احتجاجات هونغ كونغ.. هل تكرر بكين سيناريو ساحة تيان أنمين؟

احتجاجات هونغ كونغ.. هل تكرر بكين سيناريو ساحة تيان أنمين؟

تستمر الاحتجاجات في هونغ كونغ مع دعوات للتصعيد (Getty)

تستمر الاحتجاجات الشعبية في جزيرة هونغ كونغ الآسيوية التابعة للصين للشهر الثاني على التوالي، بعدما توسعت دائرتها لتشمل دعوات لتطبيق الديمقراطية نتيجة محاولة فرض قانون مثير للجدل عليها، ما يعتبره المحتجون منافضًا للاتفاق الموقع بين بكين ولندن عام 1984، فيما تصاعدت دعوات الدول الغربية الكبرى التي تطالب بكين بوقف استخدام العنف في قمع الاحتجاجات السلمية.

يخشى المحتجون في هونغ كونغ من لجوء بكين للسيناريو الذي استخدمته في وأد المظاهرات الطلابية والشعبية التي شهدتها ساحة تيان أنمين وسط بكين عام 1989 للمطالبة بإصلاحات سياسة واقتصادية  

 استطلاع في هونغ كونغ.. النسبة الأكبر من المحتجين يحملون شهادات جامعية

دخلت الاحتجاجات في هونغ كونغ المطالبة بإلغاء قانون يسمح بتسليم المتهمين أو المشبته بهم للصين أسبوعها الـ11 رغم تعليق مشروع القرار من قبل حكومتها قبل شهرين، وتواصلت الاحتجاجات بسبب تصاعد مخاوف النشطاء والمتظاهرين من تراجع الحريات في المنطقة التي يعرف نظام حكمها بـ"دولة واحدة ونظامين" بعد إعادتها عام 1997 من قبل بريطانيا للحكم الصيني.

أقرأ/ي أيضًا: هونغ كونغ تنتفض في وجه الصين: ماذا يحدث في أكثر الدول حرية اقتصادية في العالم؟

وتظاهر يوم الأحد الفائت مئات الآلاف من المحتجين متجاهلين تهديد الحكومة الصينية بالرد عليها "بقبضة من حديد"، حيث تشهد منذ حزيران/يونيو الماضي احتجاجات نظمها  سكان الجزيرة التابعة للنفوذ الصيني، والتي يصفها الغرب بأنها واحدة من أبرز التحديات التي يواجهها الرئيس الصيني شي جين بينغ منذ استلامه السلطة قبل سبعة أعوام، بعدما بدأت للاحتجاج على القانون الذي يقضي بتسليم المتهمين للصين قبل أن تتوسع دائرتها لتشمل دعوات لتطبيق الديمقراطية.

وقال استطلاع نشرته أربع جامعات في هونغ كونغ إن 77 بالمئة (شارك 6688 في الاستطلاع) لديهم شهادات جامعية، و21 بالمئة هم من خريجي المدارس الثانوية، وبلغت نسبة المشاركين الذين تتراوح أعمارهم ما بين الـ20 حتى 29 عامًا 49 بالمئة، وخلص الاستطلاع إلى أن 50 بالمئة من المشاركين بالاستطلاع قالوا إنهم من الطبقة الوسطى، فيما قال 41 بالمئة إنهم ينحدرون من الطبقات الشعبية الدنيا.

منظمو الاحتجاجات رفضوا يوم الثلاثاء الماضي دعوة الرئيسة التنفيذية للجزيرة كاري لام لإنشاء منصة اتصالات لحل الخلافات وإنهاء الاحتجاجات، وقال نائب رئيس الجبهة المدنية لحقوق الإنسان وونغ ييك-مو إن لام "لم تستجب على الإطلاق" لمطالب الحركة الاحتجاجية، بما في ذلك تطبيق ديمقراطية حقيقية، وتقديم استقالتها، والتحقيق المستقل في وحشية الشرطة، بعدما قامت الشرطة باستخدام العنف لقمع المشاركين في المظاهرات.

