أدب سالي روني.. الحميمية والأيديولوجيا إذ تجتمعان في كتاب

أدب سالي روني.. الحميمية والأيديولوجيا إذ تجتمعان في كتاب

الروائية الإيرلندية سالي روني

نشرت نيويورك تايمز المقال الآتي عن سالي روني، الروائية الإيرلندية التي رفضت مرخرًا منح حقوق ترجمة روايتها الأخيرة "العالم الجميل، أين أنت" لدار نشر إسرائيلية، انطلاقًا من تضامنها مع حركة المقاطعة للمؤسسات الإسرائيلية، ودعمها لحقوق الشعب الفلسطيني. وُصفت روني بأول الأدباء العظماء في جيل الألفية.


تكتب الروائية المليونيرة أليس لصديقتها قائلة: "أسأل نفسي كل يوم، كيف اتخذت حياتي هذا المنحى. لم أدع يومًا أني أمتلك الصلابة النفسية التي تمكنني من مواجهة الشهرة وما يأتي معها من أضواء مسلطة على شخصيتي ونشأتي". أليس في الحقيقة ما هي إلا شخصية متخيلة تمثل انعكاس مبدعتها سالي روني في روايتها الجديدة "أيها العالم الجميل، أين أنت" التي صدرت في أيلول/سبتمبر الماضي.

تعرف روني أن العديد من الكتاب يطمحون لما وصلت إليه، لكنها تصر أن لا أحد يستفيد من هذه الشهرة إلا الرأسمالية

حتى أثناء المقابلة التي أجرتها سالي مع صحيفة نيويورك تايمز عبر الفيديو، عبرت سالي عن حالة الهلع التي تنتابها نتيجة لشهرتها وتعرضها للمجال العام في مثل هذه المقابلات. تقطن سالي منزلًا في بلدة صغيرة في إيرلندا مع زوجها جون براسيفكا. اعتادت سالي هذا المحيط المعزول الذي يقع كل ما فيه في متناولها وتحت سيطرتها وألفته، على عكس أضواء الشهرة وضجيجها التي جرفتها منذ صدور روايتها الأولى "محادثات مع الأصدقاء" في 2017، ثم روايتها الثانية "أناس عاديون" التي صدرت في 2018 ورشحت للعديد من الجوائز.

اقرأ/ي أيضًا: الروائية سالي روني.. لا للترجمة إلى العبرية

اعتلت سالي سلم المجد الأدبي سريعًا ونعتت بأوصاف عديدة منها أول الأدباء العظماء في جيل الألفية وسالينجر جيل سنابشات. وقد جذب حضورها في جلسة قراءة في مكتبة في بروكلين جمهورًا كبيرًا أجبر منظمي الجلسة على نقلها إلى كنيسة مجاورة. وقد أفادت جريدة وول ستريت جورنال أن النسخ الأولى من روايتها الجديدة "أيها العالم الجميل أين أنت" بيعت بما يقارب الـ 200 دولار على موقع ايباي. تتناول هذه الرواية قصة الكاتبة الروائية أليس وصداقتها مع أيلين المحررة التي تعمل في مجلة أدبية. تشرف الصديقتان على الثلاثين من العمر وتتورطان في علاقات رومانسية، أليس مع عامل في مخزن يدعى فيلكس وأيلين مع صديق طفولتها سيمون، الذي يعمل مستشارًا سياسيًا. 

كتبت سالي شخصية أليس التي دخلت المصح النفسي عقب تعرضها لنوبة نفسية جراء الضغط الذي فرضته عليها شهرتها الجديدة بعد نجاح روايتيها، لعلها تكون طريقة لها للتعامل مع هذا القدر من الاهتمام الذي تحتمله بالكاد. تقول "لقد كتبت هذا الكتاب لأن النجاح الذي حققته رواياتي السابقة استحوذ على حياتي تمامًا". لم تتعمد سالي أن تجعل المليونيرة المستحدثة مركز روايتها، بل أرادتها عن أناس عاديين كأبيها الذي عمل في تصليح خطوط الهاتف. فيلكس العامل في المخزن ليس شخصًا غريبًا عن حياتها إذًا.

تعرف روني أن العديد من الكتاب يطمحون لما وصلت إليه، لكنها تصر أن لا أحد يستفيد من هذه الشهرة إلا الرأسمالية. فالهالة التي تحيط بالكتاب لا تفيد أحدًا على حد قولها. لكن في الواقع تجني روني الكثير بفضل هذه الشهرة. لكن من واقع توصيفيها لنفسها كماركسية ترى أنها لا يجب أن تجني أكثر مما يجنيه زوجها مدرس الرياضيات، أو أي شخص آخر يؤدي عمله.

في عام 2020 مع ارتفاع مد الجائحة التي اجتاحت العالم، ارتفع مد شهرة سالي، خصوصًا بعد عرض مسلسل "أناس عاديون" المقتبس عن روايتها. هذه الشهرة فاجأتها هي نفسها التي لم تكن تدرك وهي تشارك في كتابة نص المسلسل قدر النجاح الذي سيحققه والجدل الذي سيثيره. لكنها على كل حال سعيدة بأن تحتل شخصياتها هذه المكانة لدى كل هؤلاء الناس. ما تكرهه هو تأثير الشهرة الذي يسهل إلصاق اسمها بأشياء لا تعنيها ولا علاقة لها بها، أن تستلب حتى من اسمها، فيصبح استعماله عند حجز موعد عند الطبيب أو أي شيء آخر مغامرة غير محسوبة بالنسبة لها.

