مكتبة نجاة الذهبي

مكتبة نجاة الذهبي

الفنانة والكاتبة نجاة الذهبي

نجاة الذهبي فنانة تشكيلية من تونس. متحصلة على دكتوراه في علوم التراث بكليّة العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة بتونس. شاركت في العديد من المعارض التشكيليّة الجماعيّة الوطنيّة والدوليّة وفي رصيدها ثلاث معارض شخصيّة (معرض "مناجاة" 2005 – معرض "هُنّ.. ثانيًا" 2012- معرض "نظرات" 2014) ومتحصلة على العديد من الجوائز في الفنون التشكيليّة. تنشر باستمرار مقالات في النقد الفني في الصحافة العربية.


  • ما الذي جاء بك إلى عالم الكتب؟

الشعر ولاحقًا الرسم.

لم أتمكن من أكون شاعرة لذلك انصرفت إلى قراءة كتب الفلسفة والأدب، وبالتحديد أدب الخيال والتخييل. أنحدر من منطقة ريفيّة في جنوب شرقي تونس أين ولد الجميع شعراء بالفطرة. تربيت على الاستماع إلى الشعر التراثيّ القديم الذي تؤديه النساء غنائيًّا باللهجة العاميّة في المناسبات والأعراس، والذي عرفته في طفولتي باسم "هزّ الصوت" أو "الجُرَّاد"، ثم عَرَفتُ لاحقًا أنّه يسمى الشعر الملحون. أذكر أنّني كنت أتنقّل وسط حلقات المؤديات لأتتبع الكلمات وأحاول فكّ صورها الملغّزة. اهتممت مبكّرًا بقراءة تاريخ الشعر التونسيّ الشعبيّ في محاولة لفهم ذلك الأثر الغريب الذي تركه داخلي "هزّ الأصوات". وفي الحقيقة ما زالت تعتريني الدهشة ذاتها حين أستمع إلى نساء بلدتي يتغنَّيْن بصور العشق والهجر والانتظار واللّوعة والانتصار شفويًّا، إنّه فعلًا شيء ساحر.

"غريب حْلِيلَهْ يُضْرِبْ حْذَاهْ الفَرَحْ مَا يِمْشِيلَه

غريب وجَالِي، عمَّرِتْ وكْر النَّاس ووَكْرَك خالي

شَيَّعتْ عِينِي للجبل ورْڨِيتَهْ، مَلِّيتْ كَمِشْتِي بالورد شُوكْ لڤِيتَهْ

رُوحْ يِزّي مِالغِيَابْ وحِيرَهْ، كفَانَا السَّهَرْ وشَبْحِةِ التَّصْوِيرَة"

كانت صدى مثل هذه الكلمات هي السبب الأوّل في جعل فترة مراهقتي تدور حول قراءة الشعر. أمّا السبب الثاني والأهمّ فهو مصدر كلّ ما أقرأه حينها، مكتبة المعهد الوحيد بالبلدة حيث أدرس، والتي ضمت في ثلاثة أرباعها كتبا تتعلّق بالشعر. قرأت للمتنبي وأبي نواس وامرئ القيس وأسرتني مرثيّات الخنساء. عشقت قصائد أحمد شوقي ومصطفى صادق الرّفاعي وبدر شاكر السيّاب وأحمد مطر ومحمود درويش وأبي القاسم الشابي ونزار قباني وجبران خليل جبران وغيرهم. ورغم كلّ ذلك، فأنا لم أتمكّن من نظم بيت شعريّ واحد.

كنت أعتقد أنّ الشعراء يقتربون من مرتبة "الإله"، ويتحلّون بنوع من القداسة الإعجازيّة إلى أن تمّ إنشاء أوّل مكتبة عمومية بالبلدة. اكتشفت هناك الرواية والمجموعات القصصيّة وعالم السرد والحكاية. قرأت كلّ ما توفّر على رفوف المكتبة لأدباء تونسيين أهمّهم علي الدوعاجي والبشير خريّف، أين تبيّن لي مبكّرًا سوء اختيار المنهج الدراسيّ في شعبة الآداب آنذاك حين خيّرت السلطة اعتماد ما كتبه محمود المسعدي مقابل تغييب روّاد الأدب التونسيّ الفعليّين. هذا بالإضافة إلى هوسي بكلّ ما كتبه الفلاسفة والمفكّرين، أصبح لديّ اعتقاد أنّني قادرة أخيرًا على تقديم أجوبة عوض طرحها، وأن أكون مثل أرسطو ونيتشه وسبينوزا وديكارت وماركس ومارلوبونتي وجيل دولوز وفرويد وابو العلاء المعرّي وابن خلدون والقائمة تطول.

