هل ثمة

هل ثمة "مسرح احتجاجي" عربي؟

من العرض (الترا صوت)

تعتبر تجربة المناضل والكاتب المسرحي أثول أفوجارد تجربة طليعية في المسرح "العظيم"، عندما أوعز للممثلين أن يكونوا وعّاظًا بدلًا من أن يكونوا ممثلين فقط في عهد "الأبارتهايد"/الفصل العنصري، الذي عاشته جنوب أفريقيا، منتصف القرن العشرين. 

استمد المثقف والراديكالي أفوجارد جُلّ أعماله المسرحية من واقعه المعاش في ظل نظام الفصل العنصري

ولد أفوجارد، أبيض البشرة، في جنوب أفريقيا لعائلة إنجليزية وتربى بين السود، وشهد ممارسات البيض العنصرية ضد أهل البلد، فوقف بقوة مع مطالب السود من خلال انخراطه في الحركة النضالية والثقافية التي شهدتها جنوب أفريقيا عند بزوغ أمثال نيلسون مانديلا وقادة "حزب المؤتمر الوطني الأفريقي"، ورائد الحركة الطلابية وميثاق الشعب الأسود ستيفن بايكو، كما عاش أحداث ثورة الطلاب في حي "السويتو" سنة 1976 التي تحولت جميعها إلى بيئة خصبة لبلورة تجربة أفوجارد في المسرح "الاحتجاجي". 

المسرح "الاحتجاجي" مسمى أطلقته الروائية الأمريكية ماري روبنسون على مجمل أعمال أفوجارد التي أسّسها في زمن القهر الذي عاشه السود بجنوب أفريقيا، إلى جانب مسميين آخرين هما "العاري" و"العظيم". 

بدون شك، استمد المثقف والراديكالي أفوجارد جُلّ أعماله من واقعه المعاش، واقع تعذيب النساء الحوامل حتى الإجهاض مثل ما جاء في باكورة أعماله "الزنزانة" (1957) التي تحدثت عن امرأة سوداء لم تكن تحمل بطاقة المرور واعتقلتها الشرطة وأهانتها وعذبتها حد الإجهاض. 

ثم توالت أعماله ومنها "رباط الدم"، "المعطف"، "الحقيبة"، "أغنية الوادي"، وفي 1988 كتب "أطفالي لي، إفريقيا لي"، كما كتب "الجزيرة" (ترجمها إلى العربية الناقد المسرحي السوادني أحمد طه أنثريب) يقص فيها حكاية شخصيتين هما جون وربنسون يمزقان بطاقات هويتهما احتجاجًا على النظام العنصري، فيتم اعتقالهما وزجهما في زنزانة على جزيرة بعيدة، ويتداخل فيها مسرح داخل مسرح عندما تقوم الشخصيتان بأداء مسرحية أنتيغونا وكريون الأسطورية.
 
اتسمت أعمال أفوجارد بخطاب غير مباشر، بعد أن اعتمد على التغذية المرتدة من الجمهور في مسرحه التفاعلي، ثم راح يعمل على بناء النص في مختبر مسرحي مع الممثلين يمتد إلى ستين أسبوعًا أحيانًا، فتخرج أعماله ببعدين، بعد ملحمي وآخر تعليمي، وينصرف فيه الممثلون إلى تقديم الوعظ للجمهور في الوقت الذي لم يكن فيه أفوجارد قادرًا على الاصطدام مباشرة مع الأبيض العنصري، بل كان يحتج ويجعل الناس يحتجون بشكل متماه في نصوص مسرحياته.

على خشبة مسرح مدينة دبا الحصن في الإمارات، وخلال فعاليات مهرجان "دبا الحصن للمسرح الثنائي" شاهدنا مسرحية "الجزيرة" من جديد بعد أن قدمتها فرقة جمعية "دبا الحصن" للمخرج السوادني أنس عبد الله الذي توجه مباشرة إلى فصل المحاكمة في النص، مشذبًا إياه من "ثرثرة" أفوجارد وقولبه في (45) دقيقة على المسرح، فجعلنا نشاهد عرضًا مكثفًا وزاخرًا بالحماسية والجرأة في تقديم مسرحية "عارية" بطرح شبابي جديد، وفي بيئة جديدة ومختلفة إن صح التعبير. 

يقول المخرج المسرحي رشيد عيسى لـ"الترا صوت" في قراءة جديدة لهذا العمل وكيفية تناوله إن: "تناول المخرج للنص جاء بعد أن لامس مشاعره، ووجد أن بإمكانه أن يقدم وجهة نظر مختلفة وعدل النص ليعبر عنها، وأخذه مباشرة إلى مشهد المحاكمة متخليًا عن تفاصيل أخرى لصالح الوصول إلى إيقاع معين تصل فيه الفكرة مباشرة"، وتابع: "هناك تداعيات في النص، والمخرج عبد الله أفلح في تقديم رؤية لم تدع الجمهور يملّ من العرض عبر استخدامه للمسرح كاملًا، إضافة إلى إتقانه للإضاءة والتمثيل ولو نتمنى أن يكون أفضل، ولكنها محاولة شبابية رسخت حضورها". 

كم أنجزنا على صعيد "المسرح الاحتجاجي"؟ وكيف يمكن الانشغال بمسرحة قضايانا بدلًا من شرذمتها سياسيًا؟!

وأشار عيسى إلى الدلالات التي حملتها "ملحمة أنتيغونا البشرية وصراعها ضد الآلهة كريون، تلك الأسطورة أسقطها المؤلف على جون وونستون المسجونين في الجزيرة، مطالبين بإحلال العدل وإعطائهم حقوقهم وحريتهم، موجهًا من خلالها رسائل ذات عمق للجمهور الجنوب أفريقي حينها". 

ومن باب استجلاب مسرح جديد للجمهور وتقديم نصوص مختلفة، اختار المخرج الشاب عبد الله لـ"الجزيرة" بعدما استشعر أبعادًا إنسانية حملها النص، يقول "لامسني النص في زاوية أنني من السود، ولا زلنا نشهد تمييزًا ضد السود في مختلف المجتمعات، إضافة إلى الشاعرية والمعاني الإنسانية التي حملها النص". 

لعب عبد الله جيدًا على تقنيات الإضاءة والديكور والملابس ليوحي بأجواء حقيقية تعيشها الشخصيتان جون وربنسون، مع موسيقى تصويرية صاحبت عدة مشاهد بطريقة عرضتها للانتقاد من المناقشين للعرض، ولكن ديكور المحجر على أساس أن الشخصيتين تعملان في محجر، إضافة للإضاءة ساعدتا في تخفيف من تلك الانتقادات. علاوة على ذلك، فإن سيناريو مسرحية ثنائية تعتبر بالنسبة للمخرج: "عملية صعبة، حيث تحتاج الثنائيات لملء الفراغ بالمسرح على الدوام واستغلال مساحاته"، إضافة إلى "صعوبة تكوين الممثلين في المسرح الثنائي". 

يضعنا عرض "الجزيرة" أمام التساؤل عن مدى نضج هذا النوع من المسرح على مستوى العالم العربي التي تعيش صراعات وأزمات، ومدى التزام القاعات المسرحية بجمهور الاحتجاج، إضافة إلى حجم تطور الخطاب المسرحي الاحتجاجي، وكم أنجز وحصد المسرح العربي على هذا الصعيد، وكيف يمكن الانشغال بمسرحة قضايانا بدلًا من شرذمتها سياسيًا؟!

اقرأ/ي أيضًا:

طنجة للفيلم القصير.. المتوسط بلا مونتاج

عثمان سلّامي.. الجسد كلمة السرّ