نصوص في الحب والحرب

نصوص في الحب والحرب

أسامة دياب/ فلسطين - سوريا

الوصية

كان ممثلًا قل نظيره، يجمع بين مزايا ثلاث: الموهبة، الوسامة، والذكاء. امتلك خشبة المسرح بطغيان حضوره الآسر، أدواره المنتقاة، تعابيره المدروسة، وبجسده الطويل المتناسق، وبشرته الحنطية النظيفة، وعينيه البنيتين المهذبتين والفاحشتين، فما أن يصعد الخشبة حتى يسود صمتٌ مطلق، تشرع له الآذان، وتشخص له الأنظار، وينتهي العرض بتصفيق حاد. لقد ولد ليتألق، ليبدع، وليخلق الأدوار المكتوبة مرة بعد مرة، وأيضًا ليحطم قلوبًا كثيرة.

ثم تهافتت عليه عروض السينما، وسطع نجمه في كل البلاد، وبسبب ضغوط العمل صار يشرب النبيذ بكثرة، ويضاجع الفتيات مثل ثور هاج، ويدخن كقطار لا وجهة له.

استمر الأمر كذلك حتى عندما قابل إلهامَ ووقعا في الحب. وفي الواقع لقد أحبها كما لم يحب من قبل، وذلك حين اجتمعا في عمل سينمائي، لقد سقط صريع سمرتها الجذّابة وعينيها اللوزيتين ومرحها الدائم، هذا المرح الذي بات يخبو بمرور الوقت، ويتحول إلى حزن ومرارة. كان على إلهام أن تبتعد وتدعه يذهب، ليس لخياناته المتكررة، بل لأن حبهما صار أيضًا يمتصه ويضعفه ويقلقه، رغم محاولاته الجاهدة في الحفاظ على علاقته بها، لكنها غادرت حتى تدعه يندفع بقوة إلى حيث ينتمي، إلى حيث خُلق ليكون، على المسرح وأمام جمهوره، حُراً، لا لأحد، لا يكبله أمرٌ، ولا يضعفه شأنٌ.

كانت إلهام تخبو كلما مر بها العمر، بينما كان يزداد هو ألقًا كلما مرت به الأيام والسنون.

في أمسيات كثيرة اعتادت تقليب صورهما معًا، والتّمعن في قصاصات الجرائد التي تحمل صوره، والمقالات التي تتحدث عنه، كانت قد وضعتها كلها في ألبوم جلدي أسود باذخ، ثم ينتهي بها الليل وهي تشاهد مسرحياته أو أفلامه، وتنام على صوته الذي كان يتسرب إلى نفسها مثل نسيم منعش في ظهيرة قائظة.

حين توفي الممثل الشهير في عقده الخامس، تناقلت عنه عائلته وأصدقاؤه، ثم الصحف والمجلات، وصيةً غريبة: أن توضع بشكل دائم أعواد قرفة على قبره.

لأعواد القرفة حكاية سرية بينهما.

 

بالون

في تلك الليلة، كانت النجوم تَعُدُّها، وهي تنظر في السواد المحموم. انخلع باب البيت بغتةً، ودخل منه رجلان حليقا الرأس، طويلا الذقن، موشومان، مفتولا العضلات، وينفخان كثور.

"الشريط السينمائي، المبتذل، سأمر من أمامه" أفضت لنفسها. ولأنها على يقين بحتمية الموت، خلافًا لسائر البشر، كانت قد جهزت بعض الأشرطة مسبقًا، في تحدٍ له ولها.

دار أول شريط سقطت فيه، وهي تنظر بحيادية إلى الدماء التي تزبد فوق جسدها، تظهر فيه يتيمة كديك منتصب على سقف طاحونة قديمة، وينقر الصقيع. الشريط الثاني تَفني فيه أشرار المدينة على طريقة الأفلام الأمريكية وبأسلوب ستيفن سيجال، والشريط الثالث تصدح منه أغنية عبد الحليم "قارئة الفنجان" وهي نائمة في قصر مرصود، وكلاب تحرسه وجنود. الشريط الرابع لا يعمل لأسباب تتعلق بالرطوبة، والشريط الخامس خطاب ناري لأدولف هتلر، ترافقه بعض الصور المتحركة لشفتين وقلوب حمراء خصيصاً لعينيه الجميلتين، ونكاية بالعالم الذي يدّعي الانسانية. والسادس يغتصب فيها يحيى شفتيها بقبلة طويلة كتلك التي أخذها عنوة من لميس. والسابع صور لمدن دُكت حتى الأرض، وأضاعت فيها أولادها الذين لم تلدهن يوماً *

ما انفكت تدور في رأسها جميع الأشرطة التي خبأتها ليوم كهذا، وعلى الرغم من أنها لم تتسلَّ يومًا برسم تفاصيل موتها، إلا أنها، ومن غير بُد، ما كانت لتحزر أبدًا، أنها ستذبح كدجاجة، إسوة بعشراتٍ من أهالي الحي، انتقامًا وإخضاعًا. استسلمت بسهولة لفضائها الغارق في حمرته التي فاضت عنها، وكأنها طافت عن جسدها، وعامت في الفراغ. نظرت إلى كفها، وكم تمنت بشدّة.. بشدة، لو أن أحدهم يُحضر لها بالونًا، ويضع خيطه في يدها.  

 

النعنع البري

بعد أن اتخذ قرارًا يستوجب ضرورة النسيان، حاول التخلص منها بشتى الوسائل. أغرقها في بحور أشعاره، اغتالها في نهايات قصصه، دفعها عن حافات الفصول في رواياته، وشكّلها تكوينًا لجثة في لوحاته.

إلا أنّهُ ما استطاع النسيان.

فهرع إلى غيرها من الجميلات، أمطر على شفاههن، أرعد على أجسادهن، احتسى من بلسم الرمان المخبأ في أكوار جيوبهن، ونبيذ التفاح المخمر في زوايا أعناقهن. لكن حضورها الخفي ما فتئ ينقض عليه كمنقار وروار صغير، يرفش ندوبًا على جسده، ويطير.

استبدّ الزمان على الجراح، فتهالك لفوضى الأقدار. غيرَ أنّهُ ذات ربيع، ذُهل لرؤية النعنع البري يُزهر من ندب نائم ليتسلق شرفة الصباح. 

 

بورتريهات

منذ اندلاع الأحداث في البلاد قلّما غادر مرسمه الكائن في أحد أزقة دمشق القديمة، والذي انطوى فيه كشبح صامت يرسم ليل نهار حتى يُنهك، وكلما ازدحم المرسم باللوحات وضاقت مساحته، شعر الفنان العجوز برحابة المكان، وانعدام الجدران في فضاءات واسعة مفتوحة.

في السنوات الأخيرة، انشغل بموضوع البورتريهات، ورسم نساء قفزن من الذاكرة، من قريته الصغيرة التي لا تُرى على خريطة البلاد، نساء ملفوحات بالشمس والريح، مُطيباتٍ بالحنطة والسعتر والنعنع البري، في عيونهن المُكحلة شهوة للحب وعلى شفاههن الطرية دعوة للقُبل، في دواخلهن وعلى امتداد الجسد استوت قرى وحقول وهضاب رُسمت بألوان مُشرقة طازجة، صيّرتها الحرب، مع مرور الزمن، إلى قهر ملطخ بالأسود، ورُكام مصبوغ بحمرة الدم.

تحدث الفنان معهن طوال الوقت، وأصغى لحكاية كل امرأة مع الفقد والتيه، استمع إلى أغنياتهن الحزينة ومواويلهن التي بصقت على وجه الحرب.

في مساء تشريني بارد، ذهب إلى فراشه وأغمض عينيه إلى الأبد، دون ضجيج.

وحدهن، أولاء النسوة، من خرجن في جنازته.

 

أمسية

ينبض الشوق في عروقها، فتستحم بالماء الدافىء حتى تتفتح خلايا بشرتها وتتورد. وقبل أن ترتدي فستانها الليلكي، العاري الكتفين، تدهن جسدها بزيت اللوز الحلو. ثم تجلس إلى المرآة، وتعقص شعرها المتموج إلى الخلف، تفتح صندوقًا خشبيًا مُطعمًا بالأصداف، وتخرج منه أدوات زينتها، تضع الكحلَ في عينيها، وأحمرَ الشفاه القاني على شفتيها، تنثر القليل من عطر خشب الصندل وراء أذنيها، ثم تعلق فيهما قرطين يتدليان وينتهيان بلؤلؤة في فم السلمندر الفضي المفتوح.

تحت قبة السماء الداكنة المزدحمة بنجوم متوهجة، تجلس معه في الفناء الخلفي للمنزل الريفي، وتبقى صامتة في حضرته لساعاتٍ طويلة. عند منتصف الليل تطبع قبلة رقيقة على جبينه، وتضع أعوادَ لافندر في محجره، وقرب شجرة التفاح الهرمة تعيد الجمجمة إلى القبر. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

ضربة فرشاة على قماشة البحر

درعا التي خلقها الله ليلًا