بشار الأسد.. صورة الأب الكاريكاتورية

بشار الأسد.. صورة الأب الكاريكاتورية

لوحتين لحافظ الأسد وابنه بشار الأسد (Dimitris Aspiofis)

خلال الأسابيع القليلة الماضية، أطلّ رأس النظام السوري، بشار الأسد، بجملة من المبادرات واللقاءات الصحفية المتلفزة، كان يفترض كما جرت العادة، اعتبارها بمثابة فرصة يستخدمها رجال السياسة لإيصال جملة من الرسائل والمواقف التي تعكس فهمهم وتصورهم للحظة الراهنة التي يمر بها نظام سياسي ما. 

سوريا تحت حكم بشار الأسد ووالده، أُطيح بكونها "جمهورية" بدلالة الانقلاب على الدستور الذي أُنجز لدى توليه السلطة

فما بالنا بنظام مثل النظام السوري، يتزاحم على أرض يفترض أنه يمارس عليها فعل السيادة، كل من هب ودب من جيوش العالم، وبدعوة رسمية من قبله، مفترضًا أن مجرد توجيهه الدعوة لهذه الجيوش يمثل غطاءً شرعيًا لوجودها أو قبول ضمني أو عجز صريح من قبله. هذا ما يمثله، مثلًا، ذلك العبور الهادئ الذي حظيت به قافلة عسكرية أمريكية من أمام نقطة عسكرية سورية، بتغطية إعلامية روسية.

اقرأ/ي أيضًا: بشار الأسد.. استحالة السياسة

هناك صعوبة بالغة في التعاطي بجدية مع ما أغدقه علينا "السيد" بشار الأسد، أو "رئيس الجمهورية العربية السورية" بحسب البعض، إذ تأتي الشرعية بالتشكيك بأحقيته بهذا اللقب، ليس فقط من زاوية الطريقة العرجاء التي وصل بها لهذا المنصب، بل لأن النظام الذي لايزال يقف على رأسه، لم يُبقِ من هذه التسمية شيئًا.

إذ إن سوريا تحت حكم بشار الأسد ووالده الذي مرت ذكرى انقلابه المشؤوم في سوريا منذ بضعة أيام، أُطيح بكونها "جمهورية" بدلالة الانقلاب على الدستور الذي أنجز لدى توليه السلطة، كما أطاح الأسد بالاسم "العربي" بدلالة التزامه بالمشروع الإيراني في ظل ولاية الفقيه، وهذا الأخير لا يرى في سوريا والعراق ولبنان واليمن إلا نوافذ وثغرات يستطيع من خلالها التحايل والالتفاف على العقوبات الامريكية، على حساب شعوب هذه المنطقة. 

إنه أمر يمكن وصفه على أقل تقدير بالعمالة، نتيجة قبوله لعب دور المشارك أو المساهم أو المستفيد في مشروع، إن لم نقل أنه يفوق خطر المشروع الإسرائيلي في المنطقة، فإنه على أقل تقدير يماثله من زاوية الخطورة.

حضور منفلت من عقاله

في تاريخ 22 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، تناقلت وسائل الإعلام مقطع فيديو مصور لزيارة بشار الأسد إلى مدينة الهبيط بريف إدلب الجنوبي. خلال الزيارة استفاض الأسد الابن في تفنيد فصول المسرحية التي تجري في سوريا، مركزًا على "ذكائه الخارق" الذي أسعفه لإدراك دور البطولة الذي تلعبه الولايات المتحدة في فصول المأساة السورية.

في الحقيقة، يبدو أنه غاب عن "فطنته" و"خبرته" التي اكتسبها في مجال التحليل المسرحي، أن يلحظ جملة أمور، ومنها أن هناك شخصيات وقوى تزاحم الجانب الأمريكي في دور البطولة، وهي: روسيا وإيران وتركيا... إلخ، دون أن يلحظ أيضًا بأنه، وعلى أفضل تقدير، يلعب دور الكومبارس.

