موجة الحراك الجزائري الثالثة.. تنوع أكثر وخطاب أوضح

موجة الحراك الجزائري الثالثة.. تنوع أكثر وخطاب أوضح

قد يدخل الحراك الشعبي في الجزائر إلى مرحلة العصيان المدني (فيسبوك)

لم يكن الحراك الشّعبيّ الجزائريّ في جمعته الثّالثة، يشبه نفسه في جمعتيه السّابقتين، من ناحية كثافة المشاركين. إذ قدّرت مصادر عدد المشاركين في الجزائر العاصمة وحدها بثلاثة ملايين، ومن ناحية انضمام العنصر النّسويّ بمناسبة اليوم العالميّ للمرأة، ومن ناحية تعزيز الرّوح السّلميّة، التي يبدو أنّها تحوّلت إلى إجماع شعبي.

تأكّد من خلال الشّعارات المرفوعة، إصرار الجزائريين المشاركين في الحراك على نأيهم عن الأطراف التّقليديّة في تسيير شؤون مسيراتهم وطبيعة مطالبهم، مثل الأحزاب والمنظمات

حماس صارخ

كان الموعد المتّفق عليه بين النّشطاء للمسيرات الشّعبيّة الثّالثة في حدود السّاعة الثّانية بعد ال، على أن تنتهي في حدود السّادسة مساءً، غير أنّ كثيرًا من الشّوارع في كثير من المدن، مثل الجزائر العاصمة وبجاية ووهران وتيزي وزّو، بدأت تكتظّ بالمتظاهرين بدءًا من السّاعة العاشرة صباحًا، من غير ترديد للشّعارات احترامًا للموعد المتفق عليه.

اقرأ/ي أيضًا: احتجاجات الجزائر تتوسع وبوتفليقة يناور

ويقرأ الإعلاميّ تقيّ زيّان هذا السّلوك من زاوية أنّ خروج المرأة الجزائريّة في عيدها العالميّ ساهم في حقن الحراك بجرعة إضافيّة من الحماس، "فهي أرادت أن تثبت وجودها بعد جمعتين شبه ذكوريتين، لتقول إنّ تفوّقها في الحياة الجزائريّة، خاصّةً في مجالي الدّراسة والعمل، خلال العشريتين الأخيرتين، يجب أن يُترجم في الحراك، من خلال خروجها الكثيف وقيادة أسرتها في الجمعة الثّالثة".

يرصد زيان لـ"ألترا صوت" بعض مظاهر تلك القيادة بالقول: "كانت المرأة الجزائريّة في الجمعة الثّالثة من الحراك مرفوقةً بأولادها وزوجها وكبار السّنّ من أقاربها، لتقول إنّ الأطراف، التّي كانت تُعيق خروجها سابقًا أصبحت تُرافقها فيه حاليًا، كما أنّها كانت تصرخ بأعلى صوتها لتثبت أنّه ثورة وليس عورة، وأنّها لم تكن تكتفي بالشّعارات المرفوعة في الجمعتين السّابقتين، من طرف الشّباب والرّجال، بل ابتكرت شعاراتٍ خاصّةً بها، لتؤكّد عدم تبعيتها المطلقة، فهي شريكة وليست تابعة". يضيف: "لقد طعّمت الحراك أيضًا بعنصر الزّغاريد، وكان الرّجال والشّباب يتفاعلون بحماس أكبر بعد ذلك".

روح المنافسة

خلال الجمعتين السّابقتين، كان المتظاهرون يلتقون مباشرةً في مكان معيّن، عادةً ما يكون السّاحات المقابلة لمقرّات الولايات/ المحافظات، بالنّظر إلى رمزيتها، فهي في حكم مقرّ رئاسة الجمهوريّة بالجزائر العاصمة، غير أنّهم في جمعة الثّامن آذار/مارس تحاشوها، في إشارة إلى أنّهم لم يعودوا يُراهنون عليها في الاستجابة لأصواتهم، بعد مماطلة المحيط الرّئاسيّ في ذلك، بل كانوا يتوقفون مطوّلًا عند المؤسّسات العسكريّة، مثل مقرّات الشّرطة والدّرك الوطنيّ، ويُردّدون شعار "الشّعب الجيش.. خاوة.. خاوة"، أي إخوة، في رسالة منهم إلى مؤسّسة الجيش بضرورة وضع حدّ لتعنّت محيط الرّئيس.

وكما من الملاحظ أيضًا أنّ المسيرة الكبرى في الشّارع الرّئيسيّ للمدينة باتت تكبر بروافد بشريّة تأتيها من الشّوارع الأخرى، إذ يخرج شباب كلّ شارع في شكل مسيرة صغيرة خاصّة بهم، تذوب في المسيرة الأمّ لاحقًا، بما يُشار إلى أنّ الجزائريين تشرّبوا الإيمان بالحراك السّلميّ، وباتوا يرونه نافذتهم للإطلالة على الانعتاق من حكم أرهقهم على مدار عقود، فهم يتنافسون في إثبات مشاركتهم فيه.

روح الاستقلاليّة

تأكّد من خلال الشّعارات المرفوعة، إصرار الجزائريين المشاركين في الحراك على نأيهم عن الأطراف التّقليديّة في تسيير شؤون مسيراتهم وطبيعة مطالبهم، مثل الأحزاب والمنظمات، رغم التحاق بعضها صراحةً بالحراك، وانسحابها من السّباق الرّئاسيّ، الذّي يُصرّ المحيط الرّئاسيّ على تنظيمه في الـ18 من نيسان/أبريل الدّاخل.

في مشهد آخر دلّ على استقلاليّة الحراك من التّبعيّة السّياسيّة، طرد متظاهرون في الجزائر العاصمة اللّواء المتقاعد علي غديري، بسبب رفضه الانسحاب من السّباق الرّئاسي، بما يعطي، حسبهم، مصداقية لانتخابات بوتفليقة، التّي يرفضونها جملة وتفصيلًا، كما أثارهم تكليفه لمدير حملته المحامي مقران آيت العربي بتقديم ملفّه للمجلس الدّستوري، عوضًا عن تقديمه بنفسه، بما جعل شباب الحراك يفهمون أنّ الرّجل رفع الحرج عن جماعة بوتفليقة، الذّي لم يستطع تقديم ملفّه بنفسه، فناب عنه مدير حملته الجديد عبد الغني زعلان.

روح السّلميّة

تداول الجزائريّون عبر مواقع التّواصل الاجتماعي، صورًا ومشاهد، تناقلتها بدورها الفضائيات المستقلّة، ظهر فيها تنوع في خلفيات المشاركين، فظهرت المرأة الأمازيغيّة إلى جانب العربيّة والمحجبة وغير المحجبة، والنّاطقة بالفرنسية إلى جانب النّاطقة بالعربيّة والعاملة إلى جانب الماكثة في البيت والجامعيّة إلى جانب محدودة التّعليم، من غير أيّة فوارق تُذكر.

كما بادر الشّباب إلى توزيع الحلوى على الأطفال والورود على النّساء والماء على المتظاهرين. وبادر الفنّانون من الشّباب إلى تغذية المسيرات بالموسيقى والغناء والرّقص، بما حوّلها إلى عرس شعبيّ كبير خلا تمامًا من التّدافع أو التحرش رغم كثرة الأعداد المشاركة.

من هنا، كان واضحًا في المجالس الواقعيّة والافتراضيّة للجزائريين استكنار إقدام طائفة من الشّباب على تخريب مدرسة ومتحف في الجزائر العاصمة، والاعتداء على الشّرطة بالحجارة والسّلاح الأبيض، بما فُهم على أنّه فعل مدبّر من جهات موالية للجماعة الحاكمة، "حتّى يُشوّهوا سلمية الحراك، ويزرعوا الخوف من العودة إلى مربّع العنف والإرهاب، فقد كان هذا خطابهم منذ البداية"،  كما يقول النّاشط فارس بن عبد الرّحمن.

ويسأل محدّث "ألترا صوت": "لماذا حدث هذا للمرّة الثّانية على التّوالي في الجزائر العاصمة دون سواها؟ لماذا لم يحدث للمرّة الثّانية أيضًا إلّا بعد انتهاء المسيرة؟ لماذا لم يتعمّم على العاصمة وبقي في كلتا المرّتين محصورًا في بقعة معيّنة؟". ليخلص إلى القول: "مثلما لم يكونوا أذكياء في الاستجابة لمطالب الحراك، كانوا أغبياء في محاولة تشويه سلميته".

اقرأ/ي أيضًا: حين تتحدّث الفتاة الجزائرية..

روح العصيان

انكشاف نيّة الجماعة الحاكمة، التّي اصطلح شعبيًّا على تسميتها بـ"العصابة"، تشويهه سمعة الحراك من خلال افتعال عمليات تخريب، ومسارعة التّلفزة الحكوميّة إلى نقلها، وتأكيد مجلّة "الجيش"، في عددها الصّادر أمس الجمعة، انحياز المؤسّسة العسكريّة لانتخابات نيسان/أبريل الدّاخل، شكّل بالنّسبة للحراك إشاراتٍ على أنّ المحيط الرّئاسيّ مستمرّ في تعنّته والإصرار على الاستمرار في الإشادة بسلمية المظاهرات من غير الاستجابة لمطلبها، فظهرت دعوات لقيت استجابة لا بأس بها في مواقع التّواصل الاجتماعيّ إلى الدّخول في العصيان المدنيّ.

برز تنوع في خلفيات المشاركين في الاحتجاجات الجزائرية، إثنيًا وجندريًا وثقافيًا ومناطقيًا

تتجلّى مظاهر هذا العصيان، حسب المنشورات، في التوقّف عن الدّراسة في كامل أطوار التّعليم، لمدّة خمسة أيّام، والتوقّف عن العمل في الوظيفة العموميّة والقطاع الخاصّ، ما عدا الوظائف الحيويّة، مثل القطاع الصّحيّ، وعدم تسديد فواتير الماء والغاز والكهرباء، فهل سيتفاعل الجزائريّون مع هذا الخيار، مثلما تفاعلوا مع خيار التّظاهر؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

 بالسخرية والاحتجاجات.. جزائريون يرفضون العهدة الخامسة لبوتفليقة

"مكاني أينما أريد لا في المطبخ".. جزائريات يركضن ضد التحرش والتنميط