ما علاقة الصين بحسابات تويتر وفيسبوك الوهمية؟

أعلنت شركة تويتر لشبكة التواصل الاجتماعي حذفها ما يزيد عن 900 حساب، وإيقافها قرابة مائتي ألف حساب آخر في إطار مكافحتها لما وصفته بـ"عملية إعلامية خطيرة" مدعومة من الحكومة الصينية بسبب انتهاكها للمبادئ الأساسية للشركة، مشيرًة إلى أن الحسابات التي تم حذفها أو إيقافها "كانت تعمل بشكل متعمد وعلى وجه الخصوص تحاول إحداث تقسيم سياسي بما في ذلك تقويض شرعية المتظاهرين ومواقفهم السياسية على الأرض".

وانضمت شركة فيسبوك إلى تويتر بإعلانها حذف سبع صفحات وثلاث مجموعات وخمس حسابات تتبع لشبكة صغيرة في الصين تركز في منشوراتها على ما يحصل في هونغ كونغ، وقال الموقع الأزرق في بيان له إنه يعمل على اكتشاف "هذا النوع من الأنشطة وإيقافها"، مضيفًا أن بعض الحسابات التي علقها نشرت منشورات تقارن بين حركة الاحتجاج وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) المتطرف، وكانت تصف المتظاهرين بـ"الصراصير".

وأشارت تقارير سابقة إلى اعتماد النشطاء في هونغ كونغ على تطبيق تلغرام ومنتديات الدردشة لتنظيم الاحتجاجات في الجزيرة، إذ يقومون باستخدام تطبيقات مراسلة مشفرة لإرسال الدعوات بشكل مجهول عبر رسائل، كما أنهم يعتمدون على مجموعات مخفية تضم محامين ومسعفين وأطباء بتقديم النصائح القانونية، وإيصال التجهيزات الضرورية للمحتجين في خطوط المواجهة الأمامية، ويرى غالبية المحتجين أن تنسيق الاحتجاجات عبر الإنترنت أسلوب عملي وفوري لنشر المعلومات والأخبار.

وكانت الحكومة الصينية قد بدأت محاولات فرض حظر على الأخبار أو الصور الواردة من هونغ كونغ، يظهر فيها استخدام الشرطة للهروات وخراطيم المياه في قمعها للاحتجاجات السلمية، ونقل موقع بي بي سي الإلكتروني عن إحدى السيدات التي كانت تسافر من هونغ كونغ إلى البر الصيني أن موظفي الحدود طلبوا منها حذف أكثر من مائة صورة التقطتها للاحتجاجات بعد فحص هاتفها المحمول، مضيفة أن موظفي الحدود يقومون بفحص هواتف اثنين من بين كل ثلاثة مسافرين.

اتهامات صينية للدول الكبرى بالتدخل في شؤونها الداخلية  

تواجه الصين ضغوطًا أمريكية وبريطانية مشتركة لإيقاف استخدام العنف المستخدم في قمع الاحتجاجات في الجزيرة التي تتمتع بحكم ذاتي، وأعلنت بكين احتجاز سايمون تشينغ أحد موظفي القنصلية البريطانية في هونغ كونغ بعدما طالبتها لندن بالكشف عن مصيره، حيث اختفى في الثامن من الشهر الجاري بعد عودته من حضور ندوة لرجال الأعمال في مدينة شينزين التي تعد نقطة الوصول بين الجزيرة والبر الصيني.

وتجاهلت بكين تغريدة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب دعا خلالها نظيره الصيني لعقد لقاء لبحث الأوضاع المتوترة في هونغ كونغ، واتهمت بكين لندن بأنها تقوم بالتدخل في شؤونها الداخلية، بعدما طالبت الأخيرة بإجراء تحقيق مستقل في الاحتجاجات، فيما وجهت الخارجية الصينية اتهامات لواشنطن بالتآمر مع "عناصر إجرامية متطرفة"، ردًا على قرار لجنة الشؤون الدولية للكونغرس الأمريكي يطالب بكين بالتخلي عن ممارسة القمع ضد مظاهرات الاحتجاج السلمية في هونغ كونغ.

ولا تقتصر الدعوات الدولية على نبذ بكين لاستخدام العنف ضد المحتجين في الجزيرة الآسيوية، فقد امتدت لتشمل تايوان بعد عرضها منح اللجوء السياسي للمشاركين في احتجاجات هونغ كونغ الديمقراطية، وهو ما وصفته بكين بأنه "يتستر على جرائم مجموعة صغيرة من المتشددين العنيفين"، ويشجع "جرأتهم في إلحاق الأذى بهونغ كونغ، وتحويل تايوان إلى ملاذ للفارين من القانون".

وكانت كندا مع الاتحاد الأوروبي قد أصدرتا بيانًا مشتركًا الأسبوع الماضي أكدتا من خلاله على وجوب الحفاظ على الحريات الأساسية بما في ذلك الحق في التجمع السلمي، وعبر البيان عن قلقهما إزاء تصاعد العنف، وأيدا تشجيعهما لمشاركة جميع الأطراف في تخفيف حدة التوتر الذي تشهده الجزيرة.

هل تكرر بكين سيناريو تيان أنمين في الجزيرة الآسيوية؟

تصف بكين ما يحصل في هونغ كونغ بـ"الثورة الملونة" في استرجاع للثورة البرتقالية التي شهدتها أوكرانيا عام 2004 للمطالبة بوقف التدخل الروسي في شؤون كييف الداخلية، فيما تنظر القوى الغربية لأن ما تشهده هونغ كونغ ليس إلا حركة احتجاجات شعبية تطالب بالديمقراطية، ومن هذا المنطلق فإن الاحتجاجات التي تشهدها الجزيرة الآسيوية تحمل أكثر من تأويل سواء كان داخليًا أو خارجيًا.

وتحمل التصريحات المتبادلة بين القوى الغربية وبكين حول ما تشهده الجزيرة الآسيوية صراعًا على مكتسبات الحريات المالية والاجتماعية بسبب وضعها في قائمة أكثر الدول حريًة مالية في العالم، وبحسب الاتفاق البريطاني – الصيني الموقع عام 1984، وينص على أن تبقى الجزيرة الآسيوية تحت سيادة الصين في إطار سياسة "بلد واحد ونظامين"، فإنه ينتهي عام 2047 ما يعني خضوع هونغ كونغ لنفوذ حكومة بكين المركزية بشكل كامل، لذا يرى محللون أن الاحتجاجات الحالية من الممكن استمرارها حتى مرور 50 عامًا على توقيع الاتفاق.

وتسود مخاوف لدى القوى الغربية من استخدام بكين للجيش الصيني في قمع الاحتجاجات بعد انتشار صور تظهر مجموعة خيام عسكرية للجيش الصيني فوق ملعب رياضي لم تكن موجودة في وقت سابق من العام الجاري، وسط تقارير تفيد بتلقي أفراد من الشرطة العسكرية تدريبات قرب الحدود الصينية، ويرى مراقبون أن ظهور الخيام يحمل تفسيرًا يدور حول محاولة بكين إظهار نبرة من التهديد والترهيب للمحتجين دون أن يستبعدوا لجوء بكين للعنف في قمعها للاحتجاجات.

وهناك استعدادات بين المحتجين لمواجهة الأسوأ بعد استخدام شرطة هونغ كونغ للعنف في قمعها للاحتجاجات، فيما أشارت تقارير إلى انتشار عصابات الثالوث الصيني لضرب المجتجين، فقد تحدث مراقبون عن إمكانية استخدام بكين لتكتيكات سرية لقمع الاحتجاجات من بينها إرسال قوات شرطة صينية مرتدية زي شرطة هونغ كونغ لقمع الاحتجاجات، وهو ما يعني عدم اتجاه بكين لاستخدام الجيش بشكل واضح لقمع الاحتجاجات.

وعلى الرغم من تأكيد صحيفة جلوبال تايمز الرسمية الصينية الناطقة باللغة الإنكليزية عدم تكرار السيناريو الدموي الذي شهدته ساحة تيان أنمين بالإشارة لأن بكين أصبحت "أكثر قوًة ونضجًا" للتعامل مع وأد الاحتجاجات، لم تنسَ التنويه لأن قرار بكين عدم "التدخل باستخدام القوة لقمع أعمال الشغب" لا يعني أن هذا الخيار ليس بمتناول يدها.

ويخشى المحتجون في هونغ كونغ من لجوء بكين للسيناريو الذي استخدمته في وأد المظاهرات الطلابية والشعبية التي شهدتها ساحة تيان أنمين وسط بكين عام 1989 للمطالبة بإصلاحات سياسة واقتصادية، رد عليها الجيش الصيني بالقوة بعد اقتحامه ساحة الاعتصام ما أودى بحياة ما لا يقل عن 400 معتصم، فيما تشير تقارير إلى أن أعداد القتلى تجاوز الألف.

ونقلت صحيفة الغارديان في تقرير لها عن البروفسور في كلية الدراسات الشرقية بجامعة لندن ستيف تسانغ أن بكين في حال اعبتارها لما يحدث في هونغ كونغ ثورة ملونة بالفعل فإنها ستفعل كل ما يتطلبه الأمر لإيقافها، مضيفًا أن الوضع أكثر خطورة مما كانت عليه الاحتجاجات عندما بدأت في حزيران/يونيو الماضي، في الوقت الذي يرى فيه أستاذ العلوم السياسية في جامعة هونغ كونغ المعمدانية كينيث تشان أن نشر قوات جيش التحرير الشعبي بغض النظر عن قدرتها على السيطرة سيعني نهايةهونغ كونغ وهو ما تعتبره بكين حلًا أخيرًا.

اقرأ/ي أيضًا: استعادة "رجل دبابة" تيانانمن.. خوف الطغاة من الذكريات

وبحسب الصحيفة البريطانية فإن كينيث يرى أن ذلك سيحمل آثارًا سيئة على بكين بالأخص بعد انخفاض معدل نموها الاقتصادي لأدنى مستوى منذ 30 عامًا، متوقعًا اتجاه بكين للبحث عن طرق أخرى لوأد الاحتجاجات، من خلال مزيج من الضغط السياسي والاقتصادي، والاعتقالات الجماعية وتصاعد عنف الدولة ضد الناشطين والمتظاهرين، إضافة إلى عقوبات اقتصادية ضد الشركات، وغيرها من أساليب الضغط الخفية.

تواصلت الاحتجاجات في هونغ كونغ بسبب تصاعد مخاوف النشطاء والمتظاهرين من تراجع الحريات في المنطقة التي يعرف نظام حكمها بـ"دولة واحدة ونظامين"

وكانت صحيفة جلوبال تايمز الصينية قد قالت في مقال آخر لها إن بكين تأمل أن تتمكن القوى الداخلية في هونغ كونغ من استعادة النظام بدعم من الحكومة المركزية، لكن "التدخل القوي" من جانبها سيكون الخيار الوحيد إذا لم تتمكن "المدينة" من فعل ذلك، مشددًة على أنه بالرغم من محاولة النخب السياسية والرأي العام في واشنطن تحريض المحتجين في هونغ كونغ فإن ذلك لا يدل على إمكانية تأثيرها على قرارات بكين بشأن وضع الجزيرة الآسيوية.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

حين أصبحت هواوي رأس الحرب الباردة بين الصين والولايات المتحدة

كل ما تريد معرفته عن WeChat.. أكبر تطبيق صيني للمحادثة