أعتقد فعلًا أنّني ولدت مرّات عديدة داخل المكتبات، وعلى قلّتها فأنا تنقَّلتُ بينها كالمجنونة رغبة منّي في أكل ما يكتب، حتى أنّني كنت نحيفة الجسد إلى زمن متأخّر من سنوات مراهقتي لكثرة ما يُنسيني هضمي المتواصل لما أقرأه كلّ ما يرتبط بالمعدة. ولعلّ انتمائي إلى عائلة بسيطة هو الذي منعني من اقتناء الكتب وامتلاكها، وهو الشيء الوحيد الذي آلمني حينها. ولكن عوض الاستسلام لفقدي كلّ تلك السنوات، كان الرسم هو طريقتي الوحيدة لكتابة الصور التي علقت في رأسي بعد القراءة. اكتشفت أثناء دراستي الجامعيّة، وداخل مكتبة المعهد حيث أدرس، الكتب التي لم أتخيّل يومًا أنّها كُتبت حول صانعي العالم، الرسامين والنحّاتين والخزّافين والحفّارين والمهندسين والمصممين. تمكنت أخيرًا من التمهّل ومحاولة طرح أسئلة مغايرة دون البحث عن إجابات حقيقيّة. لقد مارست حقي كاملًا في استعمال بطاقة المكتبة لاستخراج كلّ أنواع الكتب الفنيّة والنقديّة باللّغتين العربية والفرنسيّة، بالإضافة إلى كتب وروايات الأدب العالمي المترجم. كنت أستعير يوميًّا كتابًا واحدًا وأتصفحه بغاية تقوية ذاكرتي البصريّة تصويريّا وأعوّض جهلي بالتاريخ. ومنذ ذلك الوقت أصبحت أُجمّع الصور والكتب المنسوخة محتذية بأحد المفكرين الذي يقول "حين نجمع الكتب فنحن نجمع السعادة".

  • ما هو الكتاب، أو الكتب، الأكثر تأثيرًا في حياتك؟

هناك أصناف من الكتابة التي تركت آثارًا متناقضة داخلي، ربما إلى الآن لم أقرأ أفضلها؟

سأذكر أوّلا كتاب "المياه كلّها بلون الغرق" لإميل سيوران ترجمة آدم فتحي. لقد أّثّرتْ فيّ طريقة الكتابة التي يستعملها الكاتب ربما لأنّني أشعر دائمًا أنّها تشبهني. هذا الكتاب خليط عجيب ومتناقض للإنسانية وللفنّ. وصف النقّاد كتاباته بالمتشائمة والمحبطة غير أنّ أكثر ما شدني في هذا الكتاب هي القوّة المنبعثة من الكلمات، تلك المراوحة السحريّة بين السخرية والمرارة وبين الشدّة والهشاشة وبين الرغبة والعزوف وبين العبث والوجود. تشبهني معظم فصول كتابه حين تحدّث عن الزمن والدين والعزلة والحبّ والفراغ والتاريخ والموسيقى. فأنا أرى نفسي في فواصله وانقطاعات المعنى داخله. قرأت لنفس الكاتب كتبًا مترجمة للعربية "تاريخ ويوتوبيا" "لو كان آدم سعيدًا" وكتاب "مثالب الولادة"، ولكن يبقى كتاب "المياه كلّها بلون الغرق" أفضلها.

ثانيًا، أودّ الإشارة إلى التأثير الذي تركته رواية "حكاية عين" لجورج باتاي على ممارستي التشكيلية. كنت قد قرأتها لأوّل مرّة بغية التعمق في دراسة الصور السرياليّة التي أنجزها الفنّان الألماني هانس بلمار والمستوحاة من مقاطع متفرقة من الرواية. قدّم بلمار في صوره معاني متطرّفة من التوحّش الجنسي التي فاقت ما وصفه باتاي في حكايته. مكنتني الرواية من استبيان جماليّة العنف والقبح والوحشيّة والسّاديّة والفضح. لقد توصلت الى فهم معنى الانتهاك في صوره المتخفيّة والمخيفة، تلك المتعة الآثمة التي وصفها جورج باتاي في كتابه "الإيروسيّة" بالخطيئة الصامتة.

أخيرًا، أكثر ما يستهويني حقيقة في الكتب هي كتب الفنّانين التشكيليّين "livre d’artiste"، أو دفاترهم الحميمة والتي تحتوي غالبًا على مخطوطاتهم الأوليّة وملاحظاتهم الخاصة وكل رسائلهم الذاتيّة المصوّرة والمكتوبة.