أتبع الأسد "إطلالته" الميدانية تلك بمقابلة تلفزيونية بتاريخ 31 تشرين الأول/أكتوبر/ مع وسيلة إعلام محلية، أبدع من خلالها في ممارسة العته والتعليق الساذج على مجمل المشهد السوري، مدعيًا في سياق مقابلته عدم انتباهه لتزامن زيارته مع الإجتماع الذي يجمع كل من الرئيس الروسي والتركي بهدف تنسيق تحركاتهم على الخارطة السورية. كما أكد عدم التزامه بالسياق السياسي الذي أفضى إلى اللجنة الدستورية، بوصفه الوفد المتواجد في جنيف بأنه لا يمثل نظامه.

وكما هي العادة، كلما كثف رأس النظام السوري من حضوره الإعلامي، تتراكم الأخطاء التي تستفز ما يحلو له أن يسميه بالحليف الروسي، الذي سبق وأن أبدع وتمادى في إذلال بشار الأسد في مناسبات عدة، الأمر الذي دفع الجانب الروسي لإرسال إحدى وسائل إعلامه بتاريخ 11 تشرين الثاني/نوفمبر لإجراء حوار مع بشار الأسد، تتيح له الاعتذار عن تجاهله لذكر الدور الروسي في سوريا.

وفي الوقت ذاته، يمارس التهريج والعبث من خلال عودته لديباجته عن تمويل التظاهرات بـ50 أو 100 دولار. ونحن وإن سلمنا بتفاهة هذا الطرح، فإن هذا الأخير يضع المسؤولية عليه، ويزيدها عبر لوضع الاقتصادي الذي أدى لهذه الصورة المدّعاة، ثم إنكاره ممارسة التعذيب والقتل الممنهج في سجونه، ونحن هنا نتفق معه في أن من يمارسه هو مريض نفسي يستحق المصح العقلي، مبدعًا في ذات الوقت نظرية اقتصادية فذة تشرح أسباب تدهور سعر صرف الليرة السورية. 

في الحقيقة لا يفاجئنا رأس النظام السوري، وكامل الفريق الذي يمثله في كل من العراق ولبنان وإيران، في عدم إدراكهم حقيقة ما يحدث في مناطق نفوذهم، الأمر الذي يفرض على من يتابع الشأن السوري ضرورة العودة إلى اللحظة الصفرية التي انطلقت منها الثورة السورية، بدلالة العامل المطلبي الذي حجب في سياق الثورة السورية، بحكم عوامل عديدة، خصوصًا إذا أخذنا بالاعتبار ذلك الخلاف الأخير بين بشار الأسد وذراعه الاقتصادي الأيمن وابن خالته رامي مخلوف.

لا يبدو أن أحدًا كان ينتظر كلامًا من الأسد بخلاف الكلام الذي قاله ويستمر في قوله. لو لم يقل الأسد كل ذلك لما كان ابن السلالة الحاكمة، وما كان ليكون ابن أبيه.

يحاول الأسد الابن تجسيد فعل الأسد الأب لكن بطريقة كاريكاتورية تبدأ بالإشارات الفوضوية باليدين ولا تنتهي بنهريج يظنه "سياسة"!

الدفاع عن نظام الأسد، يتم اليوم بآليات مختلفة، فبالإضافة إلى استعمال الأسلحة الثقيلة والكيماوية والقتل الجماعي، استمرارًا لممارسات الأسد الأب أيضًا؛ ثمة أدوات جديدة اليوم تجسد صورة الأب لكن بطريقة كاريكاتيرية، تبدأ بالإشارات الفوضوية باليدين ولا تنتهي بسخرية وتهريج يظنها قائلها: "سياسة"، بانتظار التحاقه المحتمل بركب تويتر ووسائل التواصل الاجتماعي، ليكون عندها "رئيسًا"، "حداثيًا"، كغيره!

 

اقرأ/ي أيضًا:

اقتصاد الأسد الفاسد.. غربال بثقوب كبيرة

شيفرة حافظ الأسد