من لفافات البانجو إلى الإستروكس.. كيف يُقتل الشباب بالتعذيب في مصر؟!

من لفافات البانجو إلى الإستروكس.. كيف يُقتل الشباب بالتعذيب في مصر؟!

محمد عبد الحكيم عفروتو، ضحية جديدة للتعذيب في مصر (مواقع التواصل الاجتماعي)

قبل أيام قليلة ترددت أنباء عن وفاة الشاب محمد عبدالحكيم الشهير بـ"عفروتو" أثناء احتجازه بقسم المقطم بالقاهرة، وتناقلت الأقاويل حول تورط ضباط وأمناء القسم في تعذيبه حتى الموت، ما يعيد للأذهان مرة أخرى تجاوزات رجال الشرطة المصرية ضد المدنيين، بخاصة في الفترة التي سبقت ثورة 25 كانون الأول/يناير 2011، وتشابه سيناريو "عفروتو" مع سيناريو "سيد بلال" و"خالد سعيد".

شهد قسم المقطم بالقاهرة، وفاة شاب مُحتجز، وسط اتهامات لضباط وأمناء القسم بالتورط في تعذيبه حتى الموت

"مفيش حاتم بيتحاكم".. لا رادع لدولة أمناء الشرطة

ظهرت جملة "مفيش حاتم بيتحاكم" في أواخر عام 2015، وطُبعت على الحوائط في الشوارع بعد حادثة وفاة المواطن "طلعت شبيب" بمحافظة الأقصر جنوب مصر. وكان طلعت شبيب قد ألقي القبض عليه من إحدى مقاهي الأقصر قبل أن تُعلن وفاته، ويخرج الأهالي محتجين في تظاهرات بشوارع الأقصر مطالبين بحقه، رافعين شعار "مفيش حاتم بيتحاكم" في إشارة منهم للتهاون في محاسبة ضباط وأمناء الشرطة في جرائم التعذيب، وفي إشارة إلى فيلم "هي فوضى" الذي جسد فيه الممثل الراحل خالد صالح، دور أمين الشرطة الفاسد "حاتم" الذي لا يخضع للقانون.

اقرأ/ي أيضًا: الدم خيار الداخلية المصرية

جرافيتي "مفيش حاتم بيتحاكم" في الأقصر (البديل)
غرافيتي "مفيش حاتم بيتحاكم" في الأقصر (البديل)

وللداخلية تاريخ طويلة في الانتهاكات ضد المصريين. وقد كان توغّل جهاز الشرطة في مناحي حياة المصريين، وكثرة انتهاكاته، سبب في اندلاع احتجاجات ثورة يناير 2011.

ومن أشهر حوادث التعذيب التي سبقت ثورة 2011، ما حدث مع الشاب خالد سعيد في محافظة الإسكندرية، والذي تعرض للاعتداء والضرب المبرح من قبل أفراد الشرطة حتى الموت، لتخرج التقارير الرسمية مُضللة الرأي العام، باتهامه بابتلاع "لفافة بانجو" أدت لاختناقه.

وقبيل الثورة مباشرة، وبعد حادثة تفجير كنيسة القديسين بليلة رأس السنة في الإسكندرية، ألقت الداخلية القبض على عدد ممن قالت إنهم مُشتبه في تورطهم بالحادث الذي أشارت اصابع الاتهام لاحقًا لتورط وزير الداخلية آنذاك، حبيب العادلي، فيه. 

وقد تعرض الذين تم اعتقالهم لتعذيب شديد، وكان من بينهم سيد بلال الذي مات نتيجة التعذيب في السادس من كانون الثاني/يناير 2011. وفي ذكراه السابعة يلحق به "عفروتو"، ضحية قسم المقطم الذي اتهم بما اتهم به خالد سعيد، وهو تعاطي المخدرات، لكن هذه المرة مخدر الإستروكس، ما أدى لوفاته، بحسب رواية الداخلية. 

اتهامات للداخلية ومحاولات لاقتحام قسم المقطم

فور معرفة أهالي المقطم بخبر وفاة "عفروتو" تجمهر عدد منهم أمام القسم، متهمين الداخلية بالتورط في تعذيبه حتى الموت. ونظرًا لعدم وجود تغطية إعلامية مناسبة للحادث، اختلفت الصحف في تقدير أعداد المحتجين أمام القسم، ففي حين قالت صحيفة المصري اليوم إنهم أكثر من 300 شخص، بينما قالت صحيفة الوطن إنهم لم يتجاوزوا 100 من أقرباء وأصدقاء عفروتو. 

لكن الأكيد في كل الأحوال هو نشوب اشتباكات بين قوات تأمين القسم والمحتجين، ما نتج عنه حرق بعض السيارات في محيط القسم، مع أنباء عن بعض الإصابات في صفوف المحتجين والقبض على 43 من المحتجين.

كما نُشر مقطعًا مصورًا بكاميرا هاتف محمول من أمام قسم المقطم، يُسمع فيه أصوات طلقات نارية كثيفة، يُرجح أنها من داخل القسم لتفريق المحتجين.

رحلة تدليس الشرطة.. من "البانجو" إلى "الإستروكس"

هذه المرة، افتضح أمر الداخلية على يد الطب الشرعي، الذي صرح مصدر منه لصحيفة الوطن بأن تشريح جثة  "عفروتو"، كشف عن أن سبب الوفاة تهتك في الطحال ونزيف في تجويف البطن نتيجة الضرب والتعذيب. ونشر موقع مصراوي نفس التصريحات، قبل أن تحذف من على موقع صحيفة الوطن وموقع مصرواي، دون توضيح لسبب الحذف أو لاستبدال الخبر بآخر يُؤكد رواية الداخلية!

افتضح أمر الداخلية في قضية عفروتو على يد الطب الشرعي الذي صرح مصدر منه أن الشاب لقي مصرعه نتيجة التعذيب

أثار ذلك الشكوك، وضرب في مصداقية الموقعين، ورجّح رواية تعرض عفروتو للتعذيب، للتشابه بين قصته وغيره من المقتولين تعذيبًا في السجون ومقار الاحتجاز بمصر.

اقرأ/ي أيضًا: مصر.. "الحوادث الفردية" لأمناء الشرطة مستمرة

وكان الصحفي المصري حسام بهجت، قد نشر على صفحته الشخصية نص خبر صحيفة الوطن بتصريح مصدر الطب الشرعي، قبل حذفه.

وبعد أن لاقت قصة عفروتو صدى واسعًا، بدأت منصات إعلامية وصحفية مؤيدة للنظام، وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي مما يشار إليها باعتبارها "لجان إلكترونية" مؤيدة للنظام المصري؛ في الترويج لكون عفروتو كان متعاطيًا للمخدرات، لتشتيت الانتباه عن القضية الأساسية، وهي وفاته في مكان احتجاز، بتشويه سمعته بتعاطي المخدرات، ويكأنّ تعاطي المخدرات مبرر شرعي لتعذيبه حتى الموت، أو حتى للإهمال فيه وهو بين يدي الشرطة، في حال افتراض صحة رواية الداخلية المصرية!

وفيما يخص المحتجين أمام قسم المقطم، فعمدت صحف مصرية إلى ادعاء انتمائهم لجماعة الإخوان المسلمين، وطالبت أخرى بتشديد العقاب عليهم "حتى لا تتكرر فضوى 25 يناير"، على حد تعبير مصادر أمنية لصحيفة صوت الأمة المصرية.

في المقابل، نُشر مقطع فيديو لأحد أصدقاء عفروتو، يروي فيه تفاصيل التعذيب الذي تعرض له صديقه من قبل أمناء الشرطة بالقسم، مطالبًا بالقصاص له. 

وبالنظر إلى حوادث التعذيب التي تورطت فيها الداخلية المصرية في السنوات العشر الأخيرة، نجد الكثير من نقاط التلاقي بين حادثة "عفروتو" وسابقاتها، ما يرجّح بشدة كفة الروايات غير الرسمية عن تورط الداخلية في مقتله ومحاولة تزوير الأدلة وتقارير الطب الشرعي.

تتشابه قصة عفروتو مع غيرها ممن سبق وتعرضوا للتعذيب حتى الموت في أقسام الشرطة المصرية 

وما يرجّح تلك الكفة أيضًا هو القرار الصادر صباح أمس، الثامن من كانون الثاني/يناير 2018 من نيابة جنوب القاهرة، بحجز معاون مباحث قسم المقطم وأمين شرطة آخر بتهمة قتل "عفروتو". 

 

اقرأ/ي أيضًا:

"أشياء لا تصدق".. تقارير جديدة تفضح جرائم التعذيب لدى أجهزة الأمن المصرية

الداخلية المصرية.. قلعة القتلة والفاسدين الموصدة