موت وميلاد أحزاب أوروبا.. تحولات حاسمة

موت وميلاد أحزاب أوروبا.. تحولات حاسمة

تشهد طبيعة الأحزاب في أوروبا تحولات بنيوية (Getty)

لو قمت بأخذ جولةٍ سريعةٍ في عناوين التقارير والتحليلات في السنوات الخمس الأخيرة، أو حتى ما أبعد من ذلك، فلعلك ستلاحظ عددًا وافرًا من التقارير المعنونة بـ"صعود اليمين المتطرّف" أو عنوانًا آخر يُضمِر نفس هذا المعنى.

تجرّع النظام السياسي في فرنسا ضربة مزدوجة، فكان الرئيس الفرنسي إيمانيول ماكرون هو من زرع أول فتيل في الانتخابات الرئاسية عام 2017، ومن ثم كانت الانتخابات الأوروبية التي كانت أقرب إلى قنبلة عنقودية لا تزال تتكشّف عن مزيدٍ من التداعيات

من زاويةٍ أخرى، يمكن أيضًا النظر إلى الاحتجاجات الشبابية التي طافت عددًا من عواصم أوروبا والعالم في فترةٍ سابقةٍ من هذا العام، مطالبةً بمواجهة حكومات العالم لمشكلة التغير المناخي التي جسّدت قضيةً أخرى أرّقت بال العالم.

اقرأ/ي أيضًا: الصفحة الأخيرة لماتيو رينزي.. تمزيق التحالف مع اليمين الشعبوي

ليس ذلك بأي حال انفصامًا عن الواقع، فقد كانت هذه بعضًا من بين عددٍ من التغيرات البارزة التي طرأت في المشهد السياسي الأوروبي في الآونة الأخيرة، والتي مسّت نواة المعادلة السياسية الأوروبية. وكانت هذه التغيرات في مضمونها انعكاسًا للقضايا والتطورات الكبرى التي واجهها العالم بصفةٍ أوسع وصلت تداعياتها إلى أوروبا، من سؤال الاقتصاد إلى قضية الهجرة وتغير المناخ وغيرها.

تستهل سيلفي كوفمان، الصحفية الفرنسية المخضرمة، مقالتها التي كتبتها لصحيفة نيويورك تايمز بدراسة حالة فرنسا وتجليات هذه التغيّرات على المشهد السياسي الفرنسي المتبعثر بصورةٍ متزايدة، وتتبع هذه التخبطات في بلدانٍ أوروبيةٍ أخرى، بين الصعود المستمر لحركات اليمين ومحاولة الوسط إعادة اكتشاف نفسه، وفقدان مبادئ الديمقراطية الاشتراكية لشيءٍ من بريقها، والانقلابات والتغيّرات في خضم كل ذلك.

تنتقل كوفمان بعد ذلك إلى النظر إلى هذا الميلاد السياسي الجديد الذي أثمرت عنه هذه التغيرات، وكيف كان للقضايا البيئية تحديدًا أن تفرض واقعًا سياسيًا جديدًا جلب معه حركاتٍ وأحزاب قامت في جوهرها على هذه الأسئلة البيئية، وكان لها، في ظلّ إلحاح هذا السؤال على الذهن العالمي بكليته، أن تكتسب شعبيةً لافتةً بين الناخبين الشباب تحديدًا، مع إقرار الأحزاب التقليدية من جهةٍ أخرى بضرورة تخصيص مساحةٍ أوسع لهذه القضية.


تشارك الأحزاب والمجموعات السياسية، كما ينصّ الدستور الفرنسي في مادته الرابعة، "في ممارسة حق الاقتراع. ويتم تشكيلها وتمارس أنشطتها بكل حرية. ويتعين عليها احترام مبادئ السيادة الوطنية والديمقراطية".

لم يُلقِ الجنرال تشارلز ديغول، عندما طُلِبَ منه الإشراف على صياغة دستور فرنسا 1958، بالًا للأحزاب السياسية التي لم يرَ فيها سوى رواسب الأنظمة البرلمانية البائدة التي تلاطمتها أمواج عدم الاستقرار. ولكن وجود الأحزاب جزء جوهري من معادلة ديمقراطيةٍ مثمرة، وعلى هذا كان لا بد من إدراجها في نصوص القانون الأساسي بالرغم من أن الاعتقاد كان بأن دورها لن يتجاوز مجرد المشاركة في الانتخابات.

ولو عاد ديغول اليوم، لربما لن يصعب عليه تسويغ مشاعر الشماتة التي ستملأ قلبه وهو ينظر إلى المشهد السياسي الفرنسي اليوم. فالأحزاب التي كانت في الماضي ماكينة تعمل على أعلى درجات الكفاءة تغرق اليوم في حالةٍ من التخبط التام دفعت بالعديد من النشطاء والشخصيات إلى الرحيل عنها وقد نهشتها الاقتتالات الداخلية. فلم تعد هذه الأحزاب قادرةً على شغر دورها في ساحات النقاش العامة، وهي لا تزال تحاول مستميتةً إيجاد أية أفكارٍ جديدة على أمل تغيير العالم. لقد انهار قطبا المشهد السياسي الفرنسي، الحزب الاشتراكي وحزب الجمهوريين المحسوب على وسط اليمين، بعد أن أفرز الحزبان رئيس الدولة واستوليا على الغالبية البرلمانية لما ناهز الستة عقود.

 لا أدلً على ذلك من الانتخابات البرلمانية الأوروبية التي عُقِدت في أيار/مايو الماضي حينما لم ينجح مرشّحو الحزبين مجموعين في حجز أكثر من 14% من نسبة الأصوات الكلية. ولم يقتصر ذلك على الأحزاب التقليدية، فقد وصلت حمى السقوط الحر إلى الهاوية السياسية إلى اليساري الشعبوي جان لي ميلنشون الذي صعدت حركته "فرنسا الأبية" قبل عامين حاملة على أكتافها آمال المعارضة الراديكالية، وفي النهاية "أبت" إلا أن تقنع بنسبةٍ متواضعةٍ لم تتجاوز 6% في أيار/مايو الماضي.

تجرّع النظام السياسي في فرنسا ضربة مزدوجة، فكان الرئيس الفرنسي إيمانيول ماكرون هو من زرع أول فتيل في الانتخابات الرئاسية عام 2017، ومن ثم كانت الانتخابات الأوروبية التي كانت أقرب إلى قنبلة عنقودية لا تزال تتكشّف عن مزيدٍ من التداعيات التي تلقي بظلالها على مختلف مكوّنات الاتحاد الأوروبي. فالسياسيون، بمختلف أطيافهم، يحاولون التكيف مع حياةٍ عامّةٍ تشهد انتقالًا من عالمٍ قديمٍ لا يزال قائمًا إلى عالمٍ جديدٍ تتشكّل معالمه شيئًا فشيئًا.

يشوب المشهد السياسي الفرنسي الكثير من الالتباس اليوم، فالحركة الوسطية التي يقودها الرئيس الفرنسي ماكرون، "إلى الأمام" أو "الجمهورية إلى الأمام" كما أُعيد تسميّتها، والجبهة الوطنية اليمينية المتشدّدة (التي أصبح اسمها الآن "التجمع الوطني") قد حلّا مكان ثنائية اليمين واليسار، وكلاهما عاجزٌ عن حصد أكثر من ربع مجموع الأصوات، ولو أنه يصعب إنكار أن كلا الحركتين لا تزالان في طور التكوين. فانكبّ ماكرون على تعلم وممارسة مبادئ الحكم في النصف الأول من فترته الرئاسية، إلى الحدّ الذي منعه من التركيز على بناء منظّمةٍ سياسيةٍ رصينة، دون أن يستطيع توسعة قاعدته الانتخابية ولا يزال أمامه تعريف معالم هويةٍ أيدولوجيةٍ خاصة تتجاوز مجرد الاستعارة من أفكار اليسار واليمين.

وبدأت علامات الاضطراب بالظهور على أغلبيته البرلمانية الواسعة في ظل حزبٍ يفتقر إلى الانضباط. وصحيحٌ، في المقابل، أن حزب مارين لوبان يكتسب مزيدًا من الزخم ولكن فشله في الفوز بأي انتخاباتٍ وطنية يجعل النظر إليه على أنه حزبٌ حاكم أمرًا غير وارد.

ولا يمكن القول إن باقي أنحاء الاتحاد الأوروبي أحسن حالًا من فرنسا، فمعظم دول أوروبا تشهد انقلاباتٍ مشابهة تختلف في حدتها من دولةٍ لأخرى. فحمى جنون بريكست لم تنحصر في حدود بريطانيا، وإنما حطّمت تقاليد معادلة الحزبين. فهيمنة حزبي المحافظين وحزب العمال، في بريطانيا، تواجه تهديدًا كبيرًا من حزب بريكست المحسوب على اليمين المتطرّف ومعه الديمقراطون الأحرار. وتحتلّ اليوم حركة اليمين المتطرّف رابطة الشمال تحت قيادة ماتيو سالفيني الرقعة الأوسع في إيطاليا مع تهميشيها تدريجيًا لشريكها الشعبوي حركة الخمس نجوم.

وقد تبدو ألمانيا للوهلة الأولى النجم المضيء في وسط هذه الفوضى، ولكن هذا أيضًا ليس سوى صورة سراب. فقطبا ألمانيا، الاتحاد الديمقراطي المسيحي والحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، يتكبّدان هما أيضًا نزيفًا شعبيًا وشبح الانقراض يحوم فوقهما. بل لو نظرت نظرةً ممعنةً إلى تآلفهما الحاكم الحالي، التحالف الكبير "جروكو"، فلن يصعب أن ترى بأنه على الأرجح التحالف الأخير. وتفاصيل خارطة اسكندنافيا هي الأخرى تبوح بأغلبياتٍ متشرذمة وتحالفاتٍ غير متناغمة.

ستجد بكل تأكيد من البلدان الأوروبية ما كان استثناءً لهذا التيار. وربما تكشف نظرةً أقرب إلى المشهد عن جوابٍ لذلك، فالأنظمة السياسية القائمة كانت ميراث ثورات هذه الدول. إسبانيا والبرتغال، على سبيل المثال، لم تنسلخا عن عباءة الديكتاتورية حتى السبعينات، وأحزابهما الديمقراطية الاشتراكية قد حصدت أرقامًا مبشّرة في الاستفتاءات الأخيرة. وينطبق مفهوم هذه الاستقرارية الناشئة على دول أوروبا الوسطى التي قامت على أنقاض الاشتراكية، حيث لا يزال اليسار موصومًا بتاريخ الأنظمة التي هيمن عليها الاتحاد السوفيتي، وهو ما أفرز نسخةً خاصّةً من القومية المحافظة.

السؤال الذي يفرض نفسه في ظل كل ذلك هو ما الذي سيحلّ مكان هذه الأنظمة القديمة في الديمقراطيات الأوروبية الكبرى؟ يُوجد اليوم ثلاث قوىً سياسيةً كبيرةٍ تكسب زخمًا متزايدًا في هذا المناخ السياسي المتغيّر الذي تتصدّره قضايا الاحتباس الحراري والهجرة على حساب القضايا التقليدية التي رسمت معالم خارطة اليمين واليسار. الأحزاب الوطنية اليمينية، التي كانت في يومٍ مضى كتلةً هامشية، أصبحت اليوم عنصرًا بنيويًا في المشهد السياسي الأوروبي، فتملك هذه الأحزاب اليوم 115 مقعدًا من أصل 751 مقعد في البرلمان الأوروبي الذي انتخب في شهر مايو/أيار الماضي. ويحاول الوسط، في خضم كل ذلك، إعادة تقديم نفسه كقوةٍ دافعة، حيث إن نموذج ماكرون يمثّل تجربةً جذّابةً للعديد من السياسيين الصاعدين خارج فرنسا، ولكن افتقاره إلى هويةٍ أيديولوجيةٍ حتى اللحظة يصعّب مهمة محاكاة هذا السيناريو. القوة الثالثة، إلى جانب أحزاب اليمين والوسط، وأكثر هذه القوى ابتكارًا هي الحركة الخضراء. فبريق الصعود المذهل الذي تنعّمت به هذه الحركة في ظلّ رفض الناخبين لأحزابهم التقليدية وفرض الضغط عليهم للتصدي للقضايا الملحّة التي رافقت مشكلة التغير المناخي، قد استمال جزءً كبيرًا من الشباب.

بات الحزب البيئي () اليوم في فرنسا صاحب الشعبية الأكبر بين الناخبين ممن تقع أعمارهم بين 18- 34 عامًا. وفي ألمانيا اتسعت رقعة حركة الخضر، صاحبة التنظيم الجيد، لتصل إلى 20.5% من مجموع الأصوات، بل إن الاستفتاءات الوطنية تتنبّأ بأن قاعدتها الشعبية قد أصبحت اليوم أكبر من ذلك. وتكتسب هذه الحركة زخمًا متزايدًا بنجاحها في إزاحة الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني وصعودها الذي أصبح اليوم أيضًا تهديدًا للاتحاد الديمقراطي المسيحي ومستشارته أنجيلا ميركل. ويمكن ملاحظة صعود أسهم الحركات الخضراء في هولندا وبلجيكا وفنلندا وبريطانيا وإيرلندا، على نحوٍّ اضطر بالأحزاب القديمة إلى تخصيص جزءٍ من أجندتها لقضية البيئة. وربما يمكن تلمس صدىً لهذا التوجه في تصريح باسكال كانفين، عالم البيئة الفرنسي وعضو البرلمان الأوروبي الذي انضم إلى إيمانويل ماكرون، الذي يقول: "لا يوجد حزبٍ يستطيع القول إنه يحتكر الشأن البيئي بعد الآن".

اقرأ/ي أيضًا: الفاشية الإيطالية المتجددة.. باقية وتتمدد!

ليس هناك من يعترض على خيرية هذه التوجهات البيئة، ولكن هل يمكن أن تتحوّل الإيكولوجيا إلى أيديولوجيا؟ هذا ما يريده الزعيم الفرنسي الأخضر يانيك جادوت الذي ينادي باستبدال الديمقراطية الاشتراكية بالإيكولوجيا بصفتها "القوة الدافعة" وراء السياسات الأوروبية. ولعل ذلك لم يعد مجرد إسرافٍ في الطموحات. فنقاش العلاقة بين الإيكولوجيا والرأسمالية يحتل رقعةً متزايدة فرضت نفسها بارادايغمًا جديدًا في ظلّ توجه العديد من الأحزاب السياسية إلى إعادة تقييم أسسها الأيديولوجية. فمن يرى أن الإيكولوجيا واقتصاد السوق هما قوتان متوافقتان يتنافسون ضد من ينادون بتوجهاتٍ أكثر راديكالية نحو إعادة رسم أسس نموذج النمو الأوروبي. وقد كانت هذه الساحة الجديدة هي المعترك الأمثل للنزاعات المحمومة حول اتفاقيات التجارة الحرة التي يرعاها الاتحاد الأوروبي وأثرها على البيئة. كانت قضية محاربة الاحتباس الحراري، لو كان لنا أن نعود إلى القرن العشرين، همًّا لا يتعدّى مجموعات اليسار المتطرّف والمفكّرين. ولكن تحتل هذه القضية واجهة المشهد السياسي في عصرٍ ربما يمكن تسميته بعصر ما بعد العولمة والمناخ المتطرّف. 

لا يمكن القول إن باقي أنحاء الاتحاد الأوروبي أحسن حالًا من فرنسا، فمعظم دول أوروبا تشهد انقلاباتٍ مشابهة تختلف في حدتها من دولةٍ لأخرى، فحمى جنون بريكست لم تنحصر في حدود بريطانيا

هل يمكن إقامة حياةٍ سياسية بدون أحزاب؟ لا على الأرجح ما دام الناس قانعين بوسيلة الانتخابات ولا يزال اعتمادهم على المؤسسات التمثيلية لتسيير مجتمعاتهم. ولكن ذات هذه المؤسّسات تجد أنفسها اليوم تحت اختباراتٍ كبيرة في ظلّ تبدّد بعض الأحزاب القديمة وتكيف بعض الحركات الجديدة. ولكن يبقى هناك أثرٌ إيجابي لهذا الانقلاب الأوروبي، وهو أثرٌ مهم: البحث عن نظامٍ جديد، ومواطنون حريصون على أن يكونوا جزءًا من الحل، وهو ما عكسته نسبة التصويت في الانتخابات الأوروبية الأخيرة. ما هو مؤكّد هو أن أوروبا قد تحوّلت إلى مختبرٍ سياسيٍّ كبيرٍ يستحق التمعّن فيه.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هل تحكم الشعبوية المجتمع الغربي؟

أوروبا واليمين.. عصر الظّلام المُقبل