05-أكتوبر-2018

من عرض راشيل كوري (التراصوت)

على خشبة "مسرح المدينة" في العاصمة اللبنانية بيروت، انطلقت مساء الخميس 4 تشرين الأول/أكتوبر، فعاليات الدورة الأولى من مهرجان المسرح الأوربي في لبنان الذي يتشارك في تنظيمه كلّ من "مسرح المدينة" و"بعثة الاتحاد الأوروبي في لبنان"، ويستمرّ حتّى 30 من الشهر الجاري. المهرجان الذي يموّله الاتحاد الأوروبي، يستضيف في نسخته هذه عروض مسرحية من 6 دول أوروبية، هي الدنمارك وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وإسبانيا، والمملكة المتّحدة.

يحتفي مهرجان المسرح الأوروبي في لبنان بالناشطة الراحلة راشيل كوري مسلطًا البصر على تجربتها النضالية في فلسطين

باكورة عروض المهرجان كانت مسرحية "اسمي راشيل كوري". المسرحية التي سوف تعرض اليوم أيضًا، تستعيد سيرة الناشطة الأمريكية راشيل كوري التي قضت نحبها تحت جرّافة إسرائيلية سنة 2003، أثناء محاولتها منع الجرّافات من تدمير المنازل في قطّاع غزّة. 

اقرأ/ي أيضًا: هل ثمة "مسرح احتجاجي" عربي؟

بدأت المسرحية تُعرض في المسارح العالمية منذ ما يزيد عن ثلاثة عشر عامًا تقريبًا. وينهض جزء كبير منها على رسائل كوري الإلكترونية ويوميّاتها التي دوِّنت معظمها في فلسطين المحتلّة. الرسائل واليوميات كان ألان ريكمان وكاثرين فاينر قد جمعاها وحرَّراها معًا ضمن كتاب/نصّ مسرحي حملت المسرحية عنوانه أيضًا. ويكمن الهدف الرئيس من هذه المسرحية هو إلقاء الضوء على حياة الناشطة الراحلة، بحيث يتكوّن عند الجمهور صورة عن الحياة التي عاشتها راشيل كوري في فلسطين المحتلّة، وتتبلور عنده الأسباب التي دفعت بها للوقوف في وجه إسرائيل الاستعمارية هناك.

إلى جانب راشيل كوري، سيكون هناك مناضل من نوعٍ آخر حاضرًا أيضًا على خشبة مسرح المدينة، وهو الشاعر والكاتب المسرحي فيديريكو غارسيا لوركا. "البحر يموت أيضًا"، هو عنوان مسرحية المخرج أنطوان الأشقر التي تستعيد الساعة الأخيرة من حياة لوركا المولود في غرناطة في الجنوب الإسباني. والذي أعدمته قوات الجنرال فرانكو رميًا بالرصاص في التاسع عشر من آب/أغسطس سنة 1936. 

ملصق المهرجان

المسرحية التي سوف تعرض في الـ 25 والـ 26 من الشهر الجاري، تحمل في بنيتها وأساسها أجواءً من عدّة مسرحيات للشاعر الراحل، وهي: "بيت بيرناردا ألبا"، و"يرما"، و"عرس الدم"، و"ماريانا بينيدا". وتستعيد، من خلال شريطٍ من الذكريات الذي يتسّرب فجأة من ذاكرة لوركا قبل دقائق قليلة من إعدامه، أبرز محطّات حياة هذا الرجل وتحوّلاتها المتعدّدة. وبالتالي، ما سوف يعرض على خشبة المسرح يُمكن وصفه بالسيرة التي تنهض لا على تفاصيل حياة لوركا اليومية، وإنّما على العوامل التي كانت سببًا في تحوّلاتها المستمرّة.

ولأنّ ما حدث في الماضي يتقاطع، بصورةٍ شبه كاملة، مع ما حدث ويحدث في الوقت الراهن، فإنّ استعادة الشاعر والكاتب المسرحي الإسبانيّ فيديريكو غارسيا لوركا في بيروت الآن، في الوقت الذي تعيش فيه المنطقة من حولها حروبًا واسعة، تدفع المشاهد للتفكير دون شك بأن شخصية لوركا وخصائصها ومصيرها، من الممكن أن تتقاطع مع شخصية ما عربية لاقت المصير نفسه، للأسباب نفسها أيضًا، وهي الوقوف في وجه الأنظمة الدكتاتورية. لذا، تصير هذه الاستعادة، بشكلٍ مباشر أو موارب، وبقصدٍ أو من دون قصد، حمّالةً لرسائل ودلائل وتأويلاتٍ مختلفة، تُشير جميعها نحو الدكتاتوريات العربية وضحاياها من المثقّفين وغير المثقّفين أيضًا. 

اقرأ/ي أيضًا: دحو فرّوج: لنحرّرْ مسرح الطفل من سذاجتنا

موضوع الهجرة واللجوء هو الآخر بات ملازمًا للمهرجانات والفعاليّات العالمية والعربية معًا. وبناءً على ذلك، أفرد "مهرجان المسرح الأوروبي" في دورته الأولى مساحة لهُ، حيث يستضيف مسرح المدينة في الثامن والتاسع من الشهر الجاري عرضًا مسرحيًا تحت عنوان "غريب"، يقدّمه لاجئان أفغانيان في الدنمارك، ويسردان فيه تفاصيل حكايتهما كلاجئين هناك. بصير خورامي ومانيلا غفوري القادمان من البلاد نفسها، لا تسير حياتهما وفق نمطٍ أو نسقٍ واحد ومتشابه. فالبصير تجربته المختلفة تمامًا عن تجربة مانيلا التي تسرد سيرتها بلغةٍ أقرب ما تكون إلى الشاعرية. ومن خلال هذا الاختلاف في كلتا التجربتين، تسعى المخرجة نزيهة كليمينكو إلى الكشف عن نماذج مختلفة من معاناة اللاجئين في الدول الأوربية، دون أن يكون الأمر محصورًا باللاجئين الأفغان فقط. 

يحضر كافكا ولوركا رفقة راشيل كوري وقضايا اللجوء في مهرجان المسرح الأوروبي في بيروت وسط تنوع سيناريوهات يغني خشبة مسرح المدينة على مدار شهر

في الثاني والثالث عشر من الشهر الجاري أيضًا، يعرض المهرجان مسرحية "المسخ بعد فرانز كافكا"، وهي مأخوذة من رواية كافكا الشهيرة "المسخ"، مع إجراء بعض التعديلات، كتغيير المكان والزمان، إذ إن غريغور سامسا هنا، الكائن الذي تحوّل إلى حشرة ضخمة، عالق في غرفته في لبنان، وليس في المكان الذي دارت فيه أحداث الرواية. ولا يتوقّف العمل عند هذا الحد، بل يذهب أبعد من ذلك، حيث يتيح للشبّان والشابّات اللبنانيين والفلسطينيين والسوريين الحديث عن واقع الحياة المرير الذي يعيشونه، ذلك أنّ أجواء المسرحية التي أخرجتها لمى الأمين وفيكتوريا لوبتن، تتقاطع مع الأجواء البائسة والسوداوية التي يختبرونها يوميًا.

إلى جانب الأعمال التي ذُكرت أعلاه، يستضيف المهرجان مسرحية "أصوات في الظلام" الذي تؤدّيه "مجموعة كهربا" في الرابع والخامس عشر من الجاري. تليها مسرحية "مش من زمان" للبنانية نضال الأشقر، على أن يكون اختتام المهرجان بعرض مسرحية "خادم السيدين" للإيطالي غيليو فانزان واللبناني جو قديح.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

"مسرح القوس" في الجزائر.. الأسرة البديلة

مونولوج أليساندرو باريكّو.. مسرح البحر مواجهًا يابسة الرواية