وخز الجروح القديمة في فيلم

وخز الجروح القديمة في فيلم "متاهة الأكاذيب"

صورة من الفيلم

*ربما يحتوي المقال حرقًا لأحداث الفيلم

صحيح أن ما يصنعه عباقرة هوليوود جدير بالإدمان والتحليق حوله دائمًا وربما عدم الالتفات لغيره، لكن منح العين فرصة للتحديق في شاشات سينمائية أخرى غير الشاشة الأمركية قد يرشدها إلى عوالم لها طابعها الخاص والذي يوفر كمًا ثريًا من شحنات المتعة والفائدة للمشاهد.

هكذا استدارت عيني ذات ليلة إلى السينما الألمانية بدافع فضول خلقه تألق بعض الفنانين الألمان في هوليوود مثل كريستوف فالتز وديان كروغر، فقادني البحث العشوائي إلى فيلم "متاهة الأكاذيب"، (بالألمانية: Im Labyrinth des Schweigens)، لألتمس فيه تجربة سينمائية تثير الشهية لمشاهدة المزيد من الأفلام التي تنتجها.

إيقاع فيلم متاهة الأكاذيب يقترب من الواقعية كثيرًا، فلا وجود للإثارة البوليسية التي يستعان بها بهذا النوع من الأفلام لتحقيق الجذب

الفيلم من تأليف إليزابيث بارتل التي كتبت السيناريو له بمساهمة أميلي سايبربيرغ ومخرجه جوليو ريكياريللي، وهو يعالج واحدة من القضايا الحساسة والدقيقة لدى الأمة الألمانية، ألا وهي قضية الإرث النازي. والذي من الواضح أن المؤلفة لم تشأ التشعب في هذا الملف الشائك، كون الغوص فيه يحتاج أكثر من مجرد فيلم سينمائي، لذلك اختارت التعامل مع الموضوع عبر زاوية من بين زوايا كثيرة متعلقة به.

تلك الزاوية تمثلت بما يعرف بـ"محاكمة أوشفيتز"، وهي المحاكمة الخاصة بضباط وجنود ألمان خدموا في معسكر "أوشفيتز" سيئ الصيت، واتهموا بارتكاب جرائم فيه.

اقرأ/ي أيضًا: "حريق في البحر".. جزيرة لأحلام معطلة

انطلاقًا من هذه الأرضية يلامس الفيلم -المنتج عام 2014- بعض القضايا المهمة التي تبلورت في المجتمع الألماني بعد زوال حقبة هتلر، ومن أبرزها وجود دولة نازية عميقة داخل ألمانيا ينتشر عناصرها في مفاصل مهمة من مفاصل الدولة الجديدة، منها التعليم والقضاء.

كما يقدم لمحة عن تعامل الألمان مع الآثار النازية التي بقيت مخيفة لهم حتى بعد مرور سنوات على سقوط الحكم النازي. يبدأ الفيلم بمشهد نجح في المزج بين التشويق والترميز، حيث تبدأ الكاميرا بتصوير أوراق شجرة تتخللها أشعة الشمس ثم تنعطف هبوطًا نحو مبنى مدرسي ويظهر في الشاشة عنوان تعريفي بأن المكان هو فرانكفورت والزمان عام 1958.

بعد ذلك يخرج تلاميذ يركضون ويلهون وينشدون "ليست هنالك أرض بجمال وعظمة أرضنا"، وعلى مسافة منهم يقف ثلاثة معلمين يتبادلون الحديث، وفي أثناء ذلك يمر بمحاذاة السياج الحديدي للمدرسة رجل يحمل أغراضًا ويريد إشعال سيجارة لكنه لا يعثر على قدّاحته، فيسير أحد المعلمين نحوه ويقدم له قداحة عبر قضبان السياج، وعندما يتعرف الرجل المستطرق على المعلم يصيبه الذعر وتسقط أغراضه من يده، ويُقطع المشهد.

فيلم "متاهة الأكاذيب" يعالج واحدة من القضايا الحساسة والدقيقة لدى الأمة الألمانية، ألا وهي قضية الإرث النازي

التشويق الذي صنعه المشهد المذكور هو التساؤل عن هوية الرجل المستطرق والمعلم وسر العلاقة بينهما، أما الترميز فيمكن تلمسه عند اتضاح خيوط الأحداث لاحقًا، والتي تلائمها الإشارة إلى جمال الحياة الخالية من النازيين بأشجارها وشمسها وأطفالها، فضلًا عن تعلق موضوع الفيلم بدرجة كبير باللبنة الأساسية لمستقبل ألمانيا الجديدة: الأطفال.

يتجه التركيز بعد ذلك نحو البطل الرئيس في الفيلم، المدعي العام الشاب يوهان رادمان (الممثل ألكسندر فيلينغ)، والمكلف بوظيفة ليست بذات أهمية تتلخص بمتابعة قضايا المخالفات المرورية، لكنه يصبح فيما بعد عنصرًا مؤثرًا في السلطة القضائية الألمانية.

تتكشف ملامح موضوع الفيلم عندما يثير الصحافي توماس غينيلكا (الممثل أندريه زيمانسكي) جلبة داخل أروقة مبنى الادعاء العام بين مجموعة من المدعين العموميين، وهو يحتج بصوت عالٍ على وجود معلم في مدرسة، خدم سابقًا في معسكر أوشفيتز، وارتكب فظاعات بحق المحتجزين، هذه المعلومة حصل عليها غينيلكا من صديقه الرجل المستطرق الذي ظهر في المشهد الأول، والذي يتضح لاحقًا أنه رسام كان محتجزًا في المعسكر.

يقرر رادمان متابعة هذه القضية، إلا أن المدعين العموميين الأكبر سنًا منه يحاولون جاهدين ثنيه عن مسعاه لكن دون جدوى. يتلقى المدعي العام الشاب في مشواره الوعر هذا دعمًا من الصحافي غينيلكا ورئيس الادعاء العام فريتز باور (الممثل جيرت فوس)، فيباشر بإجراء تحقيقات مكثفة للعثور على النازيين المساهمين في مجازر أوشفيتز، ويتعرض خلال ذلك لمحاولات عرقلة حتى داخل الادعاء العام، بل إن الأمر يصل إلى تهديده هو والصحافي بواسطة حجر مرسوم عليه رمز النازية الشهير، يرمى عليهما من النافذة أثناء جلوسهما في منزل غينيلكا.

اقرأ/ي أيضًا: "ميموزا".. صوفية إسبانية على أرض مغربية

يبث صانعو الفيلم تأكيدات مكررة على انتشار النازيين في المجتمع الألماني حتى بعد سقوط هتلر، وقدرتهم على تهديد حياة من يحاول التعرض لهم، ما ينتج خيفة لدى الناس عبرت عنها النصائح الكثيرة التي أسداها المقربون من رادمان له بترك التحقيق حفاظًا على سلامته، لكنه يصر دائمًا على المواصلة حتى بعد الانكسار النفسي الذي تعرض له بعد إدراكه أن غالبية الألمان قد انتموا للحزب النازي، ومن بينهم والده.

يبث فيلم "متاهة الأكاذيب" تأكيدات على انتشار النازيين في المجتمع الألماني حتى بعد سقوط هتلر

يقترب إيقاع أحداث الفيلم من الواقعية كثيرًا، فلا وجود للإثارة البوليسية التي يستعان بها عادة في هذا النوع من الأفلام لتحقيق عامل الجذب المتواصل، لكنه مع ذلك لم يفقد قدرته على تحفيز المُشاهد لترقب ما سيجري في الدقائق المقبلة وإلام ستؤول الأمور، وذلك بتجنب الإسهاب في طول المَشاهد والحوارات، وإيصال المحتوى بأسلوب سمعي ومرئي مكثف يخفض منسوب الملل في التلقي إلى مستويات متدنية.

كما رُطبت أحداث الفيلم بعلاقة غرامية تنشأ بين رادمان ومارلين (الممثلة فريدريكا بيخت)، والتي تظهر شابة خفيفة الظل تضفي جوًا من المرح يكبح تصاعد وتيرة الجدية التي يقتضيها موضوع الفيلم الذي ينتهي بتوجيه الكاميرا نحو باب محكمة يُغلق، في تعبير يوحي بإغلاق الباب على مرحلة حالكة من مراحل التاريخ الألماني.

اقرأ/ي أيضًا:
فيلم "فاني وألكساندر".. بيرغمان يقدم بيرغمان
فيلم فتاة القطار.. معاصرة التجريبية