الأضواء التي تخطفني إلى هناك.. إلى ذلك المشهد حيث كنتُ

الأضواء التي تخطفني إلى هناك.. إلى ذلك المشهد حيث كنتُ

منحوتة لـ حسين ماضي/ لبنان

في "بهشة شهير" أولى محطاتي، المدينة التي هربتُ إليها من الموت، وخوفًا من فقدانِ الحياة. جلستُ على الأريكة المهترئة، وشغّلتُ موسيقى Erik satie، ولأنني أخافُ من الغرقِ، اخترتُ أنْ أغرق على طريقتي.

نحنُ نخترعُ الصور والمشهد والسيناريو، نخترع السينما، ولأننا المنغمسون دائمًا في العتمة الحالكة وفي الأضواء الصاخبة أيضًا.

باشلار حين كلّمَنا عن الماء كان يعي أنَّ هناك مجانين يجلسون على حافة الجسر، ينتظرون التلّحف بالأرحام. إنَّ الغرق يعيدني إلى حيثُ كنت، حين سبحتُ للمرة الأولى في رحمِ أمّي.

في البدء كان الطوفان، في البدء لم يكن يوجد سوى: الماء.

هذا ما تحدّث فيه الإغريق في شوارعهم بين التجّار والأطفال والشيوخ والأشجار.

بوسيدون إله البحار الذي ارتبط بآلهة الطبيعة والفلاحة والنبات ديميتر؛ وابنتها بيرسيفون، ربة الأراضي المنزرعة من زيوس، والذي تمَّ تبجيله كحصان. ويقال إنه في أصله كانَ ماءً.

أهذا ما أراد درويش توصيله لنا نحنُ الذين خرجنا قسرًا من بلادنا حينَ خلق قصيدته: "لماذا تركتَ الحصان وحيدًا؟"، وحينَ قررتُ بأنْ أعود إلى رحمها الورديّ؟

السّاعة كانت في الثانية من عمرها، وأذكرُ أنّ الشمس كانت تنهمرُ على شعري الطويل، والممتدُ على طول الكنبة. لم أشعرْ بالحرّ، كنّا في تشرين، وإسطنبول تلك المزاجية في طقسها وأحوالها، تشبهني، منحتني المغامرة.

في كتابه "الغثيان" يطرحُ سارتر موضوعًا، ربما لأنه كان ملولًا جدًّا عن "المغامرة. " لم أستطع تذكّر أي شيء عن نظريته أو جداله أو حديثه عنها، سوى ما أحبُّ أن أخلقه حين تمضي المعرفة فيّ، وأغيرها: "إنّ المغامرة للمجانين فقط".

سحبتُ شريط الدواء، وابتلعتُ الحبة الأولى بصمتٍ وهدوء، ثمّ الثانية، فالثالثة ورأيتُ الأمر في غاية السهولة فبدأتُ أعدّ حبات اللؤلؤ التي ستزين معدتي وتأخدني بجمالها إلى الموت.

كنتُ في سنواتي السابقة، أعتقد كما قال يومًا الروائي الروسي دوستويفسكي بأن الجمال هو ذلك الذي سينقذنا. وكنتُ أجادل صديقي بأنّ دوستويفسكي على حق. وكان لي إيمان كبير بهذه المقطوعة، وهذا ما حثني على التقرب من فنانين تشكيليين في لبنان.

لكنّ الجمال في هذا اليوم أمسك بيدي ودفعني إلى الموت.

بدأتْ الشمسُ تغيب، وبدأتُ بدوري أغطس معها.

في يدي تعلّقتْ السماء. كانت تنزفُ. رسمتُ بالزجاجة دوائر كثيرة. الدوائر تعني لي كثيرًا. حياتنا كالدائرة، لا يمكننا الإفلات من الزمان، لا يمكننا الخروج حتى من المكان، كلّ شيء يتكرر بشكلٍ مختلفٍ، كل شيء لا يستطيع أن يكون سوى داخل دورة الحياة بشكله المشوه. ولأننا الناقصون.

لولا صديقي الذي أتى وحملني إلى أقرب المستشفيات لما كنتُ سأبقى حيّة. كدتُ أموت من الوحدة، وليس من الموت. بكيتُ كالأطفال حين أدخل الأطباء الأنبوب من أنفي إلى معدتي الصغيرة.

بعد خروجي من المستشفى، انتقلت للعيش في مدينة أفجلار، في بيت صديقي أيضًا، نظرًا لوضعي المادي السيئ. أحضرتُ النباتات، جهزتُ غرفة لي، الصقتُ الصور التي اخترتها بعناية على الحائط، تعلوها قصيدة للشاعر العراقي سركون بولص ورأس ميدوسا.

مرَّ شهرٌ كامل وبالكاد تعافى جسدي من محاولتي الأولى، استيقظت للمرّة الثانية على بركةٍ من الدّماء، حدقتُ بيديّ، قرّبتُ أصابعي الناعمتين وبدأتُ أمسحها، كما يمسح الفنان لوحاته، حين لا يعدْ هناك متّسع سوى لسقوط اللون.

أحببتُ أن أبقيهما على جسدي، وأن أمشي عاريةً أمامَ الزجاج. لقد حطمتُ كل شيء، وأصبحتُ ورديةً. أثرتُ الفوضى في منزل صديقي الذي استاء من حالتي وقال لي أخيرًا: اخرجي من منزلي. أردتُ فقط أن أدخله إليّ لأقول له: انظر إنها ليست سوى لوحة، لكنّي لعنته. لم يفهم شيئًا من لغتي.

دماؤه التي جرَت يومًا فيّ، واكتظاظ الموت، ورائحة الغربان التي تحوم حول بيتي، أو بيوتهم.

تخيفني فكرة امتلاك منزلٍ! نحتاج لبعض الأمان لكننا نحبّ الحرية أكثر.

عند نشوب الثورات في العالم العربي، فضّل الناس الأمان، بعد التهالك، على شعار "الحرية" الذي صدح في السماء. لكنّي أنا، تلك الفتاة التي خرجت من قوقعتها إلى الحرية، والآن، تبحث عن الأمان، لا العكس.

حملتُ أغراضي وانتقلت.

هذه محطتي الثالثة، في منزل غريب التقيتُ به مساء يومٍ كنتُ أعد نفسي للمحاولة الثالثة، لكنني انفجرتُ على شفتيه.

أنا الآن في بيليك دوزو، بعيدة عن محطة المتروبوس، ومحاطة بالعاطفة، أقفُ على الشرفةِ، قريبة من السماء، أسمعُ موسيقى هادئة وأسرد لصديقتي عنّي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

رسمٌ بحاسة الدمع

أوان الضياع