28-فبراير-2021

سكوت بيلي في برنامجه

حين كنّا صغارًا مشاكسين نعيش ونحيا في فضاء مخيلتنا كان الأهل يستعينون على نزقنا الطفولي بالغولة، تتسلل من الشقوق في الجدار أو تقفر من الشباك تغير على شغب الطفل الذي في دواخلنا فتخرسه، وحين لا تفلح خطتهم الجهنمية تلك تراهم يلوحون لنا بأبي سلة، ذلك الغجري القاسي القلب، يأتي على حمار ليدس في خرجه أبناء أناس غيره، يصنع من دمائهم الوردية أصبغة نسائية قابلة للبيع. عندما كبرنا تبادر إلى ذهننا بأنّا غادرنا عوالم الغيلان واللصوص الجواليين إلى غير رجعة، إلى أن جاء يوم الـ 21 من شباط/فبراير 2021، حيث الإعلامي الأمريكي الشهير سكوت بيلي (Scott Pelley) يطل في مقدمة برنامجه "60 Minutes" الذي يبث على قناة الـ CBS، ليحذر أطفال العالم من التعرض لصدمة الأفعال الجرمية لغول العصر بشار الأسد، يقف بين جنوده ليبارك لهم النصر على أحلام السوريين بالحرية، كل ذلك في خلفية سريالية من أنقاض البيوت المطحونة والهياكل العظمية لأناس جُوّعوا حد الموت.

في حوزة اللجنة الأممية 900 ألف وثيقة ضد مجرمي الحرب ضد سوريا، بمن فيهم بشار، وتمتاز هذه الوثائق في كونها تحتوي على الكثير من الوثائق البصرية

في اللقاء الذي جمع بين سكوت بيلي، مقدم البرنامج، وبين ستيفن راب، مفوض لجنة العدالة والمحاسبة التابعة للأمم المتحدة، يسأل بيلي محاوره بلغة القانون ليطمئن على حق الضحايا في الحصول على العدالة "هل تعتقد بأن ثمة إمكانية لتحقيق العدالة في سوريا؟"، ليرد عليه الخبير راب بلغة الأمل "أنا بطبعي أمريكي متفائل، لقد شهدت خلال عملي في العديد من القضايا الخاصة بتحقيق العدالة على المستوى الدولي، الكثير مما يبعث على الأمل، فعلى الرغم من القضايا التي بدت لي ميؤوس منها في تحقيق أي عدالة تذكر، إلا أن الوقائع أثبتت لي خطأ ما كنت أعتقده. إن عدم إمكانية تحقيق العدالة في القضية السورية في القريب العاجل لا تقلقني أبدًا، فأنا واثق من تحقق ذلك يومًا ما، إن ذهني في مطرح آخر تمامًا؛ العمل على جمع أدلة صلبة لتقديم بشار الأسد نفسه للمحاكمة".

اقرأ/ي أيضًا: أوجه مشوّهة لـ"دبلوماسية" النظام السوري

هل لديك مثل هذه الأدلة المحكمة، يسأل بيلي القلق، بنعم كبير يرد راب الواثق، ففي حوزة اللجنة الأممية 900 ألف وثيقة ضد مجرمي الحرب ضد سوريا، بمن فيهم بشار نفسه، حيث تمتاز هذه الوثائق عن غيرها من تلك المستخدمة في محاكمات مجرمي الحرب في يوغسلافيا السابقة، كما على تلك المستخدمة في محاكمة النازيين في نورمبيرغ، في كونها تحتوي على الكثير من الوثائق البصرية، فالقتلة في دولة الأسد لم يكتفوا بارتكاب أفعالهم المشينة وحسب، بل حرصوا على توثيقها أيضًا.

على الرغم من الطابع الوثائقي لتقرير بيلي، كما تركيزه على الجانب الحقوقي في إمكانية سَوق بشار الأسد مخفورًا إلى العدالة، إلا أنه لم يغفل الحديث عن آلام الضحايا وعذاباتهم، حيث يضعنا الرجل أمام معاناة ثلاثة من ضحايا التعذيب في أقبية سجون الأسد.

في حين نتعرف في الأولى على قصة أحمد المسلماني، ابن الـ 14 عامًا، الذي اعتقلته قوات النظام بجريرة وجود أغنية مناهضة لها في هاتفه النقال، ليتم العثور على جثته هامدة فيما بعد ضمن مجموعة صور قيصر المسربة. فإننا في الثانية نتعرف على حكاية شخص آخر عن طريق سامي شخصيًا، شريك قيصر في تهريب صور الإبادة الجماعية في معتقلات الأسد، حيث يروي لنا كيف عثر على صورة جثة صديقه المعتقل، وظل طيلة تواجده في سوريا عاجزًا عن إبلاغ أم ذلك الصديق بحقيقة ما جرى خوفًا من إنكشاف أمره وأمر قيصر. الحكاية الثالثة كانت من حصة السوري الأمريكي صاحب الاسم المستعار علي، حيث يروى لنا فيها، معايشته لصراخ طفل لم يتجاوز الـ 13، دأب كل الوقت على مناشدة أمه الغائبة لإنقاذه من جحيم التعذيب الذي كان يتعرض له على أيدي جلادي بشار.

دمر الأسد ما بناه السوريون عبر آلاف السنين، كما لم يتورع عن إبادة ربع مليون إنسان وتشريد أحد عشر مليون آخرين

المشاهد لتقرير سكوت بيلي لا بد له أن يخرج ببعض التفاؤل رغم الجو المأساوي، الذي ما زال يحيط بشروط تحقيق العدالة في سوريا. فعلى الرغم من الطابع التشاؤمي في عبارة بيلي التي ينقلها عن راب "حتى لو لم يتم اعتقال الأسد أبدًا، فسيظل مكبل اليدين بالحقيقة للأبد، حقيقة جرائمة"، فهي تبقي على بعض الأمل في إمكانية تكبيل الدكتاتور بشار الأسد بقبح أفعاله، كما بعض الأمل في تحول جريمة الإبادة الجماعية إلى لعنة تطارده صباح مساء، ذلك أن التعويل على ذلك يظل عبر الشهود بشقيهم؛ الحاضرين في صور قيصر، أو الناجين من معتقلات الأسد بمعجزة، الذين سيظلون يتطلعون إلى عدالة ناجزة تنصفهم.

اقرأ/ي أيضًا: قيصر وصوره ووعوده

دمر الأسد ما بناه السوريون عبر آلاف السنين، كما لم يتورع عن إبادة ربع مليون إنسان وتشريد أحد عشر مليون آخرين، كل ذلك لأنه أراد أن يظل ملكًا ليوم آخر وربما لعقد أو قرن، حتى ولو على تل من خراب. فإذا كان للعالم أن يتسامح حيال ذلك كما لمح بيلي، فإنه يتساءل عن الرسالة التي يبعث بها للمستبدين الآخرين القابضين على رقاب شعوبهم بالحديد والنار. ليأتيه الجواب من المفوض الدولي راب "إذا قدر للأسد أن يفلت من العقاب، فهي خسارة لنا جميعًا، إننا لا نفعل شيئًا سوى قبولنا بالتعايش، مع فكرة أن يكون مستقبلنا البشري أشد قبحًا من ماضينا".

 

اقرأ/ي أيضًا:

بشار الأسد.. صورة الأب الكاريكاتورية

بشار الأسد.. عشرون عامًا