أن تكوني أمًا لذكر

أن تكوني أمًا لذكر

روزي المبرشمة أحد رموز تحرر المراة الأمريكية (ويكيبيديا)

بمجرد معرفة المرأة أنها تحمل مولودًا، حتى تكون لبعض النساء العربيات رغبة خفية بأن يكون جنس الجنين "ذكرًا"، خصوصًا وإن كانت حامل لأول مرة؛ ففي مجتمعنا، أن يكون جنس طفلك ذكر، ليس كأن يكون أنثى. النساء الحوامل تتملكهن رغبات دفينة يرفضن البوح بها لأزواجهن، مخافة أن يفقدن مكانتهن في قلب الزوج، أو في مجتمعاتهن الصغيرة عامة.

تجدها خائفة من نظرة زوجها الحائرة، سواء كان بسيطًا أو مثقفًا، بأن تكون حاملًا بأنثى، على رغم من عدم إبداء انزعاج واضح بأنه أصبح أبًا لأنثى، إلا أنه بالتأكيد سيكون قد تمنى لو كان مولوده ذكرًا، أما لو كان ينتمي لعائلة قروية فسيعترف للمرأة أمام الجميع برغبته في إنجاب الذكر. فمولود "ذكر" يعني حظوة بين عائلة الزوج، وكأن المرأة ملكت الدنيا بما فيها.

أن تكوني أمًا لذكر يعني أن هذه المرأة محظوظة جدًا في عيون الآخرين. فسيحتفل بها، وستكون كلمتها مسموعة أمام الزوج وأمام الحماة

وأن تصبح أمًا لذكر يعني أن هذه المرأة محظوظة جدًا في عيون الآخرين. فسيُحتفل بها، وستكون كلمتها مسموعة أمام الزوج وأمام الحماة أيضًا، ويمكن أن تلاحظ غيرة شقيقات زوجها. فأن تكوني أمًا لذكر في مجتمع عربي، إذن أنتِ سيدة تنعمين برضا الخالق، وتستحقين معاملة جيدة من طرف الزوج وعائلته.

فالزوج دائمًا ما يحب أن يطلق على مولوده لقب "ولي العهد". حتى لو كان لا يملك فلسًا واحدًا، ولا أملاكًا تذكر، قد يورثها لولي العهد. سوى ديون المنزل الصغير، والتي تسدد كل شهر أو مصاريف الماء والكهرباء، فهو يتكل على زوجته في ضمان مصاريف الولادة داخل المستشفى. فمصروفه لا يكفي لسد كل حاجياتها المادية، من مستشفى وتحاليل وأدوية ومصاريف الطفل الصغير، وما يترتب عليه من "السبوع" أو العقيقة.

اقرأ/ي أيضًا: تزويج قاصر من "مغتصبها" يفتح جدلًا في تونس

فإذا كان "ذكر" التقاليد ستختلف، الاحتفالات ستكون كبيرة وأعداد المدعوين ستزداد، وبالتالي مصاريف هذا المولود الذكر ستكون أكثر، لتقولي في نفسك أيتها المرأة لو كانت أنثى سيكون أفضل، ستكتفين بعقيقة صغيرة ولا أحد سينتبه بأنك كنت حامل أصلًا. لهذا لن تكلفي نفسك عناء أن تظهري بمظهر "السلطانة" أمام حماتك أو معارفك فقط لغيظهن.

فبمجرد أن تلدِ الذكر ستتعالى الزغاريد، والتي ستتكفل بها والدتك وحماتك، هي سبع زغاريد فقط. ستظهر السعادة على محياك فقط لأنك أما لذكر، وأنتِ المرأة الحاصلة على دبلومات وفي حياتك الكثير من الأحداث التي تستدعي الاحتفال والسعادة، وتعملين في شركة مهمة أفضل من التي يعمل فيها زوجك، كل هذا لن يشفع لك أمام أفراد مجتمعك، لكن الآن الأمر يختلف أنتِ والدة طفل ذكر تصيبه عين الحسود كثيرًا، وستهتمين به أكثر، فهو في النهاية ولي للعهد للزوج، الذي يعاني من ديون كثيرة.

سيكبر هذا الرضيع وسيصبح طفلًا، غالبًا ما سيكون شقيًّا، وعنيدًا؛ فالذكر غالبًا ما ينعم بدلال، لذلك ستكون المرأة فخورة بطفلها أمام صديقاتها أو عائلتها أو جيرانها، وستقول مع نفسها، لا بأس في أن يتأخر ليلًا، في لعب مع أطفال الحي، في النهاية سيصبح رجلًا، والشارع أو الزقاق هو مكان للرجال. عوض الأنثى التي إن تأخرت ليلًا وهي تلعب رفقة قريناتها ستحدث فضيحة، ولو أنها طفلة لم تتجاوز الخمس سنوات أو أكثر.

