هولاند..نهاية فاترة لرئيس ضعيف

هولاند..نهاية فاترة لرئيس ضعيف

الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند (باتريك كوفاريك/أ.ف.ب)

"لن أكون مرشّحًا للانتخابات الرئاسية القادمة"، ذلك ما أعلن عنه الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند في خطاب مباشر من قصر الإليزيه إلى شعبه في الأسبوع الفارط. لم يكن حقيقة إعلان عدم الترشح لولاية ثانية مفاجأة غير متوقعة في ظل التراجع القياسي لشعبية هولاند ووجود أصوات من داخل حزبه أعلنت نيتها الترشح منذ البداية بما فيها وزيره الأول مانويل فالس، وإن كان إعلان هذا القرار، السابقة في تاريخ الجمهورية الفرنسية الخامسة، مباغتًا في الشكل والتوقيت.

قبل انسحابه، رجّحت آخر عمليات سبر الآراء، أن هولاند لن يتحصّل، في حال ترشحه للرئاسة مرة ثانية، إلا على 9% فقط من الأصوات

خطاب الـ"أنا".. كشف الحساب بدل موعد المحاسبة

في خطاب دام 10 دقائق، كرّر فرانسوا هولاند ضمير المتكلم "أنا" عديد المرّات، ولكن لم يكن الرئيس بمعرض المفاخر بل بموضع المدافع عن حصيلة 4 سنوات ونصف. فأراد التمهيد من باب التذكير وبغاية الدفاع عن نفسه لقرار "موجع" على المستوى الشخصي قبل السياسي حيث نسف بموجبه أيّ مستقبل سياسي له.

اقرأ/ي أيضًا: استيقاظ "الموتي الأحياء الكاثوليك" في فرنسا

تحدّث هولاند في خطاب الوداع المبكّر كثيرًا عن حصيلته. أورد بعض الأرقام الاقتصادية ذات المؤشر الأخضر. وتحدّث عن منح حق الزواج للمثليين ليبيّن أنه التزم بمبادئه التقدمية، وعن اتفاق باريس الدولي حول المناخ، وهو الملف الذي تولّت إدارته زوجته السابقة والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين روايال. وأراد بهذا العرض أن يجيب بأنّ حصيلته لم تكن سيئة كما يصورها العديدون.

قدم هولاند بذلك كشف حساب موجز لولايته قبل انتهائها بستة أشهر، غير أنه اعترف بقيامه ببعض "الأخطاء" واعترف كذلك بوجود "تأخير" في تحقيق النتائج المرجوّة. لم يشأ أن يظهر في صورة الرجل الذي يتنصّل من مسؤولياته، بل إن هذه المسؤولية بالنسبة إليه هي التي قادته لاتخاذ قرار الانسحاب من السباق الرئاسي. وفي هذا السياق، اعترف أن مقترحه لإسقاط الجنسية كان خطأ.

وفكرة الانسحاب لم تأت لهولاند نتيجة خيار شخصي صرف لرئيس دولة وزعيم تيار سياسي، لم يحقّق النتائج المرجوّة، فلم يجد موجبًا للترشح لولاية ثانية ليترك المجال لغيره. فلغة الأرقام هي مؤشّر لفضيحة يجب تجاوزها وذلك حينما رجّحت آخر عمليات سبر الآراء أن هولاند سوف لن يتحصّل إلا على 9% فقط من الأصوات. لكن كذلك توجد مشكلة أعمق، وهي عدم قدرة هولاند على أن يكون عنوانًا جامعًا داخل الحزب الاشتراكي قبل التيار اليساري المشتّت بطبعه.

حيث يوجد تيّار واسع داخل الحزب الحاكم يرفض السياسة الاقتصادية لهولاند وقد استنكف هذا التيار على دعم عدد من القوانين الاقتصادية للحكومة في البرلمان. ويوجد كذلك وزير أول لا يبدو داعمًا جديًا لرئيسه. هو مانويل فالس، الذي يتبنى خطابًا متمايزًا عن هولاند، بل إنه أعلن وجود نية للترشح قبل إعلان الرئيس انسحابه، فيما مثل مؤشرًا على الضغوطات التي رافقت اتّخاذ هذا القرار الأليم بمحصّلته.

لم يظهر هولاند في خطابه بمظهر القويّ كما أراد أن يكون، بل ظهر كرجل حاول الجمع بين الجرأة والحزم ليغطّي عن قرار هو بالنهاية رفع للراية البيضاء، سيظهره ضعيفًا، وقد أظهره كذلك بالفعل. بعد صعود فيون كمرشح لليمين الفرنسي، وتأكيد عمليات سبر الآراء أن لا حظوظ لهولاند للمرور للدورة الثانية، يظلّ خيار الانسحاب أفضل من خيار البقاء في سباق رئاسي قد ينتهي به إلى نهاية مأساوية لمسيرته السياسية. فأن يكون أول رئيس في تاريخ الجمهورية الخامسة أي منذ ستة عقود تقريبًا لا يترشح لتجديد ولايته أفضل من أن يكون أول رئيس جمهورية يُهزم منذ الدورة الانتخابية الأولى.