  • من هو كاتبك المفضّل؟

الرسّام الكاتب أو الكاتب الرسّام، مثل الكاتب البرتغالي المعاصر أفونسو كروش، وبالتحديد روايته "الرسام تحت المجلى". أعتقد أنّ كتابات الرسامين لها وقع خاص في حياتي. أصل أحيانًا إلى حفظ بعض الجمل عن ظهر قلب لأنها تعبّر حرفيًّا عن مشاعري أو المعنى من الرسم. كنت أعتقد أنّ جوزيه ساراماغو هو كاتبي المفضل بروايته "كتاب الرسم والخطّ" إلى حين كتب كروش عن الدائرة والخط والاستقامة وعن العين. كتب هذا البرتغاليّ الشاب ببساطة عجيبة عن أشياء يعتقد البعض أنها معقّدة وغير مرئيّة. ورغم أنّني أعشق الكتب الفلسفيّة وأمتلك منها أعدادًا مهولة إلاّ أنّني لا أستسيغ كتابات مارلوبونتي ونيتشه وباتاي وفرويد وجاك ديريدا حول الفنّ.

لن أنسى أيضًا ما رسمه وكتبه جبران خليل جبران والعظيم فيكتور هيغو، هؤلاء هم شعرائي المفضلون. امتلأت رسوماتهم بالترميز الرومانسي والسرياليّ وبدت سابقة لعصرها حيث تذكّرنا برسومات أندري ماسون الأتوماتيكية ورسومات ماكس ارنست التي تعتمد على أكثر المشاعر غير الواضحة والموجودة في العقل الباطن للإنسان، وحتى على مستوى المواضيع فقد اقتربا من المواضيع التي اتجه إليها الكتاب السرياليين، حيث اهتم السرياليون بالحديث عن الحرب ومشاعر اليأس والإحباط والرفض والفضح. يقول ف. إيغو "أعظم أعمال الإنسان تظهر في الصراعات الصغيرة، الحياة، البلاء، العزلة، الهجر، الفقر، كلّها ميادين معارك لها أبطالها وهم أبطال مغمورون ولكنهم في بعض الأحيان يكونون أعظم من الأبطال المشاهير".

  • هل تكتبين ملاحظات أو ملخصات لما تقرئينه عادة؟

بالطبع وإلّا ما فائدة أن أكون رسّامة، ولكن مع اختلاف بسيط أنّ التدوين والملاحظات غالبًا هي رسومات. حين تأسرني شخصية أو حدث ما تجدني أرسم بلهفة. أنا مهووسة بتجميع أنواع مختلفة من الأوراق والصور والمفكّرات ثم الرسم والكتابة عليها. جعلني تخصّصي في الفنون التشكيليّة أتتبّع السير الذاتيّة المفصّلة لأهم الفنانين في التاريخ. أهم ما يجمع بينهم هي رسوماتهم الخطيّة الأولى ومخطوطاتهم وكتاباتهم غير المنشورة. لم يهتم تاريخ الرسم في البداية بكلّ ذلك غير أنّ الفنّ الحديث والمعاصر استعاد قيم الفنّ الحميميّة. سلّطت المتاحف والمعارض العالمية والسينما الضوء على تلك الجوانب الخفيّة، وقدّمت لنا جوهر تجاربهم، غالبا في صور.

أكسبني هوسي الخفي بتجميع المفكّرات وكُنّشات الرسم عادة غريبة في تدوين أشياء تشبه اليوميّات أو المذكرات. أمتلك الكثير من كنّشات الرسم التي سجّلت عليها رسومات لطلبتي أثناء حصص تدريسي بالمعهد، أرفقها غالبًا بتدوين زمن الرسم ووصف القاعة والطقس وملابس الوَضْعَة التي اخترتها. تحمل مفكّراتي يوميّات متفرقة لمشاعر الغضب والحزن والاستياء والسخرية. وأنا حاليًا بصدد مشروع بدأ منذ ثلاث سنوات بعنوان "يوميّات فنّانة معاصرة". تتراوح ممارستي بين التدوين و/ أو الرسم يوميًّا على كتب وأوراق ومحامل متنوعة. وسيكون عرض مجموعتي من الكتب واللوحات والتنصيبات في شهر شباط/فبراير من العام المقبل في معرض شخصيّ تحت نفس العنوان.

  • هل تغيّرت علاقتك مع الكتب بعد دخول الكتاب الالكترونيّ؟

لن أنكر أنّ الكتاب الإلكترونيّ سهّل علينا القراءة السريعة لكثير من الكتب غير المتوفرة. مكنتني التكنولوجيا من امتلاك مئات الكتب على كمبيوتري عدى تلك المؤلفات المخزنة على أقراص الحفظ الإلكترونيّة. ما أعتبره مهم حقًّا هو مساعدتنا في التعرّف على تاريخ الفنون في صور منسوخة، لأن الكتب الأصليّة غير متوفرة إلاّ نادرًا داخل المتاحف العالميّة الكبرى. لم يتسن لي رؤية المؤلفات التي أنجزها الرسامون مباشرة إلا بعض كتب بيكاسو خلال سنة تكريمه بمتاحف فرنسا ومعارضها وبالتحديد في مرسيليا.

