أفريقيا مادة مناكفة فرنسية إيطالية!

أفريقيا مادة مناكفة فرنسية إيطالية!

كانت المظلومية الأفريقية مادة للتساجل الأوروبي الأوروبي خلال الفترة الماضية (Getty)

"فرنسا تنهب خيرات أفريقيا!"، وما الجديد في ذلك؟ يقول لسان حال الشعوب السمراء، الذين اعتادوا تحسس جيوبهم كلما هتفت قنوات الإعلام الرسمي مديحًا في الأحلاف الاستراتيجية التي تبنيها قصورهم الرئاسية بالإيليزيه.

إنها عودة إلى زمن التسابق الاستعماري، تلك الحقبة التي تذكر بها حرب الملاسنات الإيطالية الفرنسية هذه الأيام، معبرة عن مدى نضج الشروخ الأوروبية

الخطاب اليوم آت على غير عادته، من دولة أوروبية. وعلى غير عادة القرن الواحد والعشرين؛ الذي كان مطلعه تهليلًا بالوحدة الأخوية الأوروبية، تعرف بروكسل اليوم تشققات، ليس السجال الفرنسي الإيطالي إلا تمثلًا منها.

اقرأ/ي أيضًا: كيف تورط الفرنسيون في مجازر الإبادة في رواندا؟

إنها عودة إلى زمن التسابق الاستعماري، تلك الحقبة التي تذكر بها حرب الملاسنات الإيطالية الفرنسية هذه الأيام، معبرة عن مدى نضج الشروخ الأوروبية، وسقوط سردية "الاتحاد المثالي"، والعودة إلى حالة البحث عن الوحدة الوطنية، الشعبوية، غير أنها تفي بغرض ردء التصدعات الداخلية للدول. منها يكتسب الصعود اليميني الحالي جدوى وجوده، ومنها تكون علة فشل النموذج اللبيرالي الذي كان الطموح الأسمى لانبلاج الوحدة الأوروبية.

سالفيني و"فرنسا المنافقة"

لماذا يخاطر المهاجرون بحياتهم من أجل الوصول إلى الضفة الشمالية للمتوسط؟ يتساءل لويجي دي مايو، ليسترسل مجيبًا: "لأن هناك دولًا كفرنسا، لا زالت تدير شركات استعمارية في دول أفريقيا، وبالتحكم في عملتها، تضعف اقتصاد هذه الدول التي يأتي منها العدد الأكبر من المهاجرين".

هكذا نبه النائب والزعيم اليميني الإيطالي، المجتمع الأوروبي إلى ما أسماه "نفاق" الحكومة الفرنسية، في تصريحاته يوم الأحد 20 كانون الثاني/يناير، معلقًا على  فاجعة غرق قاربين للهجرة السرية في عرض البحر الأبيض المتوسط، منتصف ذلك الأسبوع. كما تنقل الصحيفة اليومية الإيطالية Il Fato Quotidiano.

يشير دي مايو إلى أنه على الدول الأوروبية مواجهة جذور المشكلة، لا نتائجها، ويحمل سيطرة فرنسا على اقتصادات الدول الإفريقية، مستعمراتها السابقة، المسؤولية الرئيسية في هشاشة الأوضاع المعيشية بها. داعيًا بروكسل إلى تطبيق عقوبات على فرنسا في هذا الصدد، ورفع المشكلة إلى التحكيم الأممي داخل مكاتب الأمم المتحدة.

"في أفريقيا، هناك من يسرق خيرات الشعوب. وفرنسا واحد من هؤلاء اللصوص"، يصرح هذه المرة ماتيو سالفيني، مضيفًا أنه ليس من مصلحة فرنسا أن تستقر الأمور في ليبيا، مثلًا، لأن ذلك سينهي استغلالها لثروات البلد النفطية". هكذا، يدخل وزير الداخلية الإيطالي على خط النار، مؤكدًا أن الحكومة الفرنسية المنافقة آخر من يمكن منح بلاده الدروس في كيفية إدارة أزمة الهجرة، التي تواجهها إيطاليا منذ ثمانية عشر شهرًا.

