ميشيل كيلو.. كانت أحلامنا متسعة وأوطاننا ضيقة

ميشيل كيلو.. كانت أحلامنا متسعة وأوطاننا ضيقة

الكاتب والمناضل السوري ميشيل كيلو (Getty)

نودّع ميشيل كيلو. لقد سبق لنا وودعناه، وسبق له وودعنا. لم نكن موجودين منذ اللحظة التي باتت الحياة في سوريا مستحيلة. منذ اللحظة التي أصبحنا نراقب فيه غدنا ونعرف أننا لا نملك من أمر تقريره شيئًا. ميشيل كيلو استمر في المحاولة، مثله مثل كثيرين غيره. وربما نحن أيضًا فعلنا الشيء نفسه بدرجات متفاوتة. لكننا جميعًا كنا وحيدين، يستوي في ذلك من ظن نفسه محتشدًا ومكتظًا، ومن أدرك أنه سيعيش بلا ماض ما تبقى له من أيام على هذه الكرة.

لم نصبح مواطنين في بلاد ثانية، لأننا مثقلون بما كنا عليه، ولم نستمر مواطنين في بلداننا، لأننا كنا نحلم فيها ونتجنب العيش الذي كان ضيقًا أصلًا

الذين يرثون ميشيل كيلو، يرثون أولًا ذلك الرجل الذي كانه في سوريا، يوم كان أمثاله ما زالوا يحلمون. ولم ينتقلوا إلى مرحلة تحقيق الأحلام، وهي المرحلة التي يصبح فيها المرء مستبدًا على نحو ما، لأنه يعرف أن خسارته ليست فردية وحسب، بل هي خسارة عامة وعميمة.

اقرأ/ي أيضًا: ميشيل كيلو.. وفاة مثقف قارعَ الاستبداد نصف قرن

وكلنا على نحو ما فعلنا الشيء نفسه، خاصمنا أصدقاءنا ورفاق دربنا، لأننا كنا نحسب أن الدرب الذي نقترحه لتحقيق الحلم هو الدرب الأسهل والأضمن لتحقيقه. وكانت هذه الدرب دروبًا لا تحصى، لكنها جميعًا محفوفة بالمخاطر. لقد فرقتنا أحلامنا يا صديقي، ومتنا جميعًا كل في منفاه أو عزلته، ولطالما عدنا بوصفنا ذكرى ما كنا عليه. موت ميشيل كيلو اليوم يسمح لنا نحن الذين متنا من قبل أن نخرج من قبورنا للحظات ونعلن موقفًا. وأسوأ ما في هذا الخروج، أن معظمنا يخرج ليقول: وداعًا ميشيل كيلو. هل ما زال الأمل قائمًا حتى نودع الذين رحلوا؟ أجزم أن الأمل الذي كنا نحسبه أملًا مات في اللحظة التي لم تعد سوريا معه مرشحة وقابلة لأن تتسع لكل مواطنيها وأهلها. لهذا ربما يجدر بنا أن نفكر مليًا في معنى هذا الوداع. هل يعني أننا في غمرة وحدتنا الساطعة كنا نسيناه لنتذكره اليوم ونقول له وداعًا؟ ألم يختر كل منا طريقه الضيقة جدًا جدًا، ويسير فيها من دون أن يلتفت إلى الخلف؟ ألم نكن نرى في كل محاولة للعودة إلى ما كنا عليه قبل القيامة السورية مضيعة للوقت والجهد، وإسهامًا مباشرًا أو غير مباشر في زيادة عذاباتنا واقتراح رحلة عذاب تشبه رحلاتنا على من لم يباشرها بعد؟

ميشيل كيلو الذي أمضى جل سنواته وهو يحلم أن يتسع بلده لكل أهله، مات في المنفى. وحين نذكر اصطلاح المنفى، فإنما نعني به هذه الفسحة الضيقة التي نلتزم العيش فيها بوصفنا لا نستطيع أن نفعل غير البكاء على أحبتنا والمطالبة بإنصاف الذين ظلموا. لم نصبح مواطنين في بلاد ثانية، لأننا مثقلون بما كنا عليه، ولم نستمر مواطنين في بلداننا، لأننا كنا نحلم فيها ونتجنب العيش الذي كان ضيقًا أصلًا. كانت أحلامنا متسعة وأوطاننا ضيقة، وكنا جميعا نبحث عن سماء أعلى وأرض أرحب. لكننا حين غادرنا، إلى السماوات المتسعة والأراضي الرحبة بلا حد، لم نفعل سوى ملازمة تلك الفسحة الضيقة من الحياة التي كنا نناورها ونرفض الانصياع لمتطلباتها طوال الوقت.

بموت ميشيل كيلو نعاين رأي العين، كيف يستطيع بضعة شذاذ آفاق وقتلة أن يقتلوا أرضًا ويدفنوا أهلها في المنافي

بموت ميشيل كيلو نعود إلى أوطاننا الضيقة للحظات تكفي لذرف دمعة على أنفسنا أولًا وعلى من نحبهم ثانيًا، ونعاين رأي العين، وللمرة المليون ربما، كيف يستطيع بضعة شذاذ آفاق وقتلة أن يقتلوا أرضًا ويدفنوا أهلها بعيدًا عنها في المنافي.

اقرأ/ي أيضًا: صرخة ميشيل كيلو "الثورة ليست بخير" تثير ردودًا متباينة

كلنا سوريون، ذلك أنه لتكون سوريًا اليوم لست بحاجة لأن تكون عشت شطرًا من حياتك الضيقة في دمشق أو حلب. رابطة الانتماء إلى سوريا اليوم تشترط أن تكون من هؤلاء الموتى الذين لم تعلن وفاتهم بعد.

 

اقرأ/ي أيضًا:

برهان غليون: الرهان دائمًا على الشعب

الثورة السورية.. السرديات والسرديات المضادة