25-ديسمبر-2022
شرب الحليب

يروج البعض لمعلومات مغلوطة بشأن تناول الحليب (Getty)

بات جليا للجميع أن الطريق الأسرع للانتشار ولفت النظر على وسائل التواصل الاجتماعي هي الخروج عن المألوف بل والمبالغة في الاختلاف بهدف حصد المشاهدات والتعليقات بغض النظر سلبية كانت أم إيجابية.

من أبرز وأشهر الادعاءات في الآونة الأخيرة هي تلك المتعلقة بالحديث عن أضرار الحليب على الكبار والصغار 

وهذا تماما ما يفعله مروجو توجهات أنماط التغذية المستحدثة والطب البديل في الآونة الأخيرة، مستغلين مساحات الحرية وغياب الرقابة المباشرة على محتوى صفحاتهم وقنواتهم على منصات التواصل الاجتماعي من جهة، وجهل بعض المتابعين وسهولة انقيادهم وراء كل جديد وغريب من جهة أخرى. ما يعطي مروجي هذه الادعاءات فرصة لنشر أفكارهم المغلوطة، وتحقيق أرباح مادية متجاهلين أي أضرار صحية لمن تبع نصائحهم.

شرب الحليب

من أبرز وأشهر الادعاءات في الآونة الأخيرة هي أضرار الحليب. وكما في معظم الأوقات، منحتهم جرأتهم على استهداف عادات وقواعد تغذوية اعتاد عليها الناس منذ آلاف السنين، ويوافق عليها الطب المبني على الدليل العلمي، إثارة فضول متابعي وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة المؤمنين منهم بنظرية المؤامرة، الذين في الغالب يصدقون ويتبعون نصائحهم دون تدقيق أو تمحيص.

اعتمد مروجو هذه الأفكار على دراسة مسحية قامت بها جهات غير معتمدة من قبل منظمة الصحة العالمية، أو منظمة الغذاء والدواء العالمية، أو المجلات العلمية المعتمدة حول العالم، وأفضت هذه "الدراسة" إلى النتائج الآتية:

  1. الحليب مادة حمضية تسبب حوضة الدم.
  2.  الحليب يسبب هشاشة العظام.
  3. الحليب ومنتجاته ملآن بالهرمونات التي تحقن للبقر للنمو وإدرار والحليب مما يجعله سبب للإصابة بالسرطان.
  4.  يحتوى الحليب ومنتجاته على اللاكتوز مما يسبب اضطرابات الجاهز الهضمي.

لبيان كذب هذه الادعاءات علينا أولا شرح معنى الدراسات المسحية والتفريق بينها وبين الدراسات البحثية.

فالدراسة المسحية هي استجواب أفراد العينة لوصف الظاهرة المدروسة، دون أن يتطرق الباحث إلى دراسة العلاقة أو استنتاج الأسباب وهنا يكمن تحيز وهشاشة نتائج هذه الدراسات التي لا تستند ألى أي مقياس علمي، بخلاف الدراسات البحثية التي تعتمد هيكلا منهجيا منظما يهدف للإجابة على سؤال أو تفسير فرضية، كالدراسات المدرجة في هذه المقالة والتي سيتم بناء على نتائجها العلمية الدقيقة دحض الادعاءات السابقة بشكل مفصل:

  1.  الحليب يسبب حوضة الدم: نعم إن الأس الهيدروجيني للدم 7.35 _ 7.45 والأس الهدروجيني لحليب الماشية 6.4 _ 6.8 أي أنه مائل للحموضة، كما أن الليمون والبرتقال والخل والطماطم والكثير من المواد الغذائية التي نتناولها بشكل يومي في غذائنا هي مواد حمضية، ولكنها لا يمكن أن تؤثر على الأس الهيدروجيني للدم بسبب خاصية الاستتباب التي ينظم بها الجسم بيئته الداخلية ويحافظ على اتزانها.
  2. الحليب يسبب هشاشة العظام: يدعي مروجو هذا الفكر أن هضم الحليب لكونه مادة بروتينية حمضية  يتطلب سحب الكالسيوم من العظام لمعادلة حموضة المعدة والدم، ويتضح من تفسير النقطة السابقة أولا ومن كون الحليب مصدرا غنيا ومهما للكالسيوم ثانيا بطلان هذا الادعاء جملة وتفصيلا.
  3. الحليب مادة مسرطنة ومليء بالهرمونات: فعلا يتم حقن الأبقار بهرمونات حيوانية بقرية تساعد على إدرار الحليب، لكن هذه الهرمونات ليس لها أي تأثير على جسم الإنسان لسببين رئيسيين: أولا: الهرمون مادة بروتينية يتم هضمها في المعدة وتحليلها للمواد الأولية فلا يمكن أن تصل لمجرى الدم بشكلها الأصلي. وثانيا: الهرمونات تعمل بنظام القفل والمفتاح فالهرمون هو المفتاح والخلية هي القفل، وبالتالي فإن تأثير أي هرمون يقتصر فقط على الخلايا التي تحتوي مستقبلاته أي أن الهرمونات الحيوانية لا يمكن أن تسبب استجابة في خلايا الجسم البشري لعدم وجود مستقبلات لها على سطح خلاياه.
  4. الحليب يحتوي على اللاكتوز ويسبب اضطرابات في الجهاز الهضمي: وهذا صحيح للأشخاص المصابين بحساسية اللاكتوز الذين تم تشخيصهم بناء على فحوصات طبية من قبل طبيب مختص، كما يمكنهم تناول حصصا صغيرة من منتجات الحليب بشكل آمن، أما من لم يتم تشخيصه بحساسية اللاكتوز فلن يضره شرب الحليب أو تناول منتجاته.

 

النقاش بين العلماء على أهمية شرب البالغين للحليب بشكل يومي لا زال قائما إلا أن المؤكد أنه غذاء صحي ومفيد وبريء من كل التهم المسندة إليه

لكل شخص ذوقه وله حرية تناول ما يشاء، ويبقى الحليب مصدرا غني للكالسيوم والبروتين وفيتامين د ولكنه ليس الوحيد، كما أن النقاش بين العلماء على أهمية شرب البالغين للحليب بشكل يومي لا زال قائما إلا أن المؤكد أنه غذاء صحي ومفيد وبريء من كل التهم المسندة إليه.

 

 

دلالات: