قيصر وصوره ووعوده

قيصر وصوره ووعوده

قيصر يرتدي الأزرق لإخفاء هويته خلال شهادة في مجلس الشيوخ الأمريكي (Getty)

الكثير من السوريين ما كانوا يعرفون مصير أبنائهم وذويهم المعتقلين لدى نظام البراميل السوري، كانوا يعيشون على أخبار ترد من هنا وهناك، ويتابعون أخبار المعتقلين المفرج عنهم لعلهم يعرفون شيئًا ما، أي شيء عن أبنائهم وذويهم، كانوا يعيشون معلّقين بين الأرض والسماء فلا هم يعرفون إن كان معتقلوهم أحياء أم قتلى.. إلى أن صدر قانون قيصر وبالتزامن معه تم نشر العديد من الصور، تلك التي صورها قيصر لمعتقلين قضوا تحت التعذيب في سجون النظام.

لا يمكن وصف مشاعر من يرى صورة أبيه أو أمه أو أخته أو ابنه أو ابنته، بعد انتظار سنوات، معروضة في معرض مؤلف من 55 ألف صورة!

وهنا بدأت حكاية من أكثر الحكايات السورية مرارة، إذ تعرّف الكثيرون على صور أبنائهم وذويهم المشوهة من شدة ما تعرضت لتعذيب وعنف على يد الأسد وجلاديه، وبذلك عرفوا أن معتقليهم قضوا شهداء تحت التعذيب. لا يمكن وصف مشاعر هؤلاء ولا بأية لغة، ولا بأي تعبير، أن يرى المرء صورة أبيه أو أمه أو أخته أو ابنه أو ابنته، بعد انتظار سنوات، معروضة في معرض مؤلف من 55 ألف صورة لـ 11 ألف شهيد توثق مقتلهم في سجون النظام. بعض الأسر التي تعرفت على أبنائها راعها منظر الجثة وآثار العنف الذي مورس عليها وشوهها أكثر من معرفتهم أن ابنهم قُتل! شيء يشبه أن يتحول إنسان في لحظة واحدة إلى حطام إنسان! العديد من الأشخاص الذين تعرضوا لتجربة البحث المريعة عن ذويهم رووا تجربتهم على وسائل التواصل، هي نوع من التجارب التي لا تمر على البشر إلا في لحظات تاريخية معينة وشديدة الخصوصية، وربما لم تمر أصلًا على البشرية إلا في مرحلة من أكثر المراحل التاريخية حلكة وسوادًا وعارًا، هي مرحلة الأسدية.

اقرأ/ي أيضًا: قانون قيصر.. تعرّف على أبرز البنود التي تحاصر نظام الأسد وحلفاءه

لم نقرأ ولم نسمع لا في الحكايات ولا في الكتب ولا في الأفلام ولا حتى في أفلام الرعب وفي الحكايات الخرافية عن أن أسرة تعرفت على ابنها في معرض للصور، وقد تعرفت عليه كجثة، وعرفت في اللحظة نفسها أنه ميت! هذه التجربة لم يوفرها لا شخص ولا دولة ولا مؤسسة ولا نظام سياسي عبر التاريخ إلا نظام الأسد!

قانون قيصر (القانون كنص، أي كمواد وصيغ، وليس تطبيقه ومداه أو كيفية الالتزام الأمريكي بتطبيقه) ينطوي على نحو شديد الوضوح على وعد لذوي الضحايا بمعاقبة مرتكب تلك الفظائع ومن يساعده ويدعمه في ارتكابها، وعد لأرواح الشهداء التي تحوم فوق سوريا أن دمهم ليس مهدورًا، وعد لذلك الأب الذي  فيما يبحث عن صورة ابنه بين الصور أصيب بجلطة فمات على الفور! وعد لتلك السيدة التي شاهدت صورة أخيها بين الصور وكانت تنتظر لسنوات أن تراه مجددًا، وعندما رأته كان جثة مشوهة! وعد لكافة الذين رؤوا صور ذويهم جثثًا، ولأولئك الذين لا يزالون يبحثون، ولأولئك الذين لم يتجرؤوا على البحث.