غير بعيد في الزمن، تعود تصريحات ماتيو سالفيني بالقارئ إلى خرجته السابقة، قبل أسابيع، التي قدم دعمه فيها إلى حركة السترات الصفراء، واصفَا ماكرون بالرئيس السيئ، داعيًا الفرنسيين إلى عدم انتخابه مجددًا.

على الجانب الفرنسي، اعتبرت ناتالي لوازو، وزيرة العلاقات الأوروبية الفرنسية، التصريحات الإيطالية "غير مقبولة"، مؤكدة أن تصريحات سالفيني أو غيره، لا يمكنها التأثير على مناخ الاقتراع داخل فرنسا، وفي وقت تعمل فيه بلادها على تكريس مناخ أوروبي وحدوي قوي، لن تدخل في سجال سخيف مع جارتها الشرقية. هذا بعد أن استدعى الإليزيه سفير روما للتباحث في تداعيات هذه التصريحات.

حق يراد به تنافس

يحمل تصريح الحكومة الإيطالية كثيرًا من الصحة، والأحقية، بما هو معلومة، ليست غريبة عن الذين يعيشون المأساة الأفريقية، لكن إلقاء الضوء عليها، في معرض انبثاق هذا النقاش، يبدو ضروريًا. فمنذ الاستقلال الشكلي للمستعمرات الفرنسية السابقة، ظلت بلدان غرب ووسط أفريقيا رهينة للإرادة السياسية للمحتل السابق، مفتاح هذه الهيمنة، وبالخط العريض، الفرنك الإفريقي CFA.

هذه العملة التي أقامتها الإدارة إبان سنوات احتلالها، بغرض تمكين باريس من التحكم باقتصاد مستعمراتها وضمان تدفق الثروات الأفريقية إلى بنوك العاصمة. هذا التحكم الذي ينبني على مبادئ أربعة هي؛ ارتباط العملة الثابت بالعملة الفرنسية، التبادلية اللامحدودة للعملة، تجميع احتياطي العملة الصعبة للمستعمرات في فرنسا، والتنقل الحر لرؤوس الأموال بين المركز والمستعمرات.

على هذا الأساس يهيمن البنك المركزي، بكيفية مطلقة، على السياسات الاقتصادية للدول الأفريقية، مالكًا حق الفيتو داخل كل البنوك المركزية لهذه الدول، ناهبًا خيراتها ومفقرًا شعوبها. وبأداة الاغتيالات، والانقلابات والتلاعبات السياسية الفاسدة، تضمن فرنسا إذعان الدول الأفريقية لها، وعبر عقود "رابح- رابح"، لا يربحون منها إلا هم، وطبقة الرؤساء الموالية لهم، بينما يترك البقية من الشعوب أمام خيارين: الموت جوعًا، أو الموت غرقًا في عرض البحر.

البادئ أظلم

"قد عادت أخطار الجذام اليميني مجددًا تهدد الوحدة الأوروبية"، ينبه ماكرون. كان ذلك قبل شهرين من نهاية السنة المنصرمة. مشبهًا المشهد السياسي الذي تعيشه القارة العجوز خلال الأيام الأخيرة، بذلك الذي كابدته إبان فترة الثلاثينات، وتمخضت عنه أهوال النازية والفاشية على حد سواء. ويضيف قائلًا إن أوروبا اليوم مقسمة بالخوف؛ عودة اليمين الوطني، تبعات الأزمة الاقتصادية. عندما نشهد هذا نلحظ أنه طبق ما حصل في الحقبة الفاصلة بين الحربين العالميتين".

اعتبرت الحكومة الإيطالية نفسها المعنية بتصريحات ماكرون، وهكذا ردت روما على الرئيس الفرنسي واصفة إياه بـ "المنافق" و"صندوق الكلام"، معتبرة هذه التصريحات كرد على تملص فرنسا من مسؤوليتها في أزمة المهاجرين، وكشرارة انطلاق حرب كلامية بين العاصمتين، هي التي تأكدت في خرجات دي مايو وسالفيني الأخيرة.

