أوجه مشوّهة لـ

أوجه مشوّهة لـ"دبلوماسية" النظام السوري

وزير خارجية النظام السوري، وليد المعلم (أ.ب)

لا يمكن العثور في عالم اليوم إلا على أمثلة قليلة جدًا من الأنظمة الشمولية أو الدكتاتورية، من حيث علاقتها المتدنية أو شبه المعدومة تقريبًا مع السياسة ومع الدبلوماسية. 

على المستوى السوري، يمكن الخوض كثيرًا في تاريخ طويل من اللادبلوماسية وخصوصًا بعد الثورة السورية عام 2011

"الأنظمة المارقة" اليوم تكاد تعد على أصابع اليد الواحدة، وهي على العموم أنظمة من مخلفات الحرب الباردة، لكن حتى الاتحاد السوفيتي، أحد قطبي تلك الحرب، كان لديه حد من السياسية والدبلوماسية، وإن لم تكن لتغطي الطابع الشمولي لذلك النظام، إلا أن ثمة شواهد تاريخية على ممارسة الفعل السياسي وإن يكن بروتوكوليًا. هذا بغض النظر عن أن الديبلوماسية في الغرب نفسه اليوم، في أزمة حيث تشهد على ذلك  تغريدات وتصريحات السيد ترامب.

قرأ/ي أيضًا: أعتى 11 كذبة للنظام السوري

سوريًا، يمكن الخوض كثيرًا في تاريخ طويل من اللا دبلوماسية وخصوصًا بعد الثورة السورية عام 2011؛ فالنظام الذي لم يقبل مشاركة السوريين طوال حكمه في الفعل السياسي على الصعيد الداخلي، وانتقل إلى إبادتهم بعد خروجهم في ثورة ضده، استأنف في مواجهة الخارج، نمطًا من ممارساته وسلوكه تجاه السوريين لكن بأدوات مختلفة.

محطات من تاريخ "الديبلوماسية" السورية

يمكننا العودة إلى التاريخ القريب، أي إلى العام 2002 عندما كان النظام السوري عضوًاغير دائم في مجلس الأمن. ففي الوقت الذي كانت القرارات تتولى قبل وبعد غزو العراق، كان النظام السوري يبتكر آلية غرائبية في التعامل مع هذه القرارات متمثلًا في التغيب عن هذه الجلسات، بدلًا من ممارسة الحضور، وإبداء موقف كائنًا ما كان هذا الموقف، ولو اكتفى بالامتناع عن التصويت، طالما أنه لن يصوت لصالح الولايات المتحدة، فقد مر 11 عامًا على تحالفه معها في حرب الخليج الثانية بإرسال قواته إلى حفر الباطن!

وفي الفترة التالية لم تكن الفعالية الدبلوماسية هي ما حكمت علاقة النظام السوري حتى مع جيرانه، إذ لا تزال في الذاكرة سلسلة الاغتيالات التي اجتاحت الجارة لبنان منذ كمال جنبلاط وحتى محمد شطح، ليليها ذلك التعامل الأرعن مع المحكمة الدولية في قضية اغتيال رفيق الحريري وما تلاه.

أما بعد انطلاق الثورة السورية فقد تألق رأس "الدبلوماسية" السورية وليد المعلم في مواجهة "المؤامرة الكونية" ضد رأس النظام السوري بشار الأسد. ذاكرة اليوتيوب ليست مثقوبة بطبيعة الحال، وهو يقدم للباحثين عن الدبلوماسية السورية في فضائه، روابط كثيرة ومعلومات، ليست أولها تلك المناكفة بين وليد المعلم والأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، خلال مؤتمر جنيف 2، عندما تجاوز وزير خارجية النظام الوقت المحدد له بالكلام، مستأنفًا كلامه على إيقاع جرس بان كي مون ليعلن انتهاء وقته المحدد ليتكلم فيه، وهو خمس دقائق.

كان الوزير قد قال سابقًا أيضًا، في ظل دعوة دولية للاجتماع بين النظام والمعارضة، وردًا على سؤال حول شروط المعارضة للتفاوض: "من دون شروط مسبقة ما بيجوا على المؤتمر. إي، عمرهم ما يجوا". المهم، سكت السيد الوزير بعد حوالي 20 دقيقة كما قيل وقتها، فهناك آخرون يجب أن يتكلموا وهو ليس الوحيد.

وليد المعلم ليس الوحيد بالطبع، فثمة آخرون غيره في هذا العالم، بغض النظر عن عدم اعترافه بهؤلاء الآخرين، على عادة النظام، واستعداده لشطبهم. هكذا، لا مانع من شطب أوروبا من الخريطة، كما صرح في وقت سابق!

ليختتمها بذلك الحضور على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي تألق به السيد الوزير عندما كان ميكروفون "روسيا اليوم" يلاحقه منفردًا، للتعليق على التصريحات الأخيرة لوزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية، بخصوص الشأن السوري، فيبادره بالسؤال عن هوية ذلك الأخير. في الحقيقة لا عجب، وذلك بالنظر للتاريخ الطويل من الشطب الذي يجيد ممارسته وزير الخارجية، ليس بوصفه الجهة التي تشطب، بل نظرًا لشطبه من جميع اجتماعات حلفائه لمناقشة الشأن السوري.

 لا عجب في كل ما ذكر سابقًا؛ الدبلوماسية ببروتوكولاتها المتعارف عليها في عالم اليوم، ولو بشكل شكلي، غائبة دائمًا، ففي المحافل الديبلوماسية يضطر النظام للتواجد فرضًا عليه، بأوامر أو إيماءات من حلفائه الذين بات مصيره في يديهم. وعندما يحضر، تكون المشاهد المذكورة أعلاه هي الحتمية التي تحكم علاقاته بالعالم.

هي مشاهد قد تثير السخرية، لكنها لا تثير الضحك، فثمة موت استمر منذ لحظة وصول حافظ الأسد إلى السلطة وحتى لحظات كتابة هذا المقال، وهي لحظات يستمر فيها الموت السوري على يدي نظام خرج بعض رموزه "الدبلوماسيين" في محاولة لاستعراض دبلوماسيته ومساره "السياسي"، في الشطب والإلغاء.

عندنا تم اغتيال جبران تويني، كتب زياد ماجد مقال بعنوان "لن أكتب عن القتيل بل عن القاتل" قال فيه: "هذا النظام لا يرتكب الموبقات والجرائم في سياق مساره السياسي ومواجهاته الإستراتيجية، بل يمكن القول دون مبالغة، إن السياسة والإستراتيجية، عرضيّتان في مساره، حيث الجوهر هو استقرار السلطة على قومه، وإعمال القتل والنهب ونشر الصمت والفساد والمهانة تأمينًا لذلك".

يستمر النظام السوري في كل مناسبة على تأكيد بأن الفعل السياسي في ممارسته لايعدو أن يكون مجرد ترف!

يستمر النظام السوري في كل مناسبة على تأكيد بأن الفعل السياسي في ممارسته لايعدو أن يكون مجرد ترف لا يحتاجه لا على المستوى الداخلي ولا على صعيد السياسة الخارجية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ماذا بعد تشكيل لجنة الدستور السوري؟

معرض إعادة إعمار سوريا.. إيران تعزز نفوذها على أنقاض السوريين