20-يناير-2023
الفيلسوف الإيرانيّ داريوش شايغان

الفيلسوف الإيرانيّ داريوش شايغان (1935-2018)

تعدّ الحركة الفلسفيّة الإيرانيّة منبعًا فكريًّا لعديد من الدّراسات في حقول الفلسفة، وذلك في حدود مدارسات فلسفيّة أقرب ما تكون مدارسات صوفيّة بعيدًا عن النظريّة الفلسفيّة، نذكر على سبيل المثال، المدرسة الإشراقيّة التي نظّر لها شهاب الدّين السهرورديّ في القرن الثاني عشر للميلاد، والمدرسة المتعاليّة التي أسس لها صدر الدّين الشيرازيّ في القرن السّابع عشر للميلاد. وما كانت تلك المدارس لتظهر لولا وجود جذور فكريّة أسست لمراحل دراسيّة تتعلق في الحقيقة الوجوديّة ساعد في ظهورها الدّراسات الاستشراقيّة.

الدّين منطلقُ دراسات شايغان، إذ دَرَس الأديان الشرقيّة وفق نظرة أركيولوجيّة، أيّ البحث في التاريخ الجذريّ لبناء الأديان، وإحداث مقاربات في الأديان الشرقيّة الوضعيّة

من هنا ظهر بعض المفكرين من إيران بمرجعيّة استشراقيّة ليؤسسوا لظاهرة فلسفيّة حديثة يكون منبعها الشّرق، فكان الفيلسوف الإيرانيّ داريوش شايغان (1935-2018) أحد الفلاسفة الذين حاولوا إخراج الفلسفة الشرقيّة بشكل كليّ إلى العالم الغربيّ، من خلال وجهة نظر شرقيّة لا وجهة نظر غربيّة، وإن كانت المناهج الغربية شكّلت عنوان هذه الأبحاث.   

ولد شايغان في طهران من عائلة موسوعيّة الثقافة، وذلك لتشعّب القوميّات التي كانت في عائلته؛ فوالده رجل أعمال أذربيجاني شيعيّ ناطق بالفارسيّة، ووالدته جورجيّة قوقازيّة روسيّة، هذا التنوّع الفكريّ لا يعني حصر الثقافة في بوتقة واحدة، لكن يعني تنوّع الروافد الفكريّة التي يمكن أن يؤسس لها فكر شايغان.

من أعمدة المعرفة التي ساعدت في بناء تكامليّ لموسوعيّة شايغان كانت حلقة مدارسة تسمّى: حلقة أصحاب التأويل، تلك الحلقة الّتي جمعت بين عالِم الدّين الإيرانيّ السيّد محمد حسين الطباطبائيّ (1904-1981) والمفكّر الفرنسي هنري كوربان (1903-1973) إذ شكلت هذه الحلقة ظاهرة معرفيّة، خاصّة أنّ حلقة أصحاب التأويل كانت تتدارس القضايا الفلسفيّة، والصوفيّة، والوجوديّة وفق تاريخ الأديان والأساطير الشرقيّة والغربيّة. كثيرة هي الرّوافد والنتاجات لأفكار شايغان، في هذا المقال نقدّم خلاصة ليست عموميّة لأفكار شايغان في حقول: الدّين، والذاكرة، والهُويّة.

الدّين منطلقُ دراسات شايغان، إذ دَرَس الأديان الشرقيّة وفق نظرة أركيولوجيّة، أيّ البحث في التاريخ الجذريّ لبناء الأديان، وإحداث مقاربات في الأديان الشرقيّة الوضعيّة (الهند، الصّين، إيران) وقد توصّل إلى مقاربة فعليّة ما بين الهنديّة والإيرانيّة، وذلك في حدود التشابه بين الديانتين في كثير من الآلهة، وأيضًا التشابه في اللغة. كذلك أضاف شايغان ما يسمّى القراءة العرفانيّة في الجمع بين الأديان، وهنا يمكن الحديث عن المقاربات الصوفيّة التي كانت في الموروثين: الإسلامي والمسيحيّ؛ فنجد الثقافة الصوفيّة التي قدّمها ابن عربيّ ضمن فلسفته، كذلك الثقافة الصّوفيّة الّتي قدّمها الفيلسوف الديني مايستر إكاهرت (1260 - 1328) وكانت خلاصة هذه الأفكار أنّ الإله لا يُدرَك بعوالم الحواسّ، أو العقل، هناك قوّة غيبيّة يُدرك بها الإله. ومن هذا التكوين والتقارب العرفانيّ نجد شايغان يبحث عن تناغم معرفيّ ما بين الأديان السماويّة (الإسلام، المسيحية، اليهودية) والوضعيّة (الهندوسيّةـ الزارداشتيّة).

أمّا الذاكرة فقد نظّر لها شايغان وفق تفنيد مقولة الفيلسوف فرانسيس بيكون أي ما يسمى مكافحة الذّاكرة في مقالته المشهورة أصنام الذاكرة: "أصنام القبيلة، والكهف، والسّوق، والمسرح"، وهذه هي المعتقدات التي تشكّل التراث حيث طالب بيكون بإحلال المعرفة العلميّة المختصّة مكان الذّاكرة القوميّة. كان ردّ شايغان من خلال دراسة أركيولوجية حيث فصّل بأنّ "الماهيانا البوذية" تسمّي الذاكرة بمخزن الوعي، والأساطير الهندوسيّة تشير إلى بيضة ذهبيّة تتفتح على المياه الأولى. وكانت آلهة الذاكرة في الأساطير اليونانيّة تسمّى: مني موسيني، وهي أمّ الملائكة الملهمة، ولها معرفة بالحاضر والمستقبل. ولكن في الثقافة الإسلاميّة استطاع شايغان تقدّيم فسلفة روحيّة لمصطلح الذاكرة وفق مفهوم الأمانة، استطاع أن يوافق بين الذاكرة والأمانة؛ والتي جاء ذكرها في القرآن الكريم: "إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولًا". وكانت خلاصة هذه الأفكار أنّ الإنسان من منظور العرفان الإسلاميّ، لا يقع في أفق التاريخ، إنّ تحديد إنسانيته هي في تذكّر الله تعالى والسعي نحو عبادته بمفهوم متعالٍ، لذلك كانت الأمانة ثقيلة في تذكر الله الدائم عبر الزمن، وقد استشهد شايغان بقول نجم الدين الرازيّ حول ديمومة لفظة: لا إله إلّا الله، إذ يقول الرّازي: ينفي بـ"لا إله" ما سوى الحقّ، ويثبت بـ"إلّا الله" حضرة العزة.

خلاصة قول شايغان بالنسبة للهُويّات: على الرغم من خطورة التطهير العرقيّ، وما يواجهه التمازج من صدود ومقاومة، فإنّ العالم سائر لا محالة نحو التمازج

يمكن القول أنّ خلاصة شايغان للذاكرة  تكمن في الآتي: الموروث الدينيّ الإسلامي صاحبُ ذاكرة أزليّة، وهذه الذاكرة أمانة ربّانية لا يمكن للإنسان فصلها أو التخلّي عنها.

أمّا الهُويّة فقد كانت شاقّة عند شايغان لذلك اصطلح على تسميتها: الهُويّة أربعين قطعة، وهي مركبة منسوجة من شبكة من الترابطات الدقيقة، وكأنّها ثوب يُخاط من أربعين قطعة من قماش ذي ألف لون. لعلّ هذا التشبيه مفاده عمق فلسفة الحضور، خصوصًا، ارتباط شايغان بالغرب المباشر؛ فقد وضح مقولة فيرجيل الشهيرة: الوحدة تأتي من الكثرة، وكيف كانت أمريكا في نشأتها الأولى تخوض صراع الهويات فكانت فعلًا هويتها ووحدتها من الكثرة. أضاف شايغان بأنّ الثقافات مهما كانت خليقة بالاحترام، فإنّها لا تنحصر ببعدها القوميّ، وإنّما تعبّر عن المستويات المتعددة للوعي والتاريخ الإنسانيّ. وأنّ فرضية الوحدة تأتي من الكثرة قد لا تتجاوز حدود القول؛ فالكثرة تعني هُويّة نقيّة رتيبة دون فائدة، أو قد تكون هويّة فريدة خاوية. إنّ هذه الهُويّات وفق فلسفة شايغان لم تعد تلبّي حاجة واقعنا الفرديّ المعاصر، الذي غدا معقّدًا مركّبًا.

خلاصة قول شايغان بالنسبة للهُويّات: على الرغم من خطورة التطهير العرقيّ، وما يواجهه التمازج من صدود ومقاومة، فإنّ العالم سائر لا محالة نحو التمازج، الظّاهرة التي تشكّل مصير الكوكب الأرضي، وتدل بلا جدال على شكل مرقّع ينتظره عالم الغد.