المرأة  التي تنجب الذكور في مجتمعنا ستحس بنعمة أنعمها الله عليها عندما يصبح طفلها مراهق، فالفرق شاسع بين تربية مراهق ومراهقة

المرأة التي تنجب الذكور في مجتمعنا، غالبًا ستحس بالنعمة التي أنعمها الله عليها، عندما سيصبح طفلها مراهق، فالفرق شاسع بين تربية مراهق ومراهقة، فأنتِ في مجتمع لن يدقق كثيرًا في أخطاء المراهق بقدر ما سيدقق في أخطاء الفتاة المراهقة، لن تحتاجي أن تخشين مواجهة الجيران في تبرير تأخر أولادك، بقدر جارتك التي أنجبت الفتيات، لن تهتمي بلباسهم، بقدرها هي، فمفاتن طفلتها تبرز يومًا بعد يوم، والعيون تتوجه إلى جسدها الصغير يوم بعد يوم، ستحمدين الله على أطفالك الذكور، فماذا لو طفلك تحرش بطفلة الجيران، ستقولين مع نفسك وماذا بعد، عليها أن تنتبه لتصرفاتها، عوض أن ينتبه ولي عهدك لسلوكاته.

ستقولين مع نفسك ماذا لو أغواه الشيطان وجرب أول سيجارة، سيجبك والده، في النهاية سيصبح رجلًا، لكنك في المقابل ستراقبين تصرفات ابنة جارتك، خصوصًا طريقة مشيتها، وتحدثها مع صدقاتها أو الجيران. لن تهتمي إن كانت فعلًا متفوفقة على ابنك المدلل، فهي في الحقيقة تحصد معدلات مرتفعة مقارنة بولي عهدك، يبدو الذكاء مشعًا على عينيها الجميلتان، ومستقبل زاهر ينتظرها. كل هذه التفاصيل المملة لن تهتمي بها، فأنتِ الأفضل، أنتِ والدة "ولي العهد".

اقرأ/ي أيضًا: 10 أحكام مميّزة لدستور العائلة التونسية

ومع مضي سنوات، ستبدأ بعد العلامات الكبرى تظهر على ملامحك، ستقولين مع نفسك الزمن يمضي بسرعة وأنا أمًا لمراهقين سيصبحون رجالًا. كم أنا محظوظة، ليس هناك هم أكثر من الإناث.

المراهقون سينضجون، وطفلك البكر لم يحصل على شهادة تؤهله أن يصبح مهندسًا أو طبيبًا كما كنت تطمحين، فعوض أن تهتمي بتربيته ، كنت تراقبين طفلة جارتك، إنه الآن عاطل عن العمل، يشبه والده عند تعرفتي عليه أول مرة، لن تعرفين متى سيستقر. ابنة الجيران حصلت على عمل مناسب، الكل يحسدها عليه، والدتها فخورة بانجازتها جدًا.

أنتِ المرأة ضحية تمييز أشقائك الذكور، كانوا يعولون عليك حتى في اهتمام ورعاية والدتك المريضة، وأنتِ من سيهتم بك عندما تمرضين؟

لكن طفلك الآخر أصبح إطارًا بنكيًا، سيساعدك لتسديد ديون والده التي لا تنتهي، لكن يا حسرة كل أحلامك لن تتحقق، ستصبحين حماة عما قريب، ستسألين نفسك كيف ستكون زوجة ابنك، هل ستأخذه منك، هل سيهتم بك عندما تصبحين عجوز؟ أم سيهتم فقط بزوجته أو أطفاله؟ ماذا لو اصبتي بزكام حاد؟ من سيعتني بك، فزوجك المرحوم تركك لوحدك، أو بالأحرى مع أطفالك الذكور الذين أصبحوا رجالًا.

الكل سيؤسس حياة بعيدًا عنك، من الممكن جدًا أن لا تتفقين مع زوجة ابنك. أسئلة كثيرة ستتبادر إلى ذهنك، أنتِ التي كان أقصى طموحها أن تصبح أمًا لذكر عوض أنثى.

أنتِ المرأة ضحية التمييز بين أشقائك الذكور، كانوا يعولون عليك كثيرًا، حتى في اهتمام ورعاية والدتك المريضة، وأنتِ من سيهتم بك عندما تمرضين، ستحمدين الله وتطلبين بأن يكون القدر لطيفًا معك، لكنك بالتأكيد ستقولين في قرارة نفسك: ماذا لو أنجبت أنثى، أليس أفضل؟

اقرأ/ي أيضًا:
ثورة السعوديات: "لا للولاية"!
أمهات معيلات في مصر: حرب بجبهات كثيرة!