يمضي النهار داخل البصيرة

يمضي النهار داخل البصيرة

سيلكه أوتو-كناب/ ألمانيا

ستائر الغرفة تمنع عني ضوء الشمس، لكن صوت العصافير يتسلل إلى وجنتيّ، كان لديّ صديقة عندما تريد أن توقظني من النوم تمسح على خدي بباطن سبابتها، وهكذا لم أكن أخاف لحظة إفاقتي الأولى، لا أستطيع نسيان تلك اللحظة، مثل طعم الحليب الدافئ الخالي من السكر، يفعل صوت العصافير وإن لم يكن بالقوة نفسها ما تفعله تلك الإصبع، كظلٍ لها. أتمغط وأدفن وجهي في الوسادة، ينبغي ألا يكون غطاؤها من القطن، فهو يسبب لي ضيقًا في التنفس، اكتشفت العلاقة عندما كنتُ ذات مرة في حضن رجل يرتدي تيشيرت قطني، كدتُ أختنق، وحاول أن يسعفني، لكنني بدوت كما لو أنني أمرُ بنوبة كآبة ليس إلا، في الوقت الذي لم أكن أشعر فيه بأن الهواء يصل لرئتي، لكن هذا الالتباس بين الآلام المختلفة، لم يكن غريبًا عليّ.

تضع أمي في كوب الشاي عسل السدر، أفكر كيف يذوب العسل في قاعه، ذلك السائل الكثيف ذو القوام الحلزوني المتماسك، تفكر أنه أنسب من السكر، لكنه سكر أليس كذلك؟ قلتُ هذا بصوت عالٍ ذات مرة، ثم لم أعد مرة أخرى للمشاركة بوجهة نظري هذه، لقد تعودتُ على أن تكون لدي آراء قاصرة، تطلب ذلك وقتًا طويلًا، قبل أن أعرف أن أبي وأمي محقان في كل شيء، حتى وأن أثبت العالم كله ما يختلفان معه، لا أشربُ الشاي بالعسل، أغمسُ قطعًا مكسرة ومقرمشة من رقائق الخبز العماني في الشاي، وعندما تذوب أضعها في فمي فورًا، وأحسُ بفورة الساعات الأولى من اليوم، شيء ما يتحقق في تلك الأثناء، التاريخ، الساعة، اللحظة، جزءُ الأبدية الصغير، ولا يعود لأي فكرة كبيرة مكان، ثمة هواء عليل اليوم، أمي بردانة، أما أنا فلا أحس سوى باللحظة.

أعود إلى السرير، السيارات القليلة التي تتحرك في الشارع المحاذي للبيت، وصوت الطيور والحشرات، وبكاء أطفال بيت عمي القريب، كل هذا يشكل جوقةً حية للساعات الأولى من النهار، أحاول القراءة، لكنني أنتبه لحاجتي للقهوة، يحب أبي القهوة السوداء المكتوب على بنها المطحون في السوبر ماركت، قهوة سيلانية، لكنها خفيفة جدًا، أقول إنني أشربُ ماء برائحة القهوة، يتذكر أبي، أنني أعددتُ مرة، قهوة تركية، وكانت لا تُشرب، عدها أبي محاولة مني للتحضر، شيء يشبه الطريقة التي أتحدث بها، المليئة بالكلمات الفصيحة. لا أشرب القهوة، أحسُ بأنني أنتظر شيئًا ما، في كل الأعياد كنتُ أشعرُ بشيء يشبه الالتزام بالسعادة القسرية، وكان هذا أكثر ما يضايقني، لكن في الحقيقة عليّ أن أعترف أن ما كان يؤلمني لا إجباري على الشعور بالسعادة، بل أنني لا أحظى بها في كل عيد، لأنني أبحث عنها، ويساعد الآخرين أنهم ساهون عن الفكرة، داخل الحياة، قلبي حزين الآن، لا أستطيع التفكير فيما أنتظره، نكدٌ مستحوذ، تنسحب ورائه كل الأشجار التي أستطيعُ متابعة حركتها من النافذة.

الأمطار الأخيرة، أنبتت زهورًا صغيرة، وقبضات من العشب المتوزعة في البرية، موسم العسل في أكثر أوقاته ازدهارًا، ثمة لدغاتٌ على قدم أبي، أمي تقول له أنها تريد عسل "برم" أبي يقوم أن قنينة العسل لا تكفي لخمسة أيام لكنه يقول ذلك مغتبطًا، يريد أن يبيع بعض الخلايا، لأن النحل "يطرد" بملكاته، أقول فجأة، سمعتُ عن امرأة سقطت من أعلى جبل لأنها كانت تريد أن تجلب شمع عسل من هناك، الحوادث المشابهة كثيرة، وأسأله ما الفرق بين عسل الجبل وعسل التربية؟ يقول إن الشمع في عسل الجبل يترك حرقة خاصة في طعم العسل. أقول إنني سأذهب للمقهى لأعمل، يحييني أبي قائلاً، حبيبتي.

الطريق الذي أقطعه بالسيارة تلتف حوله النخيل، وأشجار مانجو وتوت بري ونبق، وثمة حضائر بجدران إسمنتية لأغنام أميز صوتها دائمًا، أحسُ بأنني أحب هذا المكان، لكنني مفصولةٌ عنه، يمنعني كل شيء من الوقوف والمشي بقدمي حتى أذرعه كاملًا، فلا يعود هنالك شبر لم يصبح في مرمى عيني، أريد أن أذهب بعيدًا عن هذا الحب، قبل أن يأتي الليل، عندما كل شيء ما يزال تحت خيوط الشمس الشتوية، وعندما تكون الزهور مازالت في طزاجتها، لم يمتها الصيف القادم أو مسير الخراف التي تمشي النساء وراءها في القرية. الشتاء أنسبُ وقت لكي يغادر المرء مكانًا هو مكانه لكنه ممنوع عنه.

 

اقرأ/ي أيضًا:

إيليا كامنسكي.. لا أسمع طلقات النّار

ما بعد حفلة التّوقيع