الحصيلة الاقتصادية بالمرصاد

احتل الملّف الأمني بمناسبة الأحداث الإرهابية مرتبة متقدمة في سلّم اهتمامات المواطن الفرنسي في السّنتين الأخيرتين ولكن لا تختلف برامج الأحزاب على الأقل بين الاشتراكيين والجمهوريين بصفة جوهرية في هذا الملف، ولا يُحاسب هولاند كثيرًا في هذا الملف. فحينما تتحدّث مع مواطن فرنسي غاضب من هولاند فعلى الأرجح سيحدثك عن تخلّفه بوعوده فيما يخصّ الملف الاقتصادي بمختلف تفريعاته.

صعد هولاند للرئاسة في ربيع 2012، حينما كانت ارتدادات الأزمة المالية العالمية على الاقتصاد الفرنسي في أوجّها، وحينما كان كابوس اليونان هو الجاثم على صدور الأوروبيين مع تقديم حزمة الإنقاذ الثانية حينها. ولم يكن هولاند منذ البداية غريبًا عن ملف الاقتصاد، فالرجل كان أستاذًا جامعيًا في الثمانينيات يقدّم محاضرات في مادة الاقتصاد لطلبته في المدرسة الوطنية للإدارة، وألف كتابًا حول السياسة الاقتصادية، كما كان مكلفًا بالملف الاقتصادي في الحزب الاشتراكي في أواسط التسعينيات.

وعد هولاند في حملته الانتخابية بتخفيض نسبة البطالة، وحينما فاز كانت نسبتها 9.8%. وقد ظلت النسبة قريبة من ذلك طيلة فترة رئاسته دون تغير كبير، وهو الحدّ الرمزي الفارق لدى العموم أمام واحد من أهم المؤشرات الاقتصادية في البلاد. وبذلك تظلّ نسبة البطالة هي النسبة الأكثر سلبية لدى هولاند وإن بدأت بالانخفاض تدريجيًا بداية السنة الجارية ولكن دون المستوى المأمول والموعود قبل خمس سنوات.

وعد هولاند في حملته بتخفيض نسبة البطالة، وحينما فاز كانت في حدود 9.8%، وقد ظلت النسبة قريبة من ذلك طيلة فترة رئاسته

كما ارتفع الدّين العمومي بنسبة 7% بين نهاية سنة 2012 والثلث الثاني لسنة 2016. غير أنه لم تكن كل أرقام المؤشرات الاقتصادية سلبية في ولاية هولاند. فالعجز العامّ للدّولة انخفض من 4.8 إلى 3.3% بين 2012 و2016 ولكن الحصيلة الاقتصادية تظلّ في عمومها سلبية لدى المواطن الفرنسي. فحسب استفتاء قامت به جريدة "لوفيغارو" بعد إعلان هولاند عدم ترشّحه لولاية ثانية، وصف ثلاثة أرباع الفرنسيين الحصيلة العامة لهولاند بالسلبية.

الخلل في إدارة هولاند للملف الاقتصادي هو في غياب استراتيجية واضحة والارتباك البيّن في التعامل معه طيلة أربع سنوات ونصف. قام في أول سنتين من ولايته بزيادة كبيرة في الضرائب قبل أن يخفّضها لاحقًا. ولذلك كانت السياسة الاقتصادية لهولاند وحكوماته محلّ نقد من داخل المعسكر الاشتراكي ليتكون جناح واسع من النواب الاشتراكيين المتمردين من بينهم وزير الاقتصاد السابق مونتبورغ بين 2012 و2014.

يتّهم هذا الجناح الذي يلقى رواجًا داخل الحزب الاشتراكي هولاند بالتركيز المفرط على التخفيض من النفقات العمومية والمساعدات للمؤسسات والاعتماد على اقتصاد العرض في إطار نظرية "الاقتصاد الكينزي". وتوصف هذه السياسة الاقتصادية بأنها "اجتماعية ليبرالية" تختلف عن السياسة الاقتصادية المحددة في البرنامج الانتخابي للحزب.

فشل هولاند في الملف الاقتصادي وهو الذي لطالما درسه كطالب، ودرّسه كأستاذ، ومارسه كقاض في دائرة الحسابات، وتكفل به في الحزب سابقًا، ليكون هذا الملف هو الضريبة الحقيقية التي يدفعها اليوم مما جعله يفضّل الانسحاب من السباق الرئاسي خوفًا من فضيحة في الربيع القادم. حيث انخفضت شعبية هولاند بشكل كبير لدرجة أن استطلاعًا للرأي أجراه معهد "هاريس" لإذاعة "إر إم سي" مباشرة بعد إعلان هولاند عدم ترشحه أن 82% من الفرنسيين قابلوا قرار الانسحاب بالارتياح، مقابل 4% فقط أولئك الذين يودّون ترشحه للمرة الثانية.

اقرأ/ي أيضًا: اليمين الفرنسي ينادي فيون من بعيد: فخامة الرئيس

رئيس غير محظوظ أم فقد بوصلته؟

بغضّ النظر عن تقييم تعاطيه مع الملفات المطروحة على الطاولة، ربما يتفق الفرنسيون أن هولاند هو أكثر الرؤساء غير المحظوظين.

فشل هولاند في الملف الاقتصادي، هو ما جعله يفضّل الانسحاب من السباق الرئاسي خوفًا من فضيحة في الانتخابات القادمة

وربما للطرافة بدت أولى مؤشرات سوء الطالع منذ أول الساعات بعد انتخابه. ففي خضم الأزمة الاقتصادية وآثارها الحادّة التي لحقت بالاتحاد الأوروبي، توجّه هولاند بعد سويعات من إعلانه رئيسًا للبلاد لألمانيا للقاء المستشارة أنجيلا ميركل، غير أنّ طائرته تعرضت لصعق من البرق وهو ما اضطرّه للعودة لباريس ليستقلّ طائرة أخرى. وقد قام هولاند في زيارته الأولى بأخطاء بروتوكولية فكانت ميركل توجّهه أثناء مراسم استقباله، ومن حينها بدأ مسلسل السخرية على رئيس لم يكن محظوظًا طيلة 4 سنوات ونصف منذ دخوله إلى الإليزيه.

حيث مثل ملف الإرهاب الكابوس الحقيقي لهولاند إذ عرفت ولايته أحداثًا إرهابية هي الأكثر دموية في البلاد منذ الحرب العالمية الثانية، حيث خلفت سلسلة الهجمات الإرهابية 238 قتيلًا منذ كانون الثاني/يناير 2015. وقد انطلقت هذه السلسلة منذ هجوم شارلي إيبدو يوم 7 كانون الثاني/يناير 2015 إلى عملية اغتيال الأب جاك هامل يوم 26 تموز/يوليو 2016 مرورًا بهجمات باريس في تشرين الثاني/نوفمبر 2015 التي خلفت 130 قتيلًا وهجوم "شاحنة نيس" في تموز/يوليو 2016 الذي أودى بحياة 86 قتيلًا دهسًا.

ربما أشار هولاند لسوء حظه حينما قال في خطابه إن "النتائج قادمة ولكنها متأخرة بطريقة لم يتوقعها"، ولكن الحديث عن سوء الطّالع له حدوده على سبيل الطرافة في حديث جانبي بمقهى ولكن لا يمكن أن يتمثل كحجة لحوار سياسي في برنامج تلفزيوني يشاهده ملايين الفرنسيين. ففي إحدى هذه البرامج، وعد هولاند بأن يخفّض منحى تطوّر نسبة البطالة ولكن بالنهاية اطرّد هذا المنحى ارتفاعًا ويكفي لهذا الوعد أن يدينه اليوم.

وربما كان "الرئيس لا يجب أن يتحدث هكذا"، هو آخر المسامير في نعش ولاية هولاند، فذلك هو عنوان كتاب ألفّه مؤخرًا صحفيان فرنسيان من اعترافات قدّمها هولاند تضمنت تصريحات مثيرة للجدل شملت مثلًا مسألة الأمن القومي حينما قال إنه أعطى أوامر باغتيال شخصيات خارج فرنسا. كما شتم القضاة وهو ما جعله يقدم اعتذارًا لاحقًا. حيث بيّن هذا الكتاب ازدواجية مواقف هولاند بين المسكوت والمعلن عنه حتى أن وصف "السذاجة" كما يصفه بعض خصومه لم يعد يفي بالغرض، فهو بالنهاية ليس صادقًا وقد أخلّ بوعوده ببساطة.

وأن يفشل هولاند بأن يكون شخصية توافقية داخل المعسكر اليساري يعكس كذلك الجدل حول مدى التزامه بأدبيات حزبه وحدود تنفيذ مشروعه الطموح. فلم يظهر هولاند كرئيس اشتراكي، وذلك ما يقوله على الأقل خصومه داخل الحزب بما في ذلك من كان وزيرًا في حكومته الأولى. كما اختار هولاند وزيرًا أولًا من الحزب صرّح ذات يوم: "أنا لا أسأل نفسي كل صباح إذا ما كانت سياستي اشتراكية بل أسأل إن كانت ناجعة". ربما المسألة في هذا الجانب تتجاوز شخص هولاند لتكون أزمة تيار سياسي بأكمله، قد تحتاج لإعادة تأسيس فكري لتجاوزها.

بالنهاية ربّما ما هو مؤكد أن زمن الرؤساء "الكبار" قد انتهى في فرنسا. بعد الاشتراكي ميتيران واليميني شيراك، لم يعرف الفرنسيون رئيسًا حكم لأكثر من ولاية رئاسية واحدة. ينسحب الآن هولاند ليظلّ السؤال، هل يغادر الإليزيه من الباب الكبير أم الصغير؟ سيحسم التاريخ بهدوء بعيدًا عن الآني ولكن ما هو مؤكد أنه ينسحب "مكره أخاك لا بطل".

اقرأ/ي أيضًا:

 كيف تناولت الصحف فوز فيون في انتخابات اليمين؟

 فرنسوا فيون في الإليزيه.. من يدري!