23-أغسطس-2023
خوان فينيكس وبوسترات أفلامه (الترا صوت)

خوان فينيكس وبوسترات أفلامه (الترا صوت)

على الرغم من أن سيرته المهنية كانت حافلة وزاخرة بالإنجازات الكبيرة في وقت مبكر، ومع أنه لفت أنظار المختصين والنقاد إلى أدائه الاستثنائي المشوب بالغرائبية والاضطراب، إلا أن الاهتمام الجماهيري بهذا الممثل ازداد باضطراد ملحوظ بعد لعبه لشخصية الجوكر في الفيلم الذي يحمل الاسم نفسه. وهي شخصية تُعد امتحانًا مهمًا يُميّز الممثل المتمكن عن الممثل العبقري، وسبيلًا مهمًا لأي ممثل كي يستعرض قدراته وأدواته بحرية شديدة بسبب التحدي الكبير الذي يمثّله لعب هذه الشخصية من قبل ممثلين كبار، أمثال جاك نيكلسون وهيث ليدغر اللذان صعّبا المهمة جدًا، ورفعا السقف عاليًا أمام أي مجالد جديد.

لم تكن شخصية الجوكر التي قدّمها خواكين فينيكس بانسيابية وبراعة شديدة تشكّل له هذا الهاجس، ولم تضعه تحت ضغط إثبات نفسه أمام من سبقوه إليها. كانت واحدة من شخصيات كثيرة لعبها بأسلوبه الخاص الغرائبي والمضطرب والقاتم. بل وربما كان من أقوى الأسماء المرشحة للعبها بسب تاريخه الحافل مع الشخصيات الغامضة ذات العوالم النفسية المتشابكة والسحيقة في عمقها. وسره الصغير يكمن في قدرته على الولوج في عقل الشخصية المكتوبة، يحتل عقلها ثم يترك نفسه وانفعالاته تنساب بفعل السيطرة المحكمة على لب الشخصية. كما يحاول فينيكس أن يجري تصنيفًا صارمًا وفق فهمه لعقلية الشخصية: ما لذي يمكنها أن تفعله، وما الذي لا يمكنها فعله؟ ما الذي ينتمي إليها، وما الذي يُفرض عليها في سياق سرد الحكاية؟

لا نستعرض في هذه المقالة أهم أفلام فينيكس فقط، بل نسلط الضوء أيضًا على أهم الشخصيات التي لعبها خلال مسيرته

لذلك يُعتبر خواكين فينيكس من الممثلين المجهدين وكثيري المتطلبات، ففي اللحظة التي يتمكّن فيها من عقل شخصيته، تعيش، تتورط وتتأزم بشكل يمنح حتى الحكاية قوة إضافية. لقد قاده هذا الجهد وهذه الأسلوبية الخاصة ليحتل المرتبة الـ12 من بين أعظم 25 ممثل في القرن الحادي والعشرين حسب النيويورك تايمز. ثلاثون فيلمًا وأزيد صنعت سيرة ممثل لم تحظ أسلوبيته بالدراسة والمتابعة اللازمة لتحليل الآليات والحيل التي يتبعها في تجسيد الشخصيات، فهو يجمع تقنيات متفرقة من مختلف مدارس فنون الأداء، من المعايشة العميقة، إلى التقنين الانفعالي، إلى الظرفية، وغيرها الكثير من التكنيكات التي تظهر بشكل متباين في شخصياته.

خواكين فينيكس ذو العينين الحزينتين، والتشوه الواضح في بنيته العظمية، وشفته المشقوقة، لم يسمح بأن تكون هذه المواصفات عائقًا أمام رحلته إلى النجومية، ولم تمنعه من لعب مختلف أنواع الشخصيات، العاشق ورجل العصابات، والكاهن. يتحدث فينيكس عن طريقته في الولوج إلى عقل شخصية الجوكر، إذ وجد أن اتّباع الحميات الصارمة لإنقاص الوزن، يترافق عادة باضطرابات نفسية سببها التجويع الواعي، ليقوم بتوظيف الآثار النفسية للتجويع، في بناء سلوك متحفز وغرائبي وعميق.

تناولت الصحافة خبر نيل فينيكس لأوسكار أفضل ممثل عن دوره في "الجوكر"، بطريقة أظهرت الأمر وكأنه تتويج نهائي لمسيرة فينيكس كممثل، بينما يرى الممثل الأمريكي أنه قدّم الكثير قبل الجوكر، وما يزال في جعبته الكثير بعده.

 وفي هذه المقالة، لن نستعرض أهم أفلام خوان فينيكس فقط، بل سنلط الضوء على أهم الشخصيات التي لعبها خلال مسيرته، ونُبيّن كيف أدت مراكمة التجارب المختلفة والنوعية إلى اختياره للعب دور الجوكر، الذي قدّمه بمستوى عالٍ من الفرادة والتحرر والثقة.


1- الريشات

يُقدّم فينكيس في هذا الفيلم أداءً ساحرًا بشخصية الكاهن. الفيلم هو معالجة أدبية ومسرحية لحياة الراوئي الفرنسي ماركيز دي ساد المؤسس لما عُرف بمنهج السادية، والذي شكّلت رواياته الجنسية الشبقة والمفرطة في إباحيتها، قلقًا وفوضى في المجتمع الفرنسي آنذاك.

ورغم أن الفيلم يُعتبر فيلم سيرة ذاتية، لكن استلهامه من مسرحيات دوغ رايت طبعه بصبغة فلسفية قدّم من خلالها قراءة حول الحريات الأدبية بروح نقدية، تسترجع الموقف المتشدد من السطوة الكنسية على الحياة الاجتماعية، ويظهر الرغبة في إعادة الاعتبار للمناضلين في سبيل الحرية الجنسية، وعدم تقييد الخيال الأدبي الإبداعي، والاحتفاء بإعادة تعريف الجسد وفك قيد المحرمات عنه كمقدمة وسبيل نحو الحرية الفكرية والتمكين للقيم المدنية.

يلعب فينيكس في الفيلم دور كاهن يتورط شيئًا فشيئًا بقراءة أدب ماركيز، ويقع فريسة لشهواته ويبدأ بفقدان إيمانه ثم وقع في حب الخادمة الجميلة كيت وينسلت بيأس يستفحل بتدرج إلى أن يُفقِده عقله ويفجع بموتها. وفي مشهد مهيب وصعب، يحاول مطارحتها الغرام على المذبح الكنسي.

الفيلم إنتاج أمريكي بريطاني ألماني مشترك، وهو من بطولة نجم أفلام قراصنة الكاريبي جيو راش، الذي قدّم بدوره واحدًا من أكثر أدواره السينمائية براعة وتعايشًا. أُنتج الفيلم عام 2000، وحظي بإشادات نقدية عالية المستوى، خاصة لناحية الأداء التمثيلي.



2- المجالد

يُعتبر فيلم "المجالد" من أكثر الإنتاجات الملحمية قوة في العقدين الماضيين، ويُعد أيضًا نقلة مختلفة ومميزة في طريقة ترجمة الحكايات التاريخية بطريقة مشوقة وممتعة، عبر إدخال تقنيات السيناريو الحديث في المعالجة التاريخية، والتحرر من عبء الموضوعة التاريخية، والاستفادة من المزايا الحديثة لتطور الفنون البصرية.

تكمن واحدة من مظاهر هذا التطور في معالجة القصص التاريخية، في تبني المزيد من الحرية في الأداء التمثيلي، والتخلص من النبرة الشكسبيرية المتكلفة التي تطبع أداء الممثلين عادةً في مثل هذه الأفلام. ولعل الأداء الجذاب الذي قدّمه فينيكس في هذه الملحمة السينمائية هو واحد من أهم مظاهر هذا التطور.

يلعب فينيكس في هذا الفيلم شخصية الإمبراطور الشاب الدموي المهزوز الذي يمنح روما ما تشتهيه من التسلية في محاولة لتثبيت سلطته وبسط سلطانه. يتورط الإمبراطور المهووس بالترفيه في اللعبة كثيرًا ويجد نفسه في مواجهة قائد الجيوش ذو الشخصية القوية، الذي يُجر إلى روما كعبد للترفيه في الرياضات الدموية التي يرعاها الإمبراطور بعد أن تم التنكيل بعائلته وإبادتها. ولذلك يجد ماكسيموس في الحلبة سبيلًا لتحقيق إنتقامه من قتلة زوجته وأطفاله، ويثير إعجاب الجمهور ويصبح معشوقهم، ليتفاجأ الإمبراطور بأن الجنرال الذي ظن أنه قد تخلص منه كي لا يهدد عرشه، هو ذاته المجالد المحبوب.

أُنتج الفيلم عام 2000، وهو من إخراج ريدلي سكوت، وقد برع فيه فينيكس في إظهار تقلبات الشخصية ومدى وحشيتها الآتية من الضعف وعدم الثقة بالنفس، كما قدّم شخصية زاخرة بالمشاعر والأبعاد.  



3- هي

يستمر فينيكس في تحقيق المفاجآت ويقدّم أداءً غاية في السحر والدقة والتعمق في هذا الفيلم، الذي جسّد فيه شخصية الرجل المعاصر بكل فردانيته وتقوقعه على نفسه. الرجل العصري الذي يحول العالم إلى مفردات قليلة وصغيرة، لكنها تعنيه وتخصه وتتمحور حوله.

يبدو الفيلم وكأنه قصة من الخيال العلمي الذي يطرق أبواب الرومانسية هذه المرة، لكنه في الجوهر تفكيك جمالي لإنسان الرأسمالية الجديدة المنتزع من قلب العالم، والمزروع في قلب الفردانية. الإنسان الهش المطواع الانهزامي الذي يمكن أن يقع في حب تطبيق رقمي على الهاتف، يتعلق به ويرى الحياة كلها من خلال صوت امرأة تخفف عنه وتشاركه أمسياته وخلوته. هذا الرجل العصري الذي فقد الاتصال بالعالم الحي، وفقد التمييز بين العالم المفترض والعالم الحقيقي لدرجة أنه تائه بينهما.

الفيلم معالجة حساسة وعميقة للإنسان العصري، ينطوي على نقد لاذع لليبرالية الجديدة التي اختزلت الإنسان بالحرية السياسية وسلبته الحرية الحقيقية من خلال تعليب الناس في المجتمع، ووضعهم في قالب رأسمالي استهلاكي بلا قيم سوى القيم الاستهلاكية. وحكاية الفيلم تدور حول ثيودور الذي انفصل عن زوجته وعاش لفترة في حالة من البؤس والضياع ليجد ضالته في تطبيق محاثة رقمي، يرافقه فيه صوت فتاة تقدّم له استشارات ونصائح، وتُنصت إليه وتسمع شكواه ليجد نفسه وقد وقع في حبها، لكنه ازداد وحشة وخوفًا من إمكانية زوال هذا النظام التشغيلي الذكي.

الفيلم أشبه بمونودراما، وهو أحد أهم أفلام خوان فينيكس الذي قدّم فيه أداءً فرديًا غاية في الفرادة والاختلاف. صُنّف الفيلم من قبل معهد الفيلم الأميركي كواحد من أفضل عشرة أفلام في عام 2013، كما نال جائزة الأوسكار لأفضل سيناريو أصلي.



4- السير على الخط

فيلم سيرة ذاتية يتناول حياة المغني الشهير ونجم الأغاني الريفية الأمريكية جوني كاش. وفيه، يقدّم فينيكس مناخات متداخلة من عالم جوني كاش النفسي في سعيه وشغفه الموسيقي، ثم اعتلائه سلم النجاح والشهرة، وصولًا إلى وقوعه في مطب الإدمان على المخدرات والكحول، بالإضافة إلى المواجهات الكبرى التي امتُحن بها بين حياة الشهرة وقيم ومتطلبات حياة الأسرة.

نال فينيكس عن أداء شخصية كاش ترشحيًا لجائزة الأوسكار. وفاز بجائزة الغولدن غلوب. وبسبب الأداء الاستثنائي لممثل على دراية موسيقية واسعة، صار فيلم "السير على الخط" واحدًا من أجمل أفلام السيرة الذاتية الموسيقية، والفيلم الأعلى إيرادات في تاريخ السينما على صعيد النوع الذي ينتمي إليه.



5- أنت لم تكن حقًا أبدًا هنا

أضاف أداء فينيكس لهذا الفيلم المصنف كفيلم جريمة وغموض بُعدًا دراميًا خاصًا. فهذا النوع من الشخصيات المضطربة التي تملك ماض مؤلم يعالجها فينيكس بطريقة عميقة تجعلها مثار تفكير وتأمل، مما يعزز الرغبة بشكل متصاعد في معرفة مصيرها، ذلك لأن الممثل يتعمد عدم كشف كل أوراقها، أو الإتيان بسلوكيات تؤدي إلى تنميطها داخل أُطر الخير والشر، بحيث تبقى لغزًا محيرًا حتى قبل النهاية من جهة، وتكون منيعة ضد التنميط من جهة أخرى.

وهذا ماقدّمه الممثل الأمريكي في هذا الفيلم الذي يلعب فيه دور جندي سابق يُدعى جو يعمل قاتلًا مأجورًا، لكنه يُضفي على هذه المهنة بُعدًا أخلاقيًا، إذ يتخصص بالتحري عن الفتيات المفقودات إلى أن يتورط في عملية إنقاذ فتاة كانت ستُجبر على العمل في الدعارة. وفي سعيه النبيل ذاك، يضطر لقتل كل من يقف في طريق إنقاذها من هذا المصير. وخلال مساعيه هذه، تتكشف شخصيته ويظهر جزء من ماضيه ومن ذكريات طفولته التي تكشف عالمه الداخلي الزاخر بالهواجس والجوانب المظلمة. ويُعد هذا الفيلم أحد أشهر أفلام خواكين فينيكس على صعيد النوع الذي ينتمي إليه.