في عام 2020 مع ارتفاع مد الجائحة التي اجتاحت العالم، ارتفع مد شهرة سالي، خصوصًا بعد عرض مسلسل "أناس عاديون" المقتبس عن روايتها

بدأت سالي كتابة روايتها الجديدة "أيها العالم الجميل أين أنت" قبل صدور روايتها الثانية واستفادت من زمالة الكتابة التي منحتها لها مكتبة نيويورك لتطلع على العديد من الكتب والمصادر التي تتناول نظرية النقد الأدبي. أتاحت لها هذه الفرصة إعادة التفكير في شخصياتها وعوالمها. فروايتاها المبكرتان اللتان كتبتهما في بواكير عشرينياتها قد انسكبا منها كإلهام غير مقيد. لم تعرف مفاهيم الصوت الروائي والبطل، بل كان الأمر فطريًا كأن هذه الأسئلة أجابت نفسها بنفسها أثناء الكتابة على حد قولها. هذا الاطلاع المعرفي الجديد راكم عليها ضغوطًا فوق ضغوط الشهرة أثناء كتابتها لروايتها الجديدة، حتى أنها تساءلت عن الكيفية التي أتمت بها الروايتين السابقتين. كما لو أنها تكتب للمرة الأولى.

اقرأ/ي أيضًا: أدب من هذه الأرض

منتصف عام 2020، شدّت سالي رحالها عائدة من نيويورك إلى موطنها، تنازعها نفسها إلى الكتابة ثم إعادة الكتابة، جربت أكثر من تقنية في الكتابة الروائية وأكثر من صوت. صوت الراوي العليم أو منظور البطل وحتى الصوت الرسائلي، لكن لم تنجح أي واحدة منها في إخراج الرواية على النحو الذي تريده. بدا لها الفرق بين تجاربها في الكتابة كالفرق بين الطفل الذي تعلم المشي لتوه فهو يخطو على غير هدى ولا إدراك لكيفية فعله ذاك وبين الراشد الذي يراجع ويدقق في حركات مفاصله وعضلاته وهو يضع قدمًا أمام الأخرى.

في تلك المحنة الأدبية توقفت سالي لتسأل نفسها، ما هي الرواية؟ وما جوهرها؟ ما الذي يعنيه أن تجعل شغلك الشاغل تأليف الشخصيات الخيالية واختلاق العلاقات فيما بينها؟ بحسب الكاتب ميتشيل جاكسون الفائز بجائزة بوليتزر والذي زاملها في منحة مكتبة نيويورك العامة، كانت سالي الأكثر انضباطًا بين المشاركين، كانت تلج إلى مكتبها كل صباح فتغلق الباب والستائر وتمضي نهارها في القراءة. كان البحث هو طريقها للتعامل مع السؤال الملح: لماذا تكتب بالأساس؟ بالنسبة لها كان جوهر الكتابة الروائية مرتبط ارتباطًا وثيقًا بجوهر الحياة نفسها، والقراءة والبحث كانا سبيلًا لسبر أغوار هذا الجوهر.

تتعجب سالي من توصيفها بأنها كاتبة جيل سناب شات، فلم تستعمل أي من شخصياتها وسائل التواصل الاجتماعي على الإطلاق، والحوارات فيما بينها كما وصفتها مجلة النيويوركر أشبه بسجالات ثقافية بين طلاب الجامعة لا يخوضونها إلا لأنهم قادرون على ذلك. في رواياتها الجديدة بدا هذا النسق جليًا في رسائل البريد الإلكتروني التي تتبادلها أليس مع أيلين والتي يناقشان فيها حضارة العصر البرونزي والأطفال والدين المؤسسي وأعمال الرسام الفرنسي إدوارد مانيه. يشعر المرء أن الرسائل المطولة هو نمط التعبير المفضل لدى سالي، على خلاف الأنماط الشائعة في وسائل التواصل الاجتماعي.

بالنسبة لسالي روني، جوهر الكتابة الروائية مرتبط ارتباطًا وثيقًا بجوهر الحياة نفسها، والقراءة والبحث كانا سبيلًا لسبر أغوار هذا الجوهر

اقرأ/ي أيضًا:  الفصل الأول من رواية "زمن عصيب" لماريو بارغاس يوسا

تتبادل سالي مع أصدقائها المقربين محادثات حول التغير المناخي وغياب العدالة الاقتصادية والتفاصيل العاطفية لأصدقائها في محادثة واحدة. بالنسبة إلى سالي لا تنفصل المواضيع الشخصية والحميمية كثيرًا عن المواضيع الأيديولوجية والفكرية. فأنت لا تستطيع فهم العلاقة بين أليس وفيلكس وأيلين وسيمون في روايتها دون أن تفهم موقعهم في النظام الاجتماعي. لهذا تعرف سالي الكثير عن أزمة الإسكان في دابلن على سبيل المثال، لأن شخصياتها يجب أن تعيش في مكان ما ويكون لها منزل. برأيها لا يجب أن تكون بارعًا في محاولتك لتغيير العالم، يكفي أن تحاول. لذلك كتبت رواية لا تحاول تبرير ذاتها فحسب بل تحاول تبرير الكتابة الروائية في حد ذاتها.

تقول سالي "أريد أن أعيش في ثقافة يبدع الناس فيها الفن حتى لو كانت كل الأشياء تتداعى. هذا ما يمنح للحياة معناها". لأنه عند نهاية العالم حين لا يتبقى لنا سوى بعضنا البعض، ستحركنا الرواية رغم كل شيء.

 

اقرأ/ي أيضًا:

جوناثان غوتشل: كيف تجعل منا الحكايات بشرًا؟