"نوبل" لويز غلوك وضرورة إعادة النظر في علاقتنا بالشِّعر

لويز غلوك (سيغرد سترادا/أ.ب/الغارديان)

للسنة الخامسة على التوالي، وكما جرت عادة "نوبل للآداب" في السنوات الأخيرة، لن يكتمل أهمّ حدثٍ أدبيّ في العالم دون مُفاجأة. الجائزة العريقة والمُثيرة للجدل، خصوصًا خلال السنوات القليلة الأخيرة التي شهدت فوز أسماء أدبيّة غير متوقّعة أو موجودة ضمن لوائح مكاتب المُراهنات، مثل سفيتلانا أليكسييفتش، بوب ديلان، كازو إيشيغورو، أولغا توكارتشوك، بيتر هاندكه. ناهيك عن الفضيحة الجنسيّة التي هزّت الأكاديميّة السويديّة سنة 2018، بالإضافة إلى الانتقادات والاتّهامات التي طالتها بعد منحها الجائزة للنمساويّ بيتر هاندكه صاحب المواقف السياسيّة الإشكاليّة. عادت نوبل هذا الموسم بإدهاش جديد تجسّد بإعلان فوز الشاعرة الأمريكيّة لويز غلوك (1943) بـنوبل للآداب (2020) تقديرًا "لصوتها الشاعريّ المُميّز الذي يُضفي بجماله المُجرّد طابعًا عالميًا على الوجود الفرديّ".

لا يُمكن الحديث عن شعر لويز غلوك دون ذكر العناصر الأسطوريّة في القصائد التي شكّلتها. إذ لطالما لجأت إلى الأساطير الإغريقيّة والدينيّة الشرقيّة لتطعيم قصيدتها

أثارت الأكاديميّة السويديّة إذًا الجدل من جديد لا باختيارها اسمًا أدبيًّا من خارج لوائح الترشيحات أو التوقّعات، أو بتجاهلها المُستمرّ لأسماء أدبيّة عالميّة تتصدّر المشهد عند اقتراب موعد الإعلان عن الفائز، منها ميلان كونديرا، وهاروكي موراكامي، وبول أوستر؛ وإنّما بمنحها الجائزة لشخصيّة لا تتجاوز حدود شهرتها الولايات المُتّحدة الأمريكيّة إلّا نادرًا، إذ تُعدّ وكما وصفتها الصفحات الثقافيّة لكبريات الصُحف العالميّة، شاعرة مجهولة عالميًّا.

اقرأ/ي أيضًا: نوبل للآداب.. تاريخ من التسييس المتأصل والخروقات

لكنّ غياب غلوك عن المشهد الشعريّ العالميّ يُقابله حضورٌ قويّ داخل حدود الولايات المُتّحدة، كرّستهُ عبر 12 ديوانُا شعريًا بالإضافة إلى عددٍ من الكُتب النقديّة المُتعلّقة بالشِّعر وتحوّلاته، بيّنت فيها أو ترجمت عبرها نظرتها إليه وعلاقتها به أيضًا باعتبار أنّ أكثر ما فتنها به هو "الاحتمالات التي يُتيحها السياق الذي توضع فيه المُفردة". كما أنّ أكثر ما كانت تتجاوب معهُ هو "الطريقة التي تستطيع القصيدة من خلالها أن تُمارس فعل التحرير، عبر الإطار الذي توضع فيه الكلمة". 

تقول لويز غلوك إنّها اختارت اللغة البسيطة في كتابتها للشِّعر لأنّها تتوافق وشكل المُغامرة الشِّعريّة التي تخوضها منذ أكثر من نصف قرنٍ من الزمن، والتي تعود بدايتها بطبيعة الحال إلى ما قبل نشرها مجموعتها الشّعرية الأولى "البكر" (1968) التي عبّرت فيها عمّا تريدهُ من الشِّعر، أو ما الذي تريد أن تقولهُ من خلاله. إذ جاء عملها هذا وما تلاهُ ليكون أشبه بمساحة مفتوحة تشغلها أصوات مُـتحاورة مُختلفة ومُتّصلة بالحياة اليوميّة والعائليّة للشاعرة الأمريكيّة التي بدا أنّ قصيدتها شخصيّة حميميّة تميل لسرد تفاصيل حياتها بأسلوبٍ ساخر تختلف أشكالهُ وسياقاته أيضًا.

يقابل غياب غلوك عن المشهد الشعريّ العالميّ حضورٌ قويّ داخل حدود الولايات المُتّحدة، كرّستهُ عبر 12 ديوانُا شعريًا بالإضافة إلى عددٍ من الكُتب النقديّة المُتعلّقة بالشِّعر وتحوّلاته

ويُمكن الإضافة إلى المواضيع أو السمات التي شغلت غلوك في أعمالها المُبكِّرة تداعيات العلاقات الإنسانيّة الفاشلة، على اختلافها وتنوّعها بين حبّ أو صداقة أو حتّى علاقات عائليّة، على الذات البشريّة. بالإضافة إلى مسحة اليأس الوجوديّ ومُعاناة الذات، لا سيما الأنثويّة منها إزاء مواضيع حسّاسة مثل الأمومة أو مواجهة السلطة الذكوريّة ومُجاراة التحوّلات الراهنة وغيرها من السمات التي هيمنت تقريبًا على مجموعاتها الشّعرية التي كرّست صوتها الشِّعري ولغتها المُباشرة/ الواضحة والمُراوغة/ المُبطّنة في آنٍ معًا.

اقرأ/ي أيضًا: نوبل بوب ديلان.. إعادة تعريف الأدب

يتبيّن ممّا ذُكر آنفًا أنّ شعر لويز غلوك يدور حول نفسها بمعنىً ما، إذ يبدو في مضمونه وجوهره شخصيًّا لكونه مُتعلِّقًا بمسائل شخصيّة وداخليّة مُتّصلة بحياتها وعائلتها وطفولتها، الأمر الذي يمنح قصيدتها شكل مساحة تُمكِّنها من الاعتراف بتفاصيل مُختلفة مُتعلِّقة بتأثيرات/ تداعيات خلّفتها حوادث وتجارب مُعيّنة اختبرتها، أو علاقات ما ترتّب عليها خسائر رأت أن توظِّفها داخل تركيبة قصيدتها.


لويز غلوك سنة 2014 (روبين مارشانت/Getty)

ولعلّ المُثير للانتباه في تجربة الشاعرة الأمريكيّة هو أنّ قصيدتها الشخصيّة واليوميّة أُنجزت بنبرة تميل، رغم بساطتها، إلى الأسلوب الملحميّ. إذ يُمكن هنا القول بخصوص هذا الأسلوب أن غلوك أعادت صياغته بحيث تُشكّل أسلوبًا خاصًّا بها، يتوافق ومُغامرتها الشِّعريّة التي وصلت بها إلى حصد "نوبل". والتي لا يُمكن الحديث عنها دون ذكر العناصر الأسطوريّة في القصائد التي شكّلتها. إذ لطالما لجأت غلوك إلى الأساطير الإغريقيّة والدينيّة الشرقيّة لتطعيم قصيدتها ومنحها عدة مضامين مُتجدِّدة تمنح بدورها تجربتها هذه معنىً أشدّ اتّساعًا وقابلية لتأويلات وقراءات مُختلفة.

للسنة الخامسة على التوالي إذًا، تذهب "نوبل للآداب" إلى شخصيّة أدبيّة غير متوقّعة، مع فارق أنّ لويز غلوك تبدو مجهولة تمامًا خارج حدود بلادها، ولكنّ هذا لم يمنع أعضاء لجنة تحكيم الجائزة من اختيارها وتقديمها إلى العالم شاعرة تقول إنّها مُنشدّة إلى المحذوف. أو بجملةٍ أخرى، إلى الأشياء التي لا تُقال، والإيحاءات التي لا تنطق، أو الصمت الذي يمُكنها من كتابة قصيدة صامتة بدورها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"نوبل البديلة" تفضح قمع ابن سلمان.. 3 فائزين في الزنزانة

مجلة منهجيات.. مساهمة تربوية نحو تعليم معاصر عربيًا