سمح لي الكتاب الإلكترونيّ أن أطّلع على يوميّات سالفادور دالي وسيره المكتوبة. تمكنت من تحميل رسائل فان جوخ كلّها وقراءتها مرفوقة برسوماته الخطيّة الرائعة. يوجد لديّ اليوميّات التي كتبها رامبرانت المصحوبة برسوماته الكلاسيكيّة وأشهر محفوراته المطبوعة. هذا بالإضافة إلى الكتب التي ألّفها منظرو الفنّ حول روّاد الفن الكلاسيكي، الحديث والمعاصر مثل فيلاسكاز وليوناردو دافينشي ودافيد هوكناي وفرانسيس بيكون وروّاد الدادائيّة والتشخيصيّة الجديدة وغيرهم كثير. لا ننسى أيضًا أنّ الفنّ المعاصر هو فنّ الرقميّ بامتياز، لذلك فنحن نتعامل باستمرار مع المنتجات الفنيّة الرقميّة والالكترونيّة.

  • حدّثينا عن مكتبتك؟

خذلتني لمدّة طويلة الظروف الماديّة لاقتناء كلّ الكتب التي كنت أحلم بامتلاكها. ترددت كثيرًا على المكتبات العموميّة أثناء سنوات دراستي الثانوية والجامعيّة. رغم ذلك جعلني هوسي بامتلاك الكتب أجد طرقا غير مكلّفة لتكوين مكتبتي الخاصة. كنت أستعير الكتب المهمة من مكتبة الجامعة وأقوم بنسخها بإتقان لتبدو أصليّة. ساعدتني صديقتي فاطمة صاحبة المطبعة على امتلاك مجموعات كاملة من كتب تاريخ الفن والفنانين. أحتفظ إلى حدّ الآن بمنشورات  Thames&Hudson كاملة، وكلّ الكتب الفنيّة التي صدرت عن دار TASCHEN الألمانيّة.

سأحدثك أيضًا عن كتبي الاستثنائيّة، فأنا أعتقد أنّني أمتلك بعض الكتب النادرة مثل مخطوط قديم مكتوب يدويًا بالخط المغربيّ تحصلت عليه منذ سنوات كهديّة أثناء بحثي في تاريخ الخط العربيّ وتميّزي في الكتابة بهذا النوع من الخطوط. كما أمتلك نسخة مصوّرة للكاماسوترا الهنديّة المصحوبة بنصوص مترجمة إلى الفرنسيّة عن الهنديّة، اقتنيتها خلال بحثي لسنوات حول تاريخ المؤلّفات والمنمنمات الإسلامية. كما أمتلك كتاب "الروض العاطر في نزهة الخاطر" للشيخ النفزاوي ونسخة مطبوعة نادرة من كتاب "دالي حميميّ" (Dali intime) مصحوبة ببعض رسائله السريالية التي وجّهَهَا إلى أصدقائه من شعراء ورسامي ذلك الزمن.

هناك أمر آخر جعلني أمتلك كتبًا لم أشترها وهو زواجي بروائيّ. استوليت على مكتبته أيضًا فأنا مجرمة حين يتعلّق الأمر بالكتب، ههه.

  • ما الكتاب الذي تقرئينه في الوقت الحاليّ؟

أقرأ الكثير من الأشياء في وقت واحد، كما أرسم باستمرار. أحب قراءة المقالات النقديّة في الأدب والفنون ومتابعة الكتابات الموجزة في الشعر والنثر التي تنشر باستمرار في الصحف والمواقع الالكترونيّة المهمّة. أمّا فيما يخصّ عناوين بذاتها فأنا بصدد قراءة رواية "شبّاك أم علي" لصديقي الأردني محمّد العامري. أنا أيضًا في قراءة ثانية لرواية "البيريتا يكسب دائمًا" لصديقي الروائي الشرير كمال الرياحي، وأنا بصدد أخذ ملاحظات حولها. أمّا كتاب قبل النوم فهو "لست ذا شأن" لفرناندو بيسوا.

وحتى أنهي كلامي سأعود إلى أهمّ ما قيل عن أهمية المكتبة في حياة البشر، يقول الكاتب الأمريكي راي برادبري "أنا كائن مسكون بالمكتبة وأكتشف ذاتي فيها دومًا، ولطالما قلت أشياء من قبيل أنا ذاهب إلى المكتبة لاكتشفني فيها".

 

اقرأ/ي أيضًا:

مكتبة ريم غنايم

مكتبة حنان جنّان