"موت المؤلّف".. الحميميّة في مقابل النظريّة

كاريكاتير لـ هاني عباس

"المؤلّف مات"، هذا ما قاله لي ذلك اللص عندما بعثتُ إليه رسالة عبر الفيسبوك أطالبه فيها بتوضيح نَسَب النصوص التي يضجّ بها حائطه الفيسبوكي، وتعود في أغلبها إليّ. فهذا النوع من السرقات الأدبية أصبح مُنتشرًا بشكل كبير في فضاءات التواصل الاجتماعي المفتوحة، ويُمارسها البعض بوقاحة منقطعة النظير، فما إن يعمد الكاتب صاحب النصّ الأصلي إلى مباغتة اللصّ السارق وتنبيهه إلى فعلته الشنعاء حتى يُباغته الأخير بردّ وقح وفظّ، يُتبعه في بعض الحالات ببلوك يُدخِل صاحب النصّ الأصلي في حالة ضحك هستيري تجعله يبتدع مفاهيم جديدة للسرقة وأسماء مُبتكرة للصوصية لا تخرج عن مضامين الوقاحة والفظاظة واللاتهذيب مثل: "السرقة الوقحة"، "واللصوصية البذيئة"، وغيرها من المسميات الأخرى التي تلوح على ذهنه حينها في إطار من الهزل والكوميديا السوداء.

استقلالية النصّ عن مؤلّفه تلغي افتراض أن يكون النصّ محض انعكاس لحياة كاتبه وتجاربه النفسية والشخصية

"المؤلّف مات"، قالها لي ذلك اللصّ فدخلتُ في حالة ضحك هستيري عندما استحضرت إحدى المقولات البارزة في عالم النظرية الأدبية المعاصرة وهي مقولة رولان بارت الشهيرة "موت المؤلّف" التي أعلنها في مقالة له تحمل نفس العنوان عام 1967 وأعلن فيها أنّ "النص من الآن فصاعدًا على كافة مستوياته وبجميع أدواته، منذ صناعته وحتى قراءته، يظهر بشكل يغيب فيه المؤلِّف غيابًا كاملًا". فهل من الممكن أنْ تكون تلكَ المقولة جاءت لتُقيم إمبراطوريات السرقة الوقحة التي يُستَلَب فيها الكاتب حقه في إعلان مُلكيته الشرعية للنصّ الذي كتبه؟ وهل من المعقول أنْ تكون تلكَ المقولة أتت لتؤسِّس مدن اللصوصية البذيئة التي يتجوّل فيها الكاتب دون أن يحقّ له أن يُظهرَ عاطفته الأبوية اتجاه نصه الذي يعثر عليه في هذه المدن كالطفل اللقيط بلا نَسَب أو عائلة، وبلا كاتب أو مؤلّف؟

اقرأ/ي أيضًا: الحياة العاطفية للفلاسفة

كلّ هذه الأسئلة التي جاءتني في أطر هزلية وتهكمية حمَلتني إلى القراءة والبحث في متون هذه النظرية ومضامينها، ما المقصد منها؟ ما أهدافها؟ ما أثرها على الكاتب والقارئ؟

وتبعًا لذلك، يُمكن القول بأنّ نظرية "موت المؤلّف" التي جاء بها رولان بارت كان هدفها إعلان استقلالية النصّ عن كاتبه، فالعمل الفني وفقًا لبارت مستقلّ عن مبدعه بشكل كلّي، والمؤلّف ينتهي دوره بكتابة النصّ. وكأنّ بارت كان يهدف من خلال إعلانه ذاك إلى تحرير النصّ من سطوة مؤلفه، وكأنّ ذلك المؤلف بالنسبة لبارت هو بمثابة رمز استبداد مسيطر ومتسلِّط على النصّ، يهدف دائمًا إلى تقديم معنى وحيد وثابت ومعرّف للنصّ، بحيث يغدو بالنسبة لنصّه كالإله الذي يوجهه ويتحكَّم فيه وفي مسارات تأويله وتفسيره. ومن هذه النقطة بالذات يُمكن فهم هذا التشابه بين إعلان بارت هذا وإعلان نيتشه في أواخر القرن التاسع عشر عن موت الإله، فبارت يربط التأليف بفكرة التوحيد، ويرى أنّ فكرة المؤلّف للنصّ هي فكرة مستبدّة تتطلّب وجود مذهب شبه لاهوتي لقراءة النصّ وتحليله، حيثُ يَقول بارت في إطار ذلك بشكل صريح: "أن تمنحَ النصّ مؤلِّفًا، يعني أن تفرضَ حدوداً على النصّ، أو أن تُزوّده بمعنىً نهائي؛ أي أن تُغلقَ الكتابة".

إنّ استقلالية النصّ عن مؤلّفه تلغي افتراض أن يكون النصّ محض انعكاس لحياة كاتبه وتجاربه النفسية والشخصية، ويفتح أمامه المجال لتعددية إمكانات التفسير والتأويل. وهو الأمر الذي يعود بالفائدة والأثر العظيم على القارئ، حيثُ أنّ ذلك يُتيح للقارئ إمكانية النزوع إلى ابتداع عدة تأويلات وتفسيرات للنصّ، بحيث يُصبِح مشاركًا في عملية إنتاج النصّ؛ يقرّر معناه من خلال استرشاده بالعلامات التي يستخدمها المؤلِّف، دون أن يعني ذلك شرط تقيده بها، فهو بإمكانه إتباع العلامات والاسترشادات التي يستحضرها ذهنه عن النصّ وتقوده إلى توليد معناه، بحيث تكون عملية توليد المعنى عملية متجدّدة ومتغيّرة باستمرار لا تتسّم بالثبات وتتغيّر من يوم إلى آخر ومن قارئ إلى آخر.

وإنّ استقلالية النصّ عن مؤلّفه لا يتوقف أثرها العظيم على القارئ عند هذا الحدّ، فتلكَ الاستقلالية تتيح للقارئ إمكانية الاستغراق في الحالة الجمالية التي يفرضها النصّ إلى أقصاها دون الالتفات إلى الأيديولوجيا السياسية أو الدينية التي ينتمي إليها الكاتب، والتي قد تختلف عن تلك التي ينتمي إليها ذلك القارئ، فالقارئ في هذه الحالة سيعمد إلى قراءة النصّ دون أن يجعل السيرة الذاتية للكاتب تطغى على الجانب الجمالي المتحقّق في نصّه، وذلك سيقوده بكلّ تأكيد إلى قراءة منفتحة على النصّ تلتفت إليه وتركّز على ما يحمله في مستوياته الدلالية دون أن يعنيها ما هو خارجه.

وعلى الرغم مما لمقولة موت المؤلّف من آثار عظيمة على القارئ، إلا أنّ آثارها على الكاتب تأتي على النقيض من ذلك تمامًا، فعوضًا عن أنّها تنقل المركزية من كاتب النصّ ومؤلّفه إلى القارئ، حيثُ يكون مولد القارئ هنا رهناً بموت المؤلّف، فهيَ كذلك تعمل على سلب المؤلّف صلته بالنصّ، حيثُ تبيّن له بأنّ علاقته بنصه تنتهي في اللحظة التي يفرغ فيها من كتابته، وأنّه لا يجوز له بعدها التحدّث عن نصّه أو إيراد رؤيته وتفسيره الخاصّ له. وبهذا تُصبح الكتابة كعملية إبداعية محكومة بنظرة عدمية تعمل على إقصاء ذات الفرد من مركز الوجود الإنساني، وتُنكر أي دور فاعل لها في النصّ، وبدلًا من أن يكون النصّ هو نتاج الذات، تُصبح الذات هي من نتاج النصّ، وكأنّ الإنسان يكتب ثمّ يكون، ولا يكون ثمّ يكتب!

عندما لا نستطيع الكتابة نُدرك ما تُمثّله الكتابة من ضرورة. يَسمح الأدب للكائن الإنساني بالمحافظة على إدراكه بأنّه إنسان

اقرأ/ي أيضًا: دور البطاقات البريدية الاستعمارية والنساء في صناعة الحرب

أخيرًا، فقد أورد ممدوح عدوان في كتابة "جنون آخر" - نقلًا عن كاتب صيني- عبارة تقول: "عندما لا نستطيع الكتابة نُدرك ما تُمثّله الكتابة من ضرورة. يَسمح الأدب للكائن الإنساني بالمحافظة على إدراكه بأنّه إنسان"، فعلى الرغم مما تحمله نظرية "موت المؤلّف" من وجاهة، وعلى الرغم من الأهمية التي تُوليها للقارئ، إلا أنّ منح القارئ كلّ هذه الأهمية لم يكن يتطلّب تهميش المؤلّف والكاتب بهذه الطريقة التي تًهمّش دور الإنسان في الكتابة، وتعمل على إلغاء وجوده وفعاليته، وكأنّ الكاتب الإنسان لا يشعر بأية عاطفة اتجاه نصّه، ولا يؤرِّقه أن يجده كالطفل اللقيط ملقىً على عتبات أشخاص آخرين، بلا اسم مؤلفه الذي يُنسَب إليه وتربطه معه رابطة خاصة جدًّا، رابطة حميمية تجعل بصره ما أن يقع عليه حتى يستذكر كلّ ما رافق عملية كتابته ابتداءً من هبوط وحي فكرته وانتهاءً بكتابته في صيغته المكتملة وصبغته الكاملة، إنّ هذه الحميمية بالذات فيها من الوجاهة ما يكفي لإعادة الاعتبار للكاتب/المؤلّف وتقويض كلّ نظرية تريد أن تُعدمه وتميته وتُلغيه!

 

اقرأ/ي أيضًا:

العبقرية والجنون والخيط الرفيع الذي بينهما

جاك دريدا.. مراثي النقّاد