ميناء يافا.. أغنية المسافر

ميناء يافا.. أغنية المسافر

ميناء يافا (ويكيبيديا)

يتأمل مشهد المسافر البعيد، حقائبه المعدة للسفر، الميناء، المقهى عند الزاوية، زجاجه البلوري الذي يستشف البحر والموج من ورائه، كلمات أمه الأخيرة : "متى ستعود، هل نسيت الثياب الثقيلة، جواربك القطنية، شالك الصوفي، الإنجيل الصغير، هل سفر المزامير معك، أيقونة العذراء، هل قلبي معك – تبكي – متى ستعود، مرة أخرى تسأل متى ستعود يا صغيري؟".

يميل المتأمل النظر إلى اليمين، يراه وحيدًا، عيناه تبكي في صمت، حقيبة صغيرة على الظهر كل إرثه، ورقة مطوية تحمل رسالة أخيرة من أحدهم، حملت بداخلها شيئًا ما، هذا الشيء الذي لم يجعل أحدًا ينتظره في توديعه، قالت الرسالة: "تعزياتي في استشهاد أبيك أمك وأخوتك في غارة جيش الاحتلال الأخيرة علي غزة، عمك ينتظرك في هامبورغ، لا تنس سلامي إلى عكا، ولا تنس المرور على ميناء يافا، ستجد بالقرب منه شخص ينتظرك سيصل إليك بمجرد الانتهاء من قراءة تلك الرسالة، أخبرته أن يأتي إلي بصورة جدك فإني أفتقده كثيرًا".

يميل المتأمل النظر إلى الشمال، حيت ترتفع المئذنة أمامه، ومن خلفها أجراس الكنائس، يري أشكنازي مسن عابر في الطريق، يتلو ما يتلو، لعله يصلي لإسرائيل، ويمجد إلهه القوي على نعمة أرض الميعاد، الأرض التي تفيض لبنًا وعسلًا، أو يترحم على أمه في مذابح هتلر النازية، يدمع وهو يتذكرها صباحًا كيف أخفته عن جنود الفوهرر، كيف كانت صرخات أمه الأخيرة حتي يتركوا أخته التي اغتصبوها كثيرًا أمام عين والدها ثم ساقوها بدم بارد إلى الأفران النازية. 

يتحرك المتأمل من مقعده أمام النافذة الزجاجية التي تطل علي مرسى السفن الشرقية لميناء يافا، الذي أصدرت قوات الاحتلال قرار بتحويله إلى ميناء ثانوي في 1965، لرسو القوارب الصغيرة عليه، هناك صيادون في وقت الغلس، يرمون الشباك مرة تلو الأخرى.

يري المتأمل، المسيح يصعد علي سفينة بطرس ويعظ الجمع على الشاطئ، شاهد مريم المجدلية بين الجموع تراقبه في صمت، يراها وحيدة في المساء تبكي، وتسأل هل يقبل المسيح أمثالي؟ لم تعلم بعد أنه كان يفتش عنها!

يفيق المتأمل من خيالاته، تفتح باب المقهى سيدة شامية، ألتف رأسها بشال صوفي ثقيل مزدان بألوان الزيتون، تأخذ في الولوج السريع إلي الداخل، حتى تحتمي من نوة المتوسط الشديدة في شهر كانون، عيناها خضراوان، نعم كخضرة ذاك النهر البلوري الذي سنعبره حتى نصل إلى الفردوس.      

تجلس إلى المقعد المقابل له، جوار باب المقهى المقابل للميناء، تخرج من حقيبتها شيئًا، نعم أنه ناي، ناي نحاسي متوسط الطول، يجتمع إليها أنظار الجالسين، تتعلق أذنهم بيديها، كما يتعلق القتيل بعين قاتله في اللحظات الأخيرة، ثم بدأت النفخ، تحول الناي في يديها إلى أفعى، ثم صدرت عن أحدهم زفرة قائلًا: "تكلمي يا فلسطين".

يقول المسافر للمسافر: "لن نعود كما ذهبنا لن نعود ولو لماما".

 

اقرأ/ ي أيضًا:

البلاد ذات الظل الطويل

إنها الأجمل