طوال مسيرته المهنية عن تناولها بالعلاقة مع أسئلة الهوية والمكان، الهجرة واللجوء.

اقرأ/ي أيضًا: رحيل المخرج شوقي الماجري.. صاحب شاشة الأسئلة

ما معنى أنا أفريقي بالنسبة لرشيد طه؟

في الأغنية المعنونة "أنا أفريقي" يلعب طه على الأبعاد الثقافية للتعبير، عبر استحضار أسماء مفكرين وشخصيات مؤثرة وقامات ممن كان لعملهم شكل نضالي وتحرري بالعلاقة مع الهويّة الأفريقية، لتشكل تلك الأسماء كلمات الأغنية وبالاعتماد على كورس يردد "أنا أفريقي"، لتكريس الصورة التي يريد أن يوصلها. بأن أفريقيا ليست أمة ولا قومية ولا مجرد انتماء، ينزع عنها جمود التعاريف والأسماء، أفريقيا سؤال هوياتي مفتوح يقبل التعريف وإعادة التعريف، وجاعلًا منها صفة حميمية عابرة للجغرافيا تمس كل من لديه أفكار تحررية عن العالم. ولتتحول أفريقيا رشيد طه إلى علامة غير متجانسة من شدة التنوع والانفتاح، فهي أقرب لأن تكون دلالة أكثر من كونها قارة محددة على خريطة العالم.

بالنسبة لرشيد طه أن تكون أفريقيًا ستكون أنجيلا ديفيز، جاك دريدا، فرانز فانون، جيمي هندريكس، وإيميه سيزر، والكثير غيرهم. أن تكون أفريقيًا أي أن تكون فرنسيًا أو أمريكيًا أيضًا، وأن تكون أسود وأبيض، وأن تكون إنسانًا رجلًا، وأن تكون إنسانًا امرأةً، أن تكون سؤالًا دائم الطرح. لتتحول الأغنية إلى بيان يهاجم من خلاله الفنان الخطاب السياسي المتطرف وكل الشعارات التي تدعو لرفض الآخر والغريب، وهي أشبه بدعوة لتجاوز خطاب العنف والعنصرية، عبر التأكيد وبالاستعانة بالتاريخ على أن عدم التجانس ميّزة، والهوية المتعددة صفة. أن أقول اليوم "أنا أفريقي" يعني أن أنبذ التمييز والتطرف، هي تعبير مرن، عكس الجمود والهوية الواحدة.

لم تخلُ بقية أغاني الألبوم من مواضيع تقاطع فيها طه مع نفسه، ومع أسئلته السابقة التي جاءت في بدايته الفنية مع أغنية يا رايح على سبيل المثال، الأغنية الأشهر له، فقد جاء في أغنية أخرى من أغاني الألبوم بعنوان Aïta رد رشيد طه على نفسه، ويجيب عن أسئلة الهجرة والاغتراب تلك التي صبغت مسيرته الفنية وحكاياته الشخصية وكأنه وجد في شكل هذه الأغنية من مضامين ومعاني ردًا على سؤال المهاجر الذي كانه في السابق.

استلهامات موسيقية وثقافية

هزم رشيد طه الأحادية والجمود عبر التنوع الموسيقي الذي يحفل به الألبوم من خلال استخدامه لأنواع موسيقية متنوعة ومختلفة، الراي والروك والموسيقي الأفريقية، كذلك عكف على استلهام أسماء مشاهير من عالم الفن في ألبومه مثل أندي وارهول، الرسام والمصور وصانع الإعلانات الشهير، صاحب لوحة مارلين مونرو، ولكن اسم أندي وارهول صار عند رشيد طه أندي والو، اسم إحدى الأغاني في الألبوم، والتي لا تعني شيئًا محددًا كتسمية ولكن بعد سماع الأغنية يمكن توقع الاستخدام غير المباشر لاسم الفنان، والذي يستحضر عبره أسماء مفكرين وكتاب عرب مثل خليل جبران وأبو نواس مرورًا بأم كلثوم، ويمر على مشاهير في الثقافة الفرنسية ليقول جملة "رأيت جان كوكتو يقبل جان ماريه"، ومن ثم يذكر أسماء مشاهير من هوليوود. لا يمكن اعتبار هذا الأمر مجرد تهجين ثقافي فارغ، أو قائمة أسماء مشاهير الغاية منها رصف مكونات مختلفة بجانب بعضها، وإنّما هو عبارة عن استحضار مقصود للآخر الثقافي الذي يحمله رشيد طه، ومن ثم الثقافة العربية والفرنسية والإنجليزية التي تأثر بها، وكأنها صورة بانورامية عن كل المكونات الثقافية التي قد حظي بها كمهاجر.

حمل الألبوم الأخير أفكار رشيد طه وانفتاحه بالعلاقة مع الألوان والأشكال الموسيقية المتنوعة

كذلك الأمر كان مع الاستخدام المتعدد للغات، بين اللغة العربية والفرنسية والإنجليزية، ألعاب لغوية أخرى، كأن يبدأ الجملة باللغة الفرنسية ويكملها باللغة العربية، هذا من شأنه أن يدفع المستمع للتفكير بشخصية المغني والطريقة التي يريد أن يظهر من خلالها في بنائه لفضاء غنائي مفتوح على المعاني.

اقرأ/ي أيضًا: لماذا يُعدُّ الجسد الراقص "حركة" سياسية؟

في ظل الفراغ الذي تشهده الأغنية العربية اليوم، على اختلاف أشكالها ومضامينها، يأتي الألبوم الأخير لرشيد طه والذي يختم فيه مسيرته الفنية والثقافية، تاركًا بصمته الأخيرة بكل ما فيها من فرادة ومتعة.

اقرأ/ي أيضًا:

رحيل رشيد طه.. راح المسافر وبقي صخبه الهجين

عرض "البرزخ".. رحلة في عوالم الذهن البشري