19-نوفمبر-2023
طفل يتأمل الدمار الذي خلّفته الغارات الإسرائيلية

طفل ينظر إلى الدمار الذي خلّفته الغارات الإسرائيلية (Getty)

أسير في ممر طويل في منزلي بالقاهرة ذهابًا وإيابًا غير مدرك معنى أي شيء حولي. تنتابني رغبة في الخروج من هذا الأُفق. رغبةٌ في الخروج عن المنظومة الحقيرة التي يعتليها الإنسان وقد وخلق منها كُل ما هو غير آدمي. رغبةٌ في الخروج عن الفكرة والنزوح نحو الحرية التي تكسرنا وترمي علينا حفنة التراب والهواء اليابس.

منزلي ممراته طويلة وضيقة لا تُشبه بيت جدي في المُخيم. أفتش في المنزل عن ظل جدي الكنعاني، أو ورق شجرة الليمون الذي يُرفرف في الربيع الهش. النوافذ والأضواء في بيت جدّي حُبلى بالذكريات وروحًا تُحبك. لا تخشى العُلو فيها ويتوسطها ميناء حيفا والبحر على مدى بصرك، لكن المسافة بين ممراته مجنونة. الجدران في بيوت المخيمات ضائعة مُشردة لكنها تلتقي مع تحليق الحمام في الخريف الأزلي. تأكلك الرغبة في أن تكون سجين المخيمات، كما يأسرك الحنين إليها وتتنافس السماء في المخيمات على احتكار الليّل والغَد البعيد في الكرمل.

هُنا، في منازل القاهرة، أمضيت أعوامًا كثيرة ولم أجد زاويةً واحدةً أمدِّد بدني المرهق فيها. هذا البدن الصغير الهزيل مهووسٌ بجدران المخيمات، فهي وحدها التي تمس جسدي على مهل، وتُقدم لي الماء قبل النبيذ، ونشهد سويًا على ليلةٍ لم يبق فيها أحد غيرنا في الوُجود.

لا يُعرَف الشيء من ضده في زرقة الفجر في زُقاق المخيمات. جدّي يرسم من الخبز خارطة للحياة والأمل في شوارع المخيم، وقد قال لي مرة في عتمة الليل ونحن نسير تحت ضباب كثيف في المخيم: "لا أتذكر الطريق إلى شجرة الليمون في يافا ولا أتذكر أنّي تذكرتُ، هل نسيتُ الشعور إلى البلاد في المخيم؟".

قُلت له: "يأكلني خيالك في مُخيلتك. هلّا أخذتني معك إلى دربك الطويل؟ سأحفر اسمي واسمك على ورق العنب في حديقة البيت، ونسير إلى البلاد بُخطى مُستقيمة".

شعورٌ غريب لا أفهمه. رغبةٌ مُلّحة تدفعني نحو باب منزلي في القاهرة وكأنّ جدي على الباب. أُوقظ روحي من خيالها وأقول مع نفسي إن الفرار بعيد. سألت ما وراء الباب: هل رأيت عجوزًا يحمل البرتقال بيده؟ تُمارس الذاكرة كُلّ أنواع العذاب عليّ بوحشية وقسوة. هل هذا المنزل الذي أنا فيه زنزانة ضيفة، أم حبس انفرادي في هسيس الخيال والذاكرة؟

يا تُرى، هل شجرة الليمون على باب بيت جدي حيّة؟ هل يزورها فُتات الماء من ذلك العجوز؟ قد تكون الشجرة على حالها وتنظر إلينا بطرف عينها وتبحث عمن صنع هذه المدينة لتلعنه وتقرأ على الرمل آثارها. لا شيء يُثبت أنّ جدي على الباب غير لعنات شجرة الليمون في المُخيم.

كُنت أراقب المناخ هناك عبر جدار غرفتي الضيّق. مطرٌ خفيف شبه دائم في الشارع. تناولت ورقة صغيرة وأخذت اتأمل المطر، وكتبت قصيدة. لا معنى لقصيدة من غير تفاصيل، والتفاصيل في المُخيمات صامتة كصمت الآلهة. بحر الدهشة في وجوه الناس يُشبه صمت الله. شيء ما يضربني فوق معدتي. بؤسٌ عارم فوق إنساني، صمت الكون مُخيف وغير مفهوم.