الحرب الكلامية في إطار رهانات أيَّار/مايو

تنتظر أوروبا شهر أيّار/مايو بحذر شديد، الشهر الذي سيعرف الاستحقاقات الانتخابية الأوروبية، وهذه المرة ليست كسابقاتها. في وقت تعرف فيه ساحتها السياسية صعودًا مذهلًا لقوى اليمين الشعبوي. وفي كل بلدان القارة، بشكل إحصائي، حصدت خلال الانتخابات الأخيرة في كل دولة: 26% من الأصوات في النمسا، و21% منها في الدانمارك، 19% في هنغاريا، و18% في فنلندا، 17.4% في إيطاليا والسويد، وكذلك 13% في كل من هولندا وفرنسا، أما في ألمانيا في 12%، وأقل بدرجة مئوية في التشيك، وأخيرًا 9% في كل من اليونان وبلغاريا وسلوفاكيا.

ترخي أزمة المهاجرين والأزمة المالية بظلالها على الواقع السياسي الأوروبي، حاشدة الحطب في بوتقة القطار اليميني، ممثلة إياه الصوت البديل لفشل نخبة 68 في إدارة الوضع. هكذا يعيش النموذج الليبرالي الأوروبي لحظاته الحاسمة، مهددًا بمد جارف قد ينهي سنوات سيادته، وينهي بذلك الحلم الأوروبي الوحدوي.

هذا التصور نفسه الطاغي في أوروبا اليوم، لسان حال عواصمها الموحد، والذي صرّح به رئيس الوزراء الهنغاري فيكتور أوربان بشكل واضح، كون قضية الهجرة ستكون المحور الحاسم في الاقتراع الأوروبي القادم، لأن  النخبة الأوروبية فشلت في حماية أوروبا من تدفق الإسلام إليها، هكذا يتبدى الحل في نظره انقلابًا سياسيًا إلى ديمقراطية مسيحية، كما يؤكد.

من داخل هذا السياق نقرأ الحرب الكلامية بين الدولتين الأوروبيتين، وعودة إفريقيا كموضوع جدل، أي من سياق الحملة الانتخابية المستبقة، والصراع الطاحن حول مقاعد البرلمان الأوروبي.

وفي سياق آخر، يتبدى تصاعد الوطنية اليمينية الشعبوية كرد فعل عكسي لتبعات الأزمة الاقتصادية، والتي لم تخرج إلا مقوية للمركز الفرنسي الألماني، محيلة بقية دول الاتحاد إلى درع لامتصاص الصدمات الاقتصادية المتوالية. ويزيد اتفاق آخن الأخير بين ميركل وماكرون هذا التحالف الثنائي، والقيادي للاتحاد قوة، ما يكرس نفس الوضع الجبروتي لدول المركز الأوروبي.

اقرأ/ي أيضًا: المرتزقة الجدد.. الجيوش الخاصة والنظام العالمي

في المقابل هناك من يحشد في الطرف المناقض أسلحته ليرد، ولو كان هذا الحشد مبنيا على معلومات لا تأكيد لصحتها، كما روج لها رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي؛ قائلًا إن الاتفاق يسعى لحجز مقعد باسم الاتحاد الأوروبي لألمانيا داخل مجلس الأمن بالأمم المتحدة. معبرًا أنه "باغت الدولتين ويديهما داخل جرة الحلوى"، مكيلًا بذلك الانتقادات لكل من باريس وبرلين، داعيًا حلفاءه للتكاتف من أجل قلب سطوة هذه القيادات على الاتحاد.ليست معاناة أفريقيا القضية الوحيدة التي ألقي بها في هذا التنافس السياسي الأوروبي بين فرنسا وإيطاليا، إذ تسعى روما إلى جذب حركة السترات الصفراء إلى جانبها

ليست معاناة أفريقيا القضية الوحيدة التي ألقي بها في هذا التنافس السياسي الأوروبي، إذ تسعى روما إلى جذب حركة السترات الصفراء إلى جانبها، هذا ما تبينه اللقاءات المتواترة بين وجوه هذا الحراك الاحتجاجي وبين قيادات روما، ما زاد في إثارة حفيظة الحكومة الفرنسية، وما زاد في استعار التوتر بين الدولتين أكثر، مما يبدد مساعي حله على الأقل في الأيام القليلة القادمة.