قانون قيصر أيضًا هو وعد للمهجّرين الذين هجّرهم نظام نبش القبور من بيوتهم ومدنهم وقراهم بأن يجدوا لدى عودتهم ما تركوه ولو دمارًا، فالنظام لم يكتف بتهجير الناس فقط، بل استولى على بيوتهم وأراضيهم وجرّفها ووضع مشاريع لاستثمارها في فنادق ومراكز تسوق وغيرها، وقد منح تلك المشاريع لمقربين منه من المتحكمين بدائرة الفساد وصنّاعها. لقد صدرت حتى كتابة هذه المقالة قائمتان من وزارة الخزانة الأمريكية بعقوبات على أشخاص ومؤسسات وجهات، وقد ورد عبر بيان صحفي للوزارة تفسير صدور القائمة الأولى النص التالي الذي تم تداوله على مواقع التواصل:"تأتي بعض تصنيفات اليوم بسبب التغيير العمراني في الأراضي التي صادرها النظام السوري من السوريين بعد أن شرّدهم. فبعد أن أجبر الملايين من المواطنين السوريين على الفرار من ديارهم طوال الحرب الأهلية السورية، يقوم نظام الأسد ومؤيدوه الآن بضخّ الموارد لبناء مشاريع عقارية فاخرة على تلك الأراضي. ولإفساح المجال أمام العقارات من فئة الخمس نجوم. قام النظام بإخلاء وجرف ممتلكات عشرات الآلاف من السكان من مناطق في دمشق كانت حتى وقت قريب من أحياء الطبقة العاملة المتعاطفة مع المعارضة. وأطلقت الحكومة على أحد هذه المشاريع اسم ماروتا سيتي، وهو أكبر مشروع استثماري في سوريا، وهو مشروع عقاري بملايين الدولارات يهدف إلى تغيير ديمغرافية المكان إلى ديمغرافية غنية وموالية للنظام. وتكشف إجراءات الخزانة اليوم الأفراد والكيانات، بما في ذلك الشراكات بين القطاعين العام والخاص، الذين يسعون إلى الاستفادة من هذا النزوح وإعادة الإعمار. كما منحت الحكومة السورية أيضًا عقدًا طويل الأمد لرجلين من رجال الأعمال الصديقين للنظام لبناء وإدارة غراند تاون وهي مدينة سياحية فاخرة بالقرب من مطار دمشق، مليئة بوسائل الراحة المخطّط لها مثل فندق خمس نجوم وملعب للغولف وعدد من الفلل ومركز التسوق".

ينطوي قانون قيصر على نحو شديد الوضوح على وعد لأرواح الشهداء التي تحوم فوق سوريا أن دمهم ليس مهدورًا

بالإضافة إلى ذلك تعرفنا كسوريين إلى أسماء أشخاص ومؤسسات وجهات متورطة بإهراق الدم السوري لم تكن موضوعة بالتداول من جهة، ومن جهة أخرى ثمة من كان يظن أنها بعيدة عن دائرة الشبهات، كمؤسسة "آرت هاوس" في النمسا على سبيل المثال.

اقرأ/ي أيضًا: توقيع ترامب لقانون قيصر.. ما هي آثاره على نظام الأسد؟

في كانون الأول/ديسمبر صدر قانون قيصر، حتى ذلك التاريخ وبضغط روسي على العديد من الدول كان يجري نوع من إعادة الاعتراف والتعامل السياسي والتجاري مع النظام السوري، الأمر الذي يعني إمكانية تعويم النظام مجددًا برئيسه ذاته، وأجهزته ذاتها، وكان العمل يجري باضطراد على إعادة فتح السفارات والقنصليات في دمشق، وكانت بعض الدول أبدت الاستعداد للخوض في إعادة الإعمار مع روسيا ومع النظام وغير ذلك من النشاطات التي تعني بقاء النظام السوري ذاته في السلطة وفي البلد، وكان ثمة شعور سوري عام أن ذلك هو ما سيكون ولا رادّ له. إلى أن صدر القانون وقبل أن يبدأ تنفيذه بستة أشهر توقف كل شيء دفعة واحدة، وتراجعت دول كثيرة عن فتح السفارات وأخرى عن المشاركة بإعادة الإعمار في ظل وجود هذا النظام... وبهذا يكون قيصر قد منع حتى اللحظة إعادة تدوير النظام، وبهذا يكون قد منح أملًا للسوريين أن إرادتهم بتغيير النظام وإسقاطه يمكن لهم تحقيقها، أقلّه لن يعاد تعويمه هو ذاته.

أما الآثار الجانبية للقانون المتمثلة بزيادة إفقار السوريين فعلينا أن نتذكر أن 93% من الشعب السوري داخل سوريا يعيشون تحت خط الفقر قبل قانون قيصر بكثير، وأن القانون استثنى من عقوباته منتجات الزراعة، والأغذية، والدواء. ومع هذا فلربما يزيد قانون قيصر الأمر سوءًا ولو بدرجات متفاوتة إلا أن الأمر لن يكون أفضل مع بقاء هذا النظام وإعادة تعويمه.

هذا عن الوعود التي يمنحها القانون وليس عن تنفيذها. وهذا عن القانون كنص وليس كتطبيق. تنفيذ الوعود وتطبيق القانون رهن بعوامل لا نستطيع إزاءها شيئًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ماذا يعني قانون "قيصر" للنظام السوري؟

تظاهرات في السويداء تطالب الأسد بالرحيل.. ما علاقة قانون قيصر بذلك؟