25-مايو-2016

أجد نفسي في هذه المادة، مضطرًا للكتابة عن تجربة فريدة، لا تنحسر فرادتها في تقديمها نموذجًا فنيًا متينًا، ولا بأنها تجربة مست مواضيع، ودخلت هوامش، تبدو وظيفة الفن الأولى مسها والدخول فيها. ولكن أيضًا لأنها كانت إجابة عن سؤال قديم وملح عندي وعند آخرين، عن إمكانية إنتاج مسرح مرتبط بالواقع الاجتماعي، ومنفصل عن واقع الفن الذي صارت شروط السوق فيه أقسى من أي وقت. مسرح لا تتعارض فيه تلبية شروط الواقع، مع تلبية شروط الممول.

ما إمكانية إنتاج مسرح مرتبط بالواقع الاجتماعي، ومنفصل عن واقع الفن الذي صارت شروط السوق فيه أقسى؟

تبدأ مسرحية "وجهة سفر" (عرض رام الله، 16 أيار/مايو)، من نص وتمثيل وإخراج وإنتاج غسان نداف ورنا برقان وإبراهيم زهد، من سؤال يبدو للوهلة الأولى مطروقًا في أدبيات مختلفة، أدبًا وسينما ودراما، إلا أن العمل يأخذه في سياقات جديدة، وفي مواضع متصلة اتصالًا وثيقًا بالأسئلة اليومية التي يعيشها الجيل الفلسطيني الجديد، من خلال رصد يوميات عائلة مكونة، من أب شهيد، وأم ما زالت غير قادرة على الخروج من إطارات صورته المعلقة على الحائط، ومن ابن لم ير والده الشهيد أبدًا، إلا في الصورة نفسها. 

تعرض قصة العمل الحوارات المستمرة التي يعيشها الابن، مع وجود عمه، أخ الشهيد، الذي يستغل اسم الأخ مكونًا جاهًا وسلطة. ومع أننا قد نأخذ على العمل اتخاذه صورة العم المستغل، على مطابقة مع أعمال أخرى (مثلًا في الأدب والدراما ذاكرة الجسد، وفي المسرح شقائق النعمان) إلا أننا لم نجد مقولة تقليدية في وصف السلطة، إذ عولجت مقولات العمل عنها بمرونة عالية، وبتصور جديد تتداخل فيه التحليلات النفسية والاجتماعية والوطنية.


 
تبدو بنية المسرحية مكتملة أكثر، وملتزمة بالتقاليد الأساسية للمسرح، مع دخول لحظة الصراع الحاسمة التي تضع الابن أمام خيارين، إما الحياة التي يتقاطع فيها الفقر مع اليتم، أو مع شعوره الدائم بالنقص والتهميش، والبحث عن نفسه من دون الحاجة إلى صفة الأب اللازمة. ونجد أن شعورًا ما يشبه الغيرة يتكرر عند وليد-الابن، من وقوف أمه الدائم أمام الصورة، وتجاهلها له. شعور قد يؤخذ للوهلة الأولى في سياقات نفسية، لكنه يتضح مع اكتمال المشهد، أنه رصد مثير ولافت لعلاقة جيلين كاملين. 

تتداخل مصالح وليد بالسفر، مع مصالح عمه الذي يرغب دائمًا بالتخلص منه من أجل السيطرة على البيت والأم، وقد نجد هنا مباشرة لم تتكرر كثيرًا في العمل، في وصف السلطة. يصل الصراع سواء بين وليد والأم والعم، أو بين رغبتي وليد بالبقاء مع أمه أو الحصول على حياة أفضل، إلى لحظته الأخيرة مع اكتشافه مخططات العم.

نجد أن العمل اتكأ من خلال الديكور البسيط، على أداتين أساسيتين، الأولى إطار واسع وفارغ للصورة المعلقة للشهيد، وبسطار عسكري تركه. تظهر هذه الأدوات في معظم سجالات المسرحية، ويتضح شيئًا فشيئًا أن البسطار يعني الطريق القديم الذي اتخذته الثورة، بينما تأخذ إطارات الصورة حيزًا أقل مباشرة، وأكثر اتساعا للتأويل. 

"وجهة سفر" عمل يؤكد على وجود أبواب أخرى وطرق يبتكرها الجيل الجديد

 

تصر الأم على أن قدم وليد على مقاس البسطار بالضبط، لكنه يرى باستمرار لنفسه طريقًا آخر، أما العم فلعله الوحيد الذى يرى في البسطار معروضًا فقط، مشهدًا مناسبًا. يشعر المشاهد طول فترة العرض أن العمل سيتورط بتقديم موقف مباشر، وسيتحول إلى خطاب سياسي في لحظة واحدة، لكنه يظل كذلك، قريبًا من إبداء موقف دون أن يبديه، يعرفنا على أشياء كثيرة كان يمكن أن يقولها، بدون أن يقولها. فينتهي المشهد بالصراع نفسه، وبطرق مفتوحة كثيرة، بسطار وجواز سفر وطرق أخرى لما نعرفها بعد. 

لم يكتف العمل بتقديم موقف من مستغلي الثورة أو من الجاه والسلطة فحسب، ولكن الجديد الملفت كان في تقديمه قراءة جدية، تستعرض الالتزام الجامد بالقديم، وإن بدا نبيلًا وحسنًا، حائلًا أمام الجيل الجديد وأمام خياراته وطريقته في الحياة والمقاومة. إننا أمام عمل اختار لنفسه النأي عن الخوض في ثنائيات ثابتة، أو الدعوة المتكررة للثورة التي تبدو حنينًا دائمًا لماض لا يتكرر، عمل اختار لنفسه التأكيد على وجود أبواب أخرى مفتوحة، وطرق يبتكرها جيل ليس أقل شأنًا، وأن الثورة لا تساوي الماضي دائمًا.