أشعر بالاختناق في صدري. متوترٌ ومنهك وأشعر بالاستياء من فرط التدخين. كل شيء هُنا نصف شيء: الحياة نصف شيء في المخيم، ونصف كل شيء في الغربة. الحياة في المنتصف منطقة أشباح.

غُبار المدينة يطفو على وجهي خلف شاشة الهاتف وأنا أشاهد كيف يتم تسوية مدينتي بالأرض. أُشاهد بصمت وبكاء طويل. لا أهمية للأصابع التي تكتب عن هذه المدينة، فالآن – وأقصد بالآن أي بعد مرور شهر كامل على الإبادة الجماعية في غزّة – وصل عدد الضحايا إلى أكثر من عشرة آلاف، أي عشرة آلاف حُلم وقصة ورواية. أهذا لا يجعل من أصابعنا مبتورة؟

تفتح سماء غزّة أبوابها لكُل الأشباح، لا حروف تُواسيها ولا دموع تُنجيها. السماء في أكتوبر جائعة لدماء الأطفال والنساء، ألَا يُوجد عقل رشيد يُرشد القدر إلى أنّ هذه الدماء تَذبحُنا؟

حبيبتي غزة، ذهبت لكي أنام بعد سهري الطويل معكِ في القاهرة. أعرف أنّك ساخطة عليّ لأنني بعيد وتُريدين أن تَبتلعين حُلمي كما البقية. هذه سخرية القدر يا حبيبتي، أن أكتب دمي النازف وأنا أبكيك بعيدًا عنك.

أنا أتذكرك دائمًا يا حبيبتي، أنا لا أنساكِ. أنتبه لكل التفاصيل هُنا وهُناك، على جرائد الأخبار والراديو. وقد وددت ليلة أمس أن أشكو لك مشاهد الدمار العالقة في رأسي، وصوت الأطفال تحت الأنقاض. كُلّ مساء يكون أشد قسوةً مما سبقه وأنا بعيد عنك. قاس وشديد يا حبيبتنا.

وددت أن أحكي لك عن خوفي من أن أترك الهاتف، ومن أن يكون أحد أفراد عائلتي وأصدقائي "خبر عاجل". لا أُنكر أنني خائف وأعيش مذعورًا بعيد عنك.

أكتوبر عام 2023. سيكتب التاريخ أنّنا كُنّا جُزءًا من مسار دموي، ولا شيء آخر، على مرأى أعين العالم بأسره. الحياة أصحبت مُعقدة هُناك، لا شيء على ما يرام وكُلّ شيء مُلطخ بالدم والفقد. ومن العبث في هذا النوع من الإبادة أنّ هذه الآليات اللعينة لا يحَلو لها أن تَصب جنونها في الأرض إلا ليلًا.

في إحدى الليالي استطعت أن أُهاتف أُسرتي في غزة بعد انقطاع الاتصالات لثلاث أيام. أن تموت دون أن يراك أحد فكرة مُرعبة. حتّى أنهم يحرموننا من الوداع الأخير لمن نُحب أمام عدسات الكاميرا اللعينة. يقتلونهم بصمت وبشراسة حقيرة. هاتفت أبي، لم يكن بمقدوري إطالة الحديث معه لأن بطارية هاتفه كانت في حينها على وشك النفاذ، ومر أكثر من عشرين يومًا ولم يروا الكهرباء.

قال لي بصوت متحشرج بعض الكلمات: "والله الوضع صعب يابا، أول مبارح وقفت دور عند المخبز أكثر من 6 ساعات وما حصلت إلّا على نص ربطة خُبز، مفيش والله مية حلوة، بنشرب مية مُقرفة مبتفرقش عن مية المجاري، يعني من أول ما بلشت الحرب ما تحممت غير مرتين، شبدك تعمل بغزة؟ اليوم كان مفيش خبز في المخبز لملمت كراتين الدار وشوية خشب وولعت فرن الطينة وعملت 40 رغيف صاج لكل الدار، والدار فيها 25 نفر يعني بطلع لكل واحد رغيف ونص طول اليوم، والله هذا جحيم يلي احنا بنعيشوا ومُخيف".