نوبل للآداب 2018 و2019.. من التحرّش الجنسي والاحتجاب إلى التحرش السياسي

نوبل للآداب 2018 و2019.. من التحرّش الجنسي والاحتجاب إلى التحرش السياسي

بيتر هاندكه وأولغا توكارتشوك (ألترا صوت)

كعادة "نوبل" في كلّ موسم، لن يكتمل أهمّ حدثٍ أدبيّ في العالم دون مفاجأة. الجائزة التي أطلقتها الأكاديمية السويدية سنة 1901، غابت في 2018 دون أن تغيب مفاجآتها. صباح الرابع من أيار/ مايو 2018، أعلنت الأكاديمية السويدية أنّها لن تمنح جائزة "نوبل" للآداب. والسبب، فضيحة هزّت أروقة المؤسّسة التي تمنح "نوبل". فضيحة جنسية لعب دور البطولة فيها جان كلود أرنو، أحد الوجوه الثقافية المعروفة في بلاد الفايكنغ، وزوج العضوة في الأكاديمية كاتارينا فروستنسون التي قدّمت استقالتها بعد أن وُجِّهت لزوجها اتهامات عديدة، من ضمنها التحرّش الجنسي. سبقها استقالة 6 أعضاء من المؤسّسة العريقة، لتغيب "نوبل" في 2018، وتحضر المفاجأة/ الفضيحة بمفردها هذه المرّة.

كتبت أولغا توكارتشوك في "كتب يعقوب" قصّة يعقوب فرانك، أو المسيح الدجّال كما دأبت بعض الكتب التي أخذت على عاتقها تناول تاريخ بولندا

بإعلانٍ مُزدوج، وبِجُملٍ موجزة، أعلن السكرتير الدائم للأكاديمية السويدية ماتس مالم، أمس 10 تشرين الأول/ أكتوبر، فوز النمساوي بيتر هاندكه بـ نوبل للآداب (2019)، واصفًا أعماله بـ"المؤثّرة التي استكشفت خصوصية التجربة الإنسانية ببراعة لغوية". والبولندية أولغا توكارتشوك بـ نوبل عن سنة 2018 المؤجّلة، وذلك عن "خيالها السردي وشغفها الموسوعي الذي يقدّم تجاوز الحدود كشكلٍ من أشكال الحياة". بإعلانها عن أسماء الفائزين أمس، حافظت الأكاديمية الملكية السويدية على عادتها بمنح "نوبل" لـ"كتّاب الظل"، لا الكتّاب الأكثر حظوظًا. وينطبق ما سبق ذكرهُ على الكاتب النمساوي بيتر هاندكه تحديدًا، ذلك أنّ اسمه لم يكن في متن التوقّعات الموسمية المعتادة. على عكس البولندية اليسارية والمشاغبة توكارتشوك الحائزة على "مان بوكر" (2018) عن كتابها "الرحلات الجوية"، والمعروفة بمشاكستها للسلطة، وعدائها للسياسات اليمينية في بولندا وسائر بلدان القارّة العجوز.

اقرأ/ي أيضًا: "حمى" التحرش الجنسي تضرب في الأكاديمية السويدية.. نوبل للأدب عرضة للتأجيل

أولغا توكارتشوك... أو رحلة البحث عن الحقيقة

وجود أولغا توكارتشوك ضمن قائمة المرشّحين (غير الرسمية) لجائزة "نوبل للآداب"، بالإضافة إلى فوزها بجائزة "مان بوكر" سنة 2018؛ لا يعني أنّ نيلها لـ "نوبل" لم يكن مُفاجئًا، أو أنّه كان متوقّعًا كفاية. الكاتبة غير المعروفة عند القرّاء العرب، والقادمة إلى الرواية من فضاء الشّعر أيضًا، ذاع صيتها بعد صدور روايتها "كتب يعقوب" (2014)، حيث أثارت، أوّلًا، زوبعةً سياسية في بولندا. وصنعت، ثانيًا، من توكارتشوك رقمًا صعبًا في بلاد فيسوافا شيمبورسكا (نوبل، 1996). بالإضافة إلى أنّها جزء من الصورة التي تشتهيها الكاتبة البولندية لنفسها: كاتبة ومناضلة يسارية مناهضة لليمين، وتنتمي إلى جيلٍ عاصر الثورة الطلّابية الفرنسية أواخر الستينيات، عاشت في وارسو حينما كانت شيوعية، وكانت شاهدةً على آفول ذلك الزمن وانهياره.

كتبت أولغا توكارتشوك في "كتب يعقوب" قصّة يعقوب فرانك، أو المسيح الدجّال كما دأبت بعض الكتب التي أخذت على عاتقها تناول تاريخ بولندا في أوساط القرن الثامن عشر، على وصف الرجّل الذي ادّعى، ضمنيًا، النبوءة. بينما ادّعى أتباعه ومريدوه الذين تطوّعوا للدفاع عنه ضدّ سلطة الإمبراطورية البولونية التي آفل عصرها، أنّه مسكونٌ بـ "الروح القدس". تقول توكارتشوك أنّ العمل على هذه الرواية كان "نوعًا من أنواع الاستحواذ، حياتي الشخصية كاملة، كلّ أفكاري، أعطيتها لذلك الكتاب". وتُضيف: "مصير يعقوب فرانك تم مسحه من الذاكرة التاريخية للبولنديين واليهود، كان شخصًا غير مريح للجميع. بالنسبة لليهود كان مرتدًا، وبالنسبة للكاثوليك فقد كان شخصية محيرة". بينما تقول في الرواية نفسها: "أن تكون غريبًا يعني أن تكون حرًا، أن تكون خلفك مساحة كبيرة، هضبة، صحراء. أن تكون لك حكايتك الخاصّة، غير المخصّصة للجميع، بل نصّك الخاص مكتوبًا بالآثار التي تتركها خلفك".

حافظت "كتب يعقوب" لأولغا توكارتشوك على مكانتها التي لم تتمكّن "رحلات جوية" من انتزاعها منها

اقرأ/ي أيضًا: انسحاب هاروكي موراكامي من جائزة نوبل البديلة.. دعوني أكتب

على عكس المتوقّع، حافظت "كتب يعقوب" (2014) على مكانتها التي لم تتمكّن "رحلات جوية" (2018) من انتزاعها منها، لجهة الأهمّية والمبيعات بالإضافة إلى الشهرة أيضًا. ولم يُغيّر نيلها للبوكر العالمية من الواقع شيئًا. في الرواية الأولى، سجّلت أولغا توكارتشوك عودة إلى بولندا قبل الخرائط الجديدة. بينما ذهبت في الأخيرة نحو بولندا بشكلها الجديد المُتراوح بين زمنين؛ زمن الاحتلال النازي، والزمن الشيوعي الذي تلاه. وبين هذين الزمنين، هناك المحرقة التي طالت البولنديين اليهود وغير اليهود، والتي كان لها أثرًا كبيرًا على الشاعرة البولندية، لن يبدو واضحًا إلّا في أسلوب الكتابة عندها، وصياغتها لشخصياتها، ومحاولاتها القول إنّ الإنسان المثالي مات، وإنّ الجميع يسيرون نحو العدمية. وهي بذلك تميل إلى ما يًعرف عندها بـ "تحطيم قوالب المُثل الجاهزة"، دون أن تكترث بالعنف المبالغ فيه الذي يحدث ما ذكرناه عبره. لأنّ ما تكتبه صاحبة "سر بمحراثك على عظام الموتى" أقرب إلى مطرقة. ولأنّ أولغا توكارتشوك: "مكوَّنة من مجموع هذه الشخصيات التي خرجت من رأسي".

بيتر هاندكه... نوبل للآداب تكسر عزلة الكاتب النمساوي

إذا كان فوز أولغا توكارتشوك بـ"نوبل للآداب، 2018" أمرًا مُفاجئًا للبعض؛ فإنّ نيل الكاتب النمساوي بيتر هاندكه لـ "نوبل للآداب، 2019" عند البعض الآخر كان أمرًا صادمًا، وأقرب إلى ثورةٍ حدثت أمس في أروقة الأكاديمية الملكية السويدية التي، بمنحه الجائزة، أخرجت هاندكه مما اصطُلح على تسميته بـ"العزلة" التي عاشها صاحب "الشقاء العادي" وحيدًا ومُتجاهلًا لمدّة 13 عامًا. رقم كان ممكن أن يزداد لو أنّ ما حدث أمس، لم يحدث إطلاقًا.

هاندكه الذي يحلّ، وبحسب بعض النقّاد، خلف غونتر غراس (نوبل، 1999) مباشرةً من حيث أهمّيته كواحدٍ من كتّاب الأسلوبية الألمانية؛ وقف قبل 13 عامًا من الآن ليُفجّر ويسجّل فضيحةً شغلت الصفحات الثقافية لكبريات الصحف العالمية. حضوره جنازة الزعيم الصربيّ سلوبودان ميلوسوفيتش المُتّهم بلائحة جرائم طويلة، منها ارتكاب ممارساتٍ وحشية وإبادة جماعية بحقّ مسلمي البوسنة، كان خطوة مستفزّة من الكاتب النمساوي الذي لم يكتف بالحضور، بل آثر أن يزيد من سخونة الموقف بتبريره لأفعال ميلوسوفيتش، ووصفها بأنّها دفاع عن شعبه، وحماية للصرب أيضًا، مُعتبرًا أنّ هذا حقّه، وأنّ وجوده في جنازته ما هو إلّا إعلاءً لقضية الصرب المُحقّة.

حضر هاندكه جنازة ميلوسوفيتش وصفف جرائمه بأنّها دفاع عن شعبه

كانت نتيجة مواقف بيتر هاندكه (1942) الذي سار حينها بعكس الاعتذار، حجب جائزة (هاينرش هاينه) عنه، وإلغاء مدير أكبر المسارح الفرنسية، مارسيل بوزونّيه، لبعض عروض مسرحياته، وفرض فئاتٍ ومؤسّساتٍ مُعيّنة لعزلةٍ على صاحب "المرأة العسراء"، عنوانها التهميش والتجاهل أيضًا. وبين فئةٍ اختارت الدفاع عن هاندكه، وفئةٍ وقفت ضدّ ما أبداه من مواقفٍ وآراء أقرب إلى أن تكون يمينية؛ دعا بعض الكتّاب إلى الفصل بين شخصية هاندكه ككاتب وما أنجزه من جهة، وبين خياراته السياسية من جهةٍ أخرى. وعلى ما يبدو، فإنّ أعضاء الأكاديمية الملكية السويدية ملتزمين بهذه الدعوة. عدا عن أنّ الأكاديمية نفسها تعتبر أنّ الكاتب غير منخرط عمليًا في السياسة، وليس له أي برنامج سياسي.

اقرأ/ي أيضًا: في الذكرى 150 لميلادها.. تعرف على ماري كوري الحاصلة على نوبل مرتين

أدبيًا، ثمّة اجماع على أهلية هاندكه لنيل نوبل. الكاتب النمساوي الذي طُرد من إحدى المؤسّسات الدينية الكاثوليكية بسبب قراءته لكتاب "تحت شمس الشيطان" لجورج بانونس، وصرّح يومًا بأنّه مُصاب بـ"عدوى الدم الأسود للكاثوليكية"؛ أنجز أعمالًا أدبية وصفها بعض النقّاد بأنّها نموذجٌ جميل وفذّ ومحكم لكتابة الأزمة التي تحمل، في منهجها السردي، ملامح قوية من أسلوب الألماني غونتر غراس. إنّها، في مكانٍ ما، أعمال تؤلّف الحياة من مجموعة أحداثٍ منعزلة عن بعضها البعض. أمّا السبب، فلا يبدو واضحًا، ولا يبدو أنّ عدم ترابطها فيما بينها، أو غياب قانون ما يتولّى تسييرها، سببًا مقنعًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

نوبل للآداب 2017 لـ كازو إيشيغورو

فيديو: قصة بوب ديلان وجائزة نوبل