كمال الرياحي في

كمال الرياحي في "البيريتا يكسب دائمًا".. سيرة مسدس الاغتيالات

الروائي كمال الرياحي

يعتبر عالم الجريمة من العوالم الأكثر حضورًا في المشروع الروائي لـ كمال الرياحي، بدءًا بـ"المشرط" و"الغوريلا" و"عشيقات النذل"، وصولًا إلى روايته الجديدة "البيريتا يكسب دائما" (منشورات المتوسط، 2019) واحدة من أعماله التي تعلن منذ البداية عن تمردها، لأنها تنبش في مواضيع سقطت سهوًا أو عمدًا من الذاكرة الروائية العربية، وارتبطت بالعوالم السفلية التي تستقر فيها الجريمة والقتل بعيدًا عن الصور النمطية، لتكتب تاريخ تونس المعاصرة التي لم يُكتب عنها بعد "تونس المتوحشة" على حد عبارته.

هي رواية سوداء تتلبّسك وكأنّها روح غاضبة متمردة تأبى السكون والهدوء. رواية تصرخ في وجه العالم تيمتها العنف الذي يجتاحها شكلًا ومضمونًا. ومنذ العتبة النصية الأولى يضعنا الكاتب أمام المحظور السياسيّ، ويزج بنا في عوالم الممنوع، ويفتح دفاتر الاغتيالات والقتل. هو عنوان مربك لا يفتح شهيّة المتلقي للمضي في القراءة فحسب، بل يدغدغ نوازع الشر فيه ويستثيرها ،لأنّ كمال الرياحي كما عرفناه في رواياته السابقة خبير باللاوعي البشري الفظيع، يعرف كيف يتحسس مواطن الشر، ويعرف أيضًا كيف يخرجه إلى السطح. ومن هنا يطرح المتلقي عدّة تساؤلات وهو إزاء هذا العنوان هل البيريتا هو مفتاح النصّ أم هو مأخوذ من المادة النصيّة؟ أيّ دلالات يحملها البيريتا؟ وما هي وظيفته الإغرائية بالنظر إلى المتن؟

الهامش والمركز

تنفتح الرواية بالحوار الذي يشكّل عمودها الفقري، ونبدأ بأوّل صفحة من صفحات التمرد على هيكل الرواية العربيّة الذي كرس فكرة السيادة للسرد بما أنّه يسمح للراوي بأن يحكم السيطرة على شخصيّاته فيشلّ حركتها ويعوقها عن التعبير عن أفكارها بمطلق الحريّة. وقد انطلق كمال الرياحي من فكرة أنّ الرواية العربية تعيش حالة تأزم ناجمة عن الشحوم السرديّة، فأخضعها لحمية غذائيّة حتّى يخلصها من هذه الزوائد التي تشوهها، وأعاد للشخصيّات ألسنتهاّ التي قُطعت، سائرًا على نهج هيمنغواي وبوكوفسكي، ليغدو الحