18-يناير-2024
أمجد جمال-سوريا

رسم لـ أمجد جمال/سوريا

خرج الصحفي وائل الدحدوح من غزة بعد معاناةٍ وفقدان، من أجل علاج يده المصابة. ومع أنّ هدف الخروج واضح ومعلن، تكاثرت الأقاويل وتناقضت، من الاتهام والتشكيك إلى التعاطف والتضامن. 

ومن المؤسف استغلال الإعلام المصري الأمر لتسجيل إنجاز لسلطات بلاده، حين أراد أن ينسب التكفل بالعلاج لها رغم أنّ مكوثه في مطار العريش لم يستمر سوى ساعات معدودة. ولم ينتبه، أو ربما لم يشأ، إلى أن السلطات ذاتها عجزت عن مساعدة المدنيين المنكوبين، المحرومين من الدواء والغذاء.

بالتزامن مع ذلك، ظهرت أصوات تقول إن الدحدوح تخلّى عن مسؤولياته في الوقوف مع شعبه، وانتهز أول فرصة لاحت أمامه للنجاة بنفسه، مع أن الجميع يعرفون أن الرجل الذي شهد الوقيعة ظلّ يؤدي واجبه مكابرًا على جراحه في الداخل والخارج، وهو ممن يحقّ لهم القول: ما في جسدي موضع شبرٍ إلا وفيه ضربةٌ بسيف أو رمية بسهم، وما في نفسي موضعُ شبرٍ إلا وفيه انكسار من فقدان عزيز وضياع آمال.

القصة تُذكّر، بشكل أو آخر، بالضجة الكبيرة التي رافقت خروج محمود درويش من الأرض المحتلة نهائيًّا بدايات سبعينيات القرن الماضي، ليقيم في مصر. إذ اتُهم وقتها بالتخلي عن القضية الفلسطينية، والهروب من معركة البقاء التي عليه أن يخوضها في الأرض المحتلة، مع أن خروجه ذاك كان أمرًا محتومًا.

لم يحدث ذلك لأن وائل الدحدوح استثناء، ففي طول مدن القطاع وبلداته ومخيماته أناسٌ مثله، من الرجال والنساء، من الكبار والصغار. وحقيقة الأمر مرتبطة بقربه منا، بحكم الشعور الذي ولّدته العلاقة مع حضوره على الشاشة

في ذلك الوقت، ردّ درويش على ما سمع وقرأ بمقال عنوانه "هل تسمحون لي بالزواج؟" قائلًا: "أعتز بالمعاني التي أرمز إليها. أعتز بحبّ الناس الشرفاء، وعطفهم على قضيتي، ولكن معاملتي كأسطورة تجرد قضيتي من جوهرها وحقيقتها، وتحولها إلى حالة فردية، وإلى بطولة فردية".

ولعل الدحدوح لو شاء الردّ على ما رافق خروجه لما كتب أكثر من ذلك.

خلال أكثر من 100 يوم من العذاب اليوميّ، استطاع وائل الدحدوح الحضور في كل تفاصيل غزة، حتى أنه يحلو للبعض تشبيهه بها، إذ حدث له ما حدث لها ولعموم أهلها، من فقدان أفراد من العائلة والأصدقاء، ومن النزوح والإصابة. حدث له ما حدث لبلاده. ويحدث مرارًا أن تختار البلاد بعضًا من أهلها لتضع فيهم خلاصة قصصها، فتصبح حيواتهم موجزًا لما يجري لها وفيها.

وفعلًا يستحق الدحدوح ذلك، ففي اليوم الذي رأيناه يبكي كأب زوجته وفلذات كبده، ثم رأيناه بعد ذلك يغالب فجيعته ويتماسك كي يكمل مهمته المهنية والإنسانية، شعرنا بانمحاء المسافة مع الشاشة، ورأيناه قربنا إلى الحد الذي شعرنا بأنفاسه الحارقة، فحشرجنا وبكينا نيابةً عنه.

لم يحدث ذلك لأن الرجل استثناء، فعلى طول مدن القطاع وبلداته ومخيماته ثمة أناسٌ مثله، من الرجال والنساء، من الكبار والصغار. وحقيقة الأمر مرتبطة بقربه منا، بحكم الشعور الذي ولّدته العلاقة مع حضوره على الشاشة.

يمكننا القول، على الرغم من البعد الرمزي الذي حظي به إلا أنه لا يزال يُمثّل حالة إنسانية ومهنية، هي في عمقها حالة حقوقية، لهذا هي إدانة للعدوان وداعميه، من حيث كونه أبًا وزوجًا وجدًّا مفجوعًا، ومن حيث كونه صحفيًا تعرّض للاستهداف المباشر أثناء تأدية عمله.

من أجل ذلك وغيره، لا يحتاج الرجل منا أن نغنّي لجراحه، بل أن نراها.