مكتبة ريم غنايم

مكتبة ريم غنايم

الشاعرة والمترجمة ريم غنايم

ألترا صوت – فريق التحرير

يخصّص "ألترا صوت" هذه المساحة الأسبوعيّة، كلَّ إثنين، للعلاقة الشخصية مع الكتب والقراءة، لكونها تمضي بصاحبها إلى تشكيل تاريخٍ سريّ وسيرة رديفة، توازي في تأثيرها تجارب الحياة أو تتفوّق عليها. كتّاب وصحافيون وفنّانون يتناوبون في الحديث عن عالمٍ شديد الحميميّة، أبجديتُهُ الورق، ولغته الخيال.


ريم غنايم شاعرة ومترجمة وأكاديمية من فلسطين. من مجموعاتها الشعرية: "ماغ: سيرة المنافي" و"نبوءات". بالإضافة إلى العديد من الترجمات لـ تشارلز بوكوفسكي وريتشارد رايت وآخرين.


  • ما الذي جاء بك إلى عالم الكتب؟

جئتُ إلى عالَم الكُتب تمامًا مثل مجيئي إلى عالَم العالَم: مصادفةً. ولأني اختبرتُ كلّ الأشياء في العالَم وأنا في الثامنة من عُمري، تلكَ الأشياء التي لا يجوزُ أن تختبرَك وتختبرها في هذه السنّ، فقد انتهت علاقتي بهذا العالَم الخارجيّ ووقته ووجوده، ووجدتُ نفسي أضحّي به لصالح طريقَ اللقاطة والتخلّي عن الأشياء. توقّفتُ عن التفكير في الأشياء من حولي، بصفتها مادةً، وصارَ التفكير في الأشياء تفكيرًا حرًا، تفكيرًا بدرجةٍ ثانية، يمنحكَ امتياز أن ترى خسارتَك أو هزيمتك لا من باب الخاسرين والمهزومين، وإنّما من باب انتظار حريّة ما وهميّة، حتمًا ستتحقّق. الوهم الذي يربّي فيك الأمل، وهو تماما ما تفعله الكتب.

علاقتي مع عالم الكتب ليست بعيدة عن هذه اللقاطة، هي أيضًا علاقة مع عالَم الكتب وليس الكتب بحد ذاتها، علاقة تضحية بالسعادة الوهمية والتعاسة الوهميّة أيضًا، ومغامرة الدخول في عوالم الآخرين، هذه العوالم التي توزَّعَ فيها لحمي على سنوات، أو لنقل هكذا درّبتُ نفسي. عالم الكتب هو عالم وهميّ يشبه علاقتي بنفسي، وبالآخرين، شوبنهاوريّة المزاج والطّابع. أنا في مركزها، وهي في الهامش، لا قيمة لها إلا بما أتوهّمه عنها.

وعلاقتي مع عالم الكتب علاقة متفائلة جدًا، حتى مع السوداويّ منها، علاقة إرادة عفويّة، شك وشبهات، ومغامرة التعرّف كلّ مرّة إلى الغريب الواقف خلف الباب.

  • ما هو الكتاب، أو الكتب، الأكثر تأثيرًا في حياتك؟

"هكلبيري فين" لمارك توين. رحلة الهروب من العبوديّة، وهي رحلة الحريّة التي شكّلت وعيي الأسود بأنّ الحريّة أيضًا سوداء. أنا أيضًا زنجيّة، بشكلٍ أو بآخر. فلسطينيّة، مهزومة، محتلّة، لكنّي لستُ ضحيّة أحد، دومًا على خطّ التماس بين نصرٍ واحد وهزائم متعدّدة، أظنّ أن هذه المساحة الهجينة والحديّة هي ما يجعل من مشروعي هامًا، وكلّما ضاقت مساحة الحريّة في حياتي اتّسعت دائرة الابداع والتفكير فيها أيضًا.

عدا ذلك، هناك كتب أخرى تماهيتُ مع أفكار أبطالها: الصّخب والعنف لفوكنر، مائة عام من العزلة لماركيز، دون كيشوت، فاوست، صورة للفنان في شبابه، ماوس لأرت سبيغلمان، 1984، أوهام الأفكار ودروسٌ فاشلة في محاولة فَهم تراجيديا الإنسان وعلاقته مع الزمن.

  • هل تكتبين ملاحظات أو ملخصات لما تقرئينه عادة؟

أفصلُ دومًا بين عملي كمترجمة، عملي كأكاديميّة، وعملي كقارئة. في الأولى والثانية نعم، أما الثالثة فهي حرش لا يقبل التهذيب. أتذكر الآن، وأنا في سنوات دراستي الأولى، كنتُ متفوّقة كثيرًا (للأسف)، هذا التفوّق الذي ينطلق من رهاب الخَوف من الفشل، الفشل الذي يهابه أبناء الأقليّات في دولة تتغذّى على موت الضعيف. اليوم ومن مسافة بعيدة، أدركُ أنني كنتُ أدوّن بجهد كلّ حرف، كل كلمة، ألخّص كثيرًا، كانت ذاكرتي قويّة ومتيقّظة إلى حد الهوس: انضباط، انتظام، أنوثة مشذّبة مهذّبة، أخلاقيّة، تفكير عسكريّ، كلّ شيء في مكانه.، وعليك أن تنجح، أن تصل، بلا هفوات، بلا كبوات. ولهذا كنتُ مهووسة بالتدوين. تدوين التواريخ، المحاضرات، أسماء الكتب، الملاحظات والملخّصات. أذكر أني قرأت كل أعمال نجيب محفوظ، كلّها كلّها، فوكنر، شكسبير ملتون إلخ، وما زلتُ أحتفظ بملخّصات وملاحظات دوّنتها عن كلّ عمل أدبي قرأته. إنّه ليس حلما بالنجاح ولا بالمعرفة. كان خوفًا من الفشل وحسب.

هكذا كنت في "أخلاق العبيد"، الأخلاق المسؤولة والمهمومة و"الفقيرة" و"الطيّعة" و"الضعيفة"، وانتقلتُ تدريجيًا مع الوقت إلى أخلاق الأسياد، بالتعبير النيتشويّ. اليوم، كقارئة، لا أقوى على كتابة ملاحظات وتدوين الأفكار إلا في حالاتٍ نادرة (وما زلتُ أحتفظُ بدفاتر صغيرة صفراء بدافع الحنين، وأدوّن فيها القليل النادر النادر). أحبّ سيادة الأصوات المتعددة في رأسي أثناء القراءة، وأحبّ المحو والنّسيان، والذاكرة الضعيفة، التي تمسح آليًا ما حفظته ليحلّ على أنقاض أثرها الجديد.

في عملي الترجميّ والأكاديميّ، أخرج من اللامروّض وأدخل في التأطير والتذكير والحضور، هنا أنا ربّان السفينة، لا مجرّد راكب على متنها.

  • هل تغيّرت علاقتك مع الكتب بعد دخول الكتاب الإلكتروني؟

علاقتي مع الكتب هي علاقة مع عوالم خياليّة لا محسوسة وليست مع عوالم الورقيّ أو الرقميّ.

أجدُ متعةً في كليهما. الكتاب الالكترونيّ اختصر عليّ وقتًا بلا شكّ، لكنّه دمّر علاقتي مع الرؤية الواضحة، والورقيّ أيضًا دمّر علاقتي مع بَصري. بهذا كلاهما متعادلان.

  • حدثينا عن مكتبتك.

لمكتبتي حكاية مأساويّة لكنّي اليوم متصالحة معها وسعيدة بها.

لأبدأ بالقول إنني لم أنشأ في أسرة مقتدرة الحال لتوفّر لي ما أوفّره الآن لعائلتي. ولنقل إنّ حبّي للتشّرد وكثرة الارتحال واللاثبات في مكان ما في طفولتي وصباي، جعلني أقل ارتباطًا بمفهوم الاستقرار والتملّك والامتلاك. لهذا كنت شديدة الارتباط بالمكتبات العامّة بدلًا من أن أمتلكَ مكتبةً. أحيانًا، كنتُ أجدُ صعوبة ماديّة حتّى في توفير ثمن تصوير صفحات من كتاب ما لا يمكن إخراجه من المكتبة، فأضطرّ إلى الجلوس بضع ساعات ونسخ الصّفحات يدويًا. وهذا جعل علاقتي مع الكتب علاقة ودّ الغريب للغريب.

في فترة دراستي الأكاديميّة، واظبتُ على شراء الكتب التي تهمّني، الكتب المستعملة في الأساس لثمنها الزهيد، وكانت كثيرة لا تعدّ. في أكشاك الكتب المستعملة كانت تفوح روائح كتب ورطوبة درّبتُ أنفي عليا وأدمنتها إلى حدّ أنني كنت أشتري كل يوم كتابًا، أحيانًا بلغات لا آلفها، مجرّد معرفة شميّة حميميّة، وما زلتُ أحتفظ بها. ثمّ وجدتُ نفسي في مكان "جشع" و"أنانيّ"، أشتري وأخبئ الكتب إلى أن تكوّنت لديّ مكتبة، بلا رفوف. وكانت كثيرة، بعضها على أرضيّة الغرفة، أو على طاولتي، أو مندسّ تحت وسادتي، سريري، جوارير الملابس، في خزانة صغيرة متهافتة، إلى حدّ كانت أمّي تشتم وتهدّد بأنها ستجرفها معي إلى أي مكان خارج البيت لتتخلّص منا.

مع انتقالي إلى بيتي الخاصّ، أصبحت لديّ مكتبة كبيرة جدًا، جدًا جدًا. وشعرتُ لسنواتٍ أن علاقتي معها فتَرت. الزائرون اخترقوا علاقتي مع هذه المكتبة، بحديثهم المتواصل عنها، حديث الناس عن علاقتي بالأشياء الحميميّة يُفقدني حميميتي تجاهها. لأسبابٍ شخصيّة أخرى أيضًا، فقدتُ عنوةً، في السنوات الأخيرة، كمًا كبيرًا من كتبي. لم أبكِ على كتاب واحد منها، باستثناء كتاب واحد هو أعمال شكسبير الكاملة، وكان الكتاب هديّة ثمينة معجونة هوامش ورقه بماء الذّهب. لم أقرأ منه يومًا ورقة، كنتُ مفتونة به إلى حدّ أنني كنت أشتري مسرحيات شكسبير حتى لا ألوّث الكتاب بالحبر.

أجدُ نفسي اليوم داخل مكتبة لا تتعدّى 500 كتاب ورقيّ، إلى جانب الكتب التي أحفظها على الحاسوب والهاتف، وكتب أخرى كثيرة محفوظة على مفتاح حافظ البيانات، هي كنوزي الأدبيّة والبحثيّة، أما الجديد الذي أبحث عنه فأقتنصه بطريقتي، ورقيًا وإلكترونيًا. المكتبات العامّة موجودة، مكتبات الجامعات موجودة، وما زلتُ أجدُ متعةً في الوقوف أمام الرفوف لساعات البحث عن كتبٍ توقعني في البحث عن كتب وأفكار أخرى. العبرة ليست في الكم، وأنا إنسان لا أكره شيئًا في العالَم أكثر من كرهي للأنانيّة والتملّك.

أحفظُ غيبًا كلّ عناوين كتبي التي قررتُ أن تنجوَ معي، عوالمها وأصول فيها على الدوام.

ما زلتُ أحبّ الكتب المستعملة وروائحها، وكلّما رأيتُ داخلها خطّ قارئ مجهول أو علامة أو ملاحظة له أشعر بأن الكتاب عاش حيواتٍ أخرى قبلي، مثلي تماما، وهذا الأهمّ في كلّ الموضوع.

لا أحنّ إلى شيء. أعتقدُ أن التحرّر من أسطرة الأشياء ومن الحنين إليها وازنَ عندي الإحساس بالفقد.

  • ما الكتاب الذي تقرئينه في الوقت الحالي؟

أقرأ في مجالات كثيرة. هذه الفترة، وإلى جانب قراءاتي التخصصيّة، أقرأ أدب الهولوكوست، وتستهويني المقالات الأدبيّة للكتّاب والشّعراء، حواراتهم، سيرهم الذاتيّة، بداياتهم ونهاياتهم أيضًا. صول بيلو، أيزاك باشيفيس زينغر، برنارد مالمود وآخرون.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مكتبة حنان جنّان

مكتبة هند الزيادي