فخ الاستهلاك.. كيف تُغويك الشركات لشراء أكثر مما تحتاج؟

فخ الاستهلاك.. كيف تُغويك الشركات لشراء أكثر مما تحتاج؟

يستخدم "فخ الاستهلاك" في عروض التخفيضات (رويترز)

الترا صوت - فريق الترجمة

الآن وقد خرجت من المتجر، تنظر لورقة طويلة بين يديك هي الفاتورة المحيّرة، وسؤال يراودك: كيف ولماذا أنفقت كل هذا المال؟ دخلتَ المتجر لشراء سلعة أو اثنتين، وخرجت منه بعربة ممتلئة، وجيب فارغ!

"Decoy Effect" أو "فخ الاستهلاك" هي طريقة لعرض المنتجات، لإغواء المستهلكين إلى شراء المنتجات الأغلى!

لا تتعجيب، فهذا أمر معتاد، يحدث مع الكثيرين ممن يقعون فريسة لما يعرف بـ"Decoy Effect" الذي يمكن ترجمته حرفيًا إلى "تأثير الطُعم" أو بالمعنى إلى "فخ الاستهلاك" أو "إغواء الاستهلاك" الخدعة البسيطة التي عادت على الشركات والمتاجر والمسوقين بأرباح ضخمة.

اقرأ/ي أيضًا: مكانة الذات في النظم الاستهلاكية

السطور التالية، المترجمة بتصرف عن موقع شبكة "BBC"، تلقي الضوء على هذا المفهوم، وجذوره في إدراك الناس ووعيهم، واستغلال الشركات له ولك.


من المحتمل أنك لاحظت في إحدى المرات التي احتسيت فيها القهوة في إحدى متاجر بيع القهوة الشهيرة، أنها تبيع القهوة بثلاثة أحجام: صغير ووسط وكبير. ومن المحتمل جدًا أنك قررت بما أن سعر الكوبين المتوسط والكبير متطابقين تقريبًا، فستشتري الكبير، ومن المحتمل أنك بعد هذا شعرت بأنك انتصرت على المتجر!

decoy effect
نموذج لكيفية عمل الـ"Decoy Effect"

لكن في الحقيقة، ما حدث أنك كنت الضحية لـ"Decoy Effect" أو "فخ الاستهلاك". فما حدث هو أن المتجر عرض كوب قهوة متوسط الحجم بثم غالٍ نسبيًا، ليجذبك لشراء الكوب الكبير المقارب له في الثمن. لقد أغراك لتدفع أكثر مما كنت ستدفعه في ظروف عادية.

تقول ليندا تشانغ، عالمة النفس في جامعة هارفارد: "إذا عرضت منتجاتك بطريقةٍ معيّنة، فتستطيع إغواء الناس بشراء المنتجات ذات السعر الأغلى".

بالرغم من بدايات هذا المفهوم كحيلةٍ تسويقية، اكتشف باحثون أنه يمكن توظيف هذا الخلل في إدراك الإنسان لتضليل حاسة قرار الإنسان، إذا ما قدّمت لهم الحقائق في سياقٍ معين قد يكون أحيانًا لا علاقة له على الإطلاق بالقرار الأصلي، سواءً في حديثنا عن الاستهلاك، أو خدمات الرعاية الصحية بل وحتى السياسة. إنّ إدراك مفهوم "فخ الاستهلاك" قد يجعلك أكثر فطنة في المستقبل، ويجنّبك الوقوع ضحيةً له.

وعلى غرار الكثير من الأخطاء الإدراكية التي تشوب تفكيرنا، يعود توثيق الاستخدام الأول لفكرة الإغواء الاستهلاكي إلى الثمانينات. ويضرب الباحثون هذا المثال لمساعدتك على فهم هذا المفهوم:

فلنقل أنك تريد اختيار رحلةٍ بالطائرة مما يلي:

  • الرحلة (أ): تكلّف 400 دولار مع توقف مدته 60 دقيقة.
  • الرحلة (ب): تكلّف 330 دولار مع توقّف مدته 150 دقيقة.
  • الرحلة (ج): تكلّف 435 دولار، مع توقّف مدته 60 الدقيقة.

في معظم الحالات، "العقل والمنطق" سيدفعان لاختيار الرحلة (أ) لأنها أرخص من الرحلة (ج) وبوقت انتظار أقصر بكثير من الرحلة (ب) مع أن الرحلة (ب) بتكلفة أقل بكثير. 

حسناً، ماذا لو قمنا بتعديل شيء بسيط. ماذا لو قلنا إن الرحلة (ج) تكلّف 330 دولار، وفيها توقّف مدته 195 دقيقة. الآن أصبحت الرحلة (ب) هي الأكثر جاذبية، وقد وجد الباحثون ذلك فعلًا من المشاركين. 

لكن كيف يُعقَل هذا؟ فالرحلة (ب) هي نفسها تمامًا، لكن التغيير الذي طرأ على الرحلة (ج)، بجعل وقت الانتظار أطول، قد غيّر إدراك الناس للخيارات المعروضة أمامهم، وأصبحوا الآن يميلون إلى اختيار الرحلة الأرخص بالرغم من وقت الانتظار الأطول. لماذا لم يختاروا الرحلة (ب) منذ البداية رغم؟ إنه الفخ!

ما حدث أنه في كلتا الحالتين صممت الرحلة (ج) لتمثل "الفخ الاستهلاكي"، بحيث تكون هذه الرحلة هي مجال المقارنة، ما يوقع المستهلك في الفخ المعد مسبقًا.

وجدت التجارب التي درست عروضًا من هذه النوع، أن استخدام فخاخٍ حسنة التصميم، قد يغيّر الرأي بين الخيارين الآخرين بنسبةٍ تصل إلى 40%. يتجلّى في ذلك مدى سهولة تغييرنا لآرائنا اعتمادًا على تقديمها لنا. وما يهمّ المسوّقين في ذلك، أن وضع خيارٍ عديم القيمة قد يدفع المستهلك إلى دفع مبلغٍ أكبر.

وما يستحق الذكر أن أنماط السلوك هذه قد برزت في شراء سلعٍ مختلفة من المشروبات إلى التلفزيونات والسيارات والمنازل، فكل ما يلزم هو خيارٌ ثالثٌ غير جذّاب، وسترى الناس يميلون سريعًا إلى اختيار أحد الخيارين الآخرين.

فخ الاستهلاك
أكواب المشروبات الغازية في مطاعم الوجبات السريعة، أوضح مثال على "فخ الاستهلاك"

بل إن الأمر ينطبق على شراء السلع الغالية، فقد نشرت جامعة "بريتيش كولمبيا" الكندية، مؤخّرًا، ورقةً وثّقت تأثير فكرة الإغواء الاستهلاكي على سوق الألماس، لتتوصل الورقة إلى أن عرض منتجٍ تقلّ جودته قليلًا عن المنتجات الأخرى، بنفس السعر، يساهم فيما يزيد عن 20% من أرباح الباعة.

وتمثل عروض التخفيضات نموذجًا لاستخدام نفس الفخ، كما يمكن رؤية ذلك أيضًا في عروض الاشتراك في خدمةٍ أو موقعٍ ما. إليك مثلًا ما تقوم به مجلة الإيكونومست: عرض اشتراك سنويٍّ بالموقع الإلكتروني قيمته 59 دولارًا، أو اشتراكٌ سنوي بالمجلة المطبوعة قيمته 125 دولارًا، أو يمكنك الحصول على الاشتراكين معًا بنفس سعر المجلة المطبوعة أي 125 دولارًا.

هذه الحيلة البسيطة في عرض المجلة المطبوعة بنفس سعر اشتراك المجلة والموقع معًا، أدّت إلى زيادة نسبة المشتركين بنسبة 52%، حيث كان الناس قبل ذلك أميل إلى اختيار الاشتراك الأرخص، أي الاشتراك في الموقع فقط، وفقًا لكتاب "Predictably International" لمؤلّفه دان إريلي.

يتجاوز ذلك أيضًا شراء المنتجات، لدرجة أنه يؤثّر على أمورٍ مثل المواعدة واختيارات الناخبين بطريقةٍ مشابهة، حيث يزداد إعجاب الناخبين لمرشّحٍ ما مثلًا إذا ما نظروا إليه في ظلّ خيارٍ آخر أقل جاذبية.

أسباب نفسية غير معروفة!

وإذا ما نظرنا إلى هذه الفكرة من منظورٍ نفسي، فالأسباب المحدّدة وراء ذلك لا تزال غير معروفة على وجه الدقة. لكن ربما يمكن تعليل ذلك بفكرةٍ بسيطةٍ، هي أن الذهن يبرّر قرارًا اعتباطيًا بشراء سلعةٍ ما، بمقارنتها بالسلعة التي تُصنّف بأنها "الفخ".

فمثلًا، لو قمت بعقد مقارنةٍ حقيقيةٍ بين الرحلتين (أ) و(ب) في المثال السابق، فكيف بإمكانك معرفة القيمة المالية التي تعادل انتظار 90 دقيقةٍ إضافية؟ ولكن إذا وُجِدَ خيارٌ ثالثٌ أقلّ جودةً من الخيارين السابقين، فهكذا تحصل على سببك الذي يسوّغ ميولك.

ويختلف تأثير الفخ الاستهلاكي من إنسانٍ إلى آخر، فيعتمد ذلك مثلًا على طريقة تفكيرك. فيمكن معرفة مدى تأثرك بقياس مدى استماعك إلى حدسك، أو إن كنت تميل أكثر إلى التأني والتحليل، إذ تزداد احتمالية وقوعك فريسةً لشرك الاستهلاك إذا كنت تعتمد على التفكير الحدسي. وهناك أيضًا الهرمونات التي تلعب دورًا في عفوية واعتباطية تفكيرنا.

استخدامات إيجابية

ولكن ما قد يُعيد إليك بعض التفاؤل، إذا زبونًا دائمًا لفخ الاستهلاك، أن هذا المفهوم، أي مفهوم فخ الاستهلاك، يمكن استخدامه لمآرب إيجابية. منها، مثلًا، ما توصّل إليه كريستان فون فاغنر، وهو أكاديميٌّ بارزٌ مختصٌّ في علوم السلوكيات والصحة في جامعة لندن، عند دراسته لقرارات الناس عندما يواجهون خيار الخضوع لعملية مهمةٍ، ولكن صعبة، لعلاج سرطان القولون.

الإغواء الاستهلاكي
ينطبق مفهوم "فخ الاستهلاك" على كل أنواع السلع، بما في ذلك السلع الخدمية مثل رحلات الطيران

اكتشف فاغنر أن الناس يفضّلون عدم الخضوع للعملية على الإطلاق، على ترتيب موعدٍ للفحص، ولكن يغيّر الناس قرارهم إذا عرضت عليهم خيارًا ثالثًا بإجراء الفحص في مستشفى أقل جاذبيةً سيكون عليهم فيه الانتظار لفترةٍ أطول. هذا الخيار يمثل هنا "الفخ". 

أجرى فاغنر تجربة أخرى مشابهة، عندما طلب من مشاركاتٍ، أن يخترن بين أطباء أو طبيبات، زادت قابلية المرضى الإناث للخضوع للعملية بفضل "الفخ" الذي ربما أنقذ حياة البعض بطريقةٍ أو بأخرى.

ولا تقتصر فائدة ذلك على أمورٍ مثل هذه، فيمكن تسخير هذا المفهوم في حياتك الشخصية والعملية، مثلًا في حال كنت أنت وأصدقاءك تختارون وجهةً للسفر أو فندقًا للإقامة فيه.

لـ"فخ الاستهلاك" أوجه إيجابية، إذ يمكن الاعتماد عليه لاتخاذ قرارات أكثر دقة وقت الحاجة، في أمور حاسمة مثل إجراء عمليات جراحية

إذًا، ما يمكن استخلاصه من كل هذا، هو ضرورة التنبه إلى عدم الوقوع في الفخ بسهولة في ظروف الاستهلاك، وتطويع نفس الفخ وقت الحاجة، لتحديد هدفك بدقة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

المينيماليزم.. الزهد على طريقة الرأسماليين!

"اشتراكيو اللاتيه".. هل بإمكانك أن تكون اشتراكيًا وغنيًا في نفس الوقت؟