مونولوج أليساندرو باريكّو.. مسرح البحر مواجهًا يابسة الرواية

مونولوج أليساندرو باريكّو.. مسرح البحر مواجهًا يابسة الرواية

أليساندرو باريكّو

في "1900: مونولوج عازف البيانو في المحيط" الصادر مؤخرًا عن منشورات المتوسّط ترجمة معاوية عبد المجيد، للكاتب والروائي الإيطاليّ أليساندرو باريكّو، لا يبدو واضحًا ما إذا كنّا أمام نصٍّ مسرحيّ أم روائيّ. إذ أشار الكاتب في الصفحات الأولى من الكتاب إلى حقيقة أنّ النص يتأرجح بين أن يكون مسرحية، وقصّة تُقرأ بصوت مرتفع. ومن الممكن القول أيضًا إنّ النصّ يبدو رواية كُتبت بصيغة مسرحية. أو ربّما مسرحية مموهة في قالب روائي أيضًا. ولكنّ ما هو متّفق عليه، أنّ أليساندرو باريكّو قدّم نصًّا مُبهرًا، إن كان ذلك لجهة الحكاية أو تقنيات السرد. فالقصّة التي يسردها عازف بوق اختار الوقوف في الظلّ لئلا يتطفّل على الحكاية وأحداثها، تمامًا كما لو أنّه يكتب ما يصغي إليه، أو ما يراه مباشرةً، هي قصّة غريبة لعازف بيانو يُقال إنّه الأعظم على الإطلاق. 

عبر جملة السرد المفتوح على احتمالات تبدو قابلة للتنبؤ ضمن دوائر مغلقة، يقدم أليساندرو باريكّو حكاية الإنسان ملامسًا حدود الاغتراب والبطولة الإشكالية 

تدفع غرابة القصّة هذه إلى التوقف أمام صدماتٍ متعدِّدة، عند الحياة الشخصية لبطل العمل، لداني بوودمان ت. د ليمون ألف وتسعمئة، كمحاولةٍ لفهم سلوكه الذي يميل ميلًا شديدًا إلى الغرابة المُفزعة. وأيضًا، للبحث عن تفسيراتٍ مُقنعة لقدرته على الإقامة لأكثر من ثلاثين عامًا على ظهر سفينةٍ تشقُّ المحيط ذهابًا وإيابًا، دون أن تطأ أقدامه اليابسة ولو لمرّةٍ واحدة.

اقرأ/ي أيضًا: مسرح مصر.. "أي كفتة في أي بتنجان"!

وأوّل ما يتبدّى واضحًا أنّ هذه الشخصية التي تظهر، بشكلٍ ما، حيادية وغير معنية بما يحدث حولها، خارج السفينة أو داخلها، هي شخصية مُركّبة من مجموعة أحداثٍ مُرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالأسى، ومن الممكن اختزالها في ثلاثة أحداثٍ رئيسية، تبدأ بالحدث الأوّل المؤسِّس بطبيعة الحال للأحداث التي تلتهُ، وهو تخلّي والديّ ألف وتسعمائة عنهُ، ووضعه في صالةٍ للرقص طمعًا بثريٍّ يقلب قدر الطفل الصغير، ويمنحهُ حياةً كريمة مختلفة عن حياتِهما. أمّا الحدث الثاني، فجاء على عكس ما أراد الوالدين لطفلهما، حيث إنّ من عثر عليه كان بحّارًا عجوزًا تفصل مسافة بعيدة جدًا بينه وبين الثراء. البحّار العجوز منح الطفل اسمه أوّلًا "داني بوودمان" قبل أن يُضيف إليه ما كان مكتوبًا على العلبة الكرتونية التي كانت تحتضن الطفل "ت. د ليمون"، وأخيرًا، يضيف إليهما الرقم "ألف وتسعمئة" كدلالة على أنّ الطفل ولد في اليوم الأول من القرن الجديد. أمّا الحدث الأخير الذي سوف نظلّ نتتبع أثره حتّى نهاية المسرحية/ الرواية، فهو وفاة البحّار.

غلاف النص

هنا، يصيرُ لكلّ حدثٍ من هذه الأحداث تركة أو حصّة نفسية تظلُّ تحفر عميقًا في شخصية عازف البيانو الشهير، وتُساهم في تكوينها أيضًا. فنراهُ، أي داني بوودمان، يعيشُ وحدة مختلفة من نوعها، لها من الصفات ما يُميزها عن الوحدة بمعناها السائد. وهذه الوحدة ذاتها، لا تحضر في حياته كنتيجةٍ لأيّ حدثٍ كان، ولا كردّة فعلٍ على أمر ما أيضًا، وإنّما كنمط حياة يجد ألف وتسعمائة نفسه فيها، ويصون خصوصيتها من خلالها أيضًا. ويُمكن القول إنّ العزف على البيانو ضمن الفرقة الموسيقية للسفينة أو خارجها، هو النشاط الاجتماعي الوحيد الذي يُمارسه بطل العمل.

هكذا، يظهر داني بوودمان ت. د ليمون ألف وتسعمئة للقارئ شخصًا صامتًا لا يفتح فمه للحديث إلّا فيما ندر. وإن فعل ذلك، فإنّه لا يتفوّه إلّا بأشياء غريبة تُلفت الانتباه. ناهيك عن أنّه يبدو خاليًا من أي تشوهات أو انكسارات أو إخفاقات بفعل لا مبالاته وثباته في مكانٍ واحد؛ بأفعالٍ غريبة لا تنتهي عند عزفه على البيانو في الوقت الذي تضرب فيه عاصفة قوية السفينة التي بدأت تتخبّط وسط المحيط، مُعتبرًا أنّ ما يحدث، أي العاصفة وتأرجح السفينة، شكلًا جديدًا من أشكال الرقص. بالإضافة إلى قدرته الدقيقة على وصف أمكنة لم يسبق له وأن زارها، وروائح لم يشتمّها قبلًا. يفعل ذلك مُستندًا إلى ما يُقصّه ركّاب السفينة على مسامعه من حكاياتٍ عن مدن وأمكنة مختلفة، مُقتنعًا بفكرة أنّ العالم بأكمله يصل إليه على ظهر السفينة، دون أن يكون هو مضطّرًا للتجوّل فيه واستكشافه.

اشتغل أليساندرو باريكو على قالب سردي  يمسرح البحر ويقف على تخوم يابسة الرواية

ولكنّ امتناعه عن النزول إلى اليابسة، يظلّ أشد أفعاله غرابة على الإطلاق. ومن الممكن ردّ هذا الامتناع والخوف منها، أي اليابسة، إلى محاولات داني بوودمان تفادي واقع أن يصير يتيمًا مجدّدًا إن غادر السفينة، بعد أن سبق وأن اختبر هذا الشعور حين توفّي البحّار العجوز الذي رعاهُ في صغره. وبالتالي، فإنّ ما يخشاه ألف وتسعمئة هو أن يفقد نفسه التي تماهت بصورةٍ كاملة مع السفينة؛ أن يصير فجأةً خاسرًا لما دَرجَ دومًا على إدراكه، ومعزولًا، بشكلٍ أو بآخر، عن ذاته التي لن ينتبه إلى وجودها، حيث إنّ الشرط الذي يجعله منتبهًا لذلك، أي السفينة، لم يعد موجودًا. هذا ما يُفسّر أيضًا رفضه مغادرة السفينة بعد أن خرجت من الخدمة بسبب الحرب، ومُلئت بالمتفجّرات للتخلّص منها، مُفضّلًا الموت فيها على الحياة خارجها، حياةً ستكون ناقصةً دون شكّ.

إذًا، وعبر جملة السرد المفتوح على احتمالات تبدو قابلة للتنبؤ ضمن دوائر مغلقة، يقدم أليساندرو باريكّو حكاية الإنسان ملامسًا حدود الاغتراب والبطولة الإشكالية بقالب يمسرح البحر ويقف على تخوم يابسة الرواية. ليسقط أبطاله في عالم مشبع بالخراب حالمين بقلبه قبل أن يحيلهم اغترابهم كائنات ميالة للانسحاب بأقل ضجيج ممكن. 
 

اقرأ/ي أيضًا: 

"مسرح القوس" في الجزائر.. الأسرة البديلة

دحو فرّوج: لنحرّرْ مسرح الطفل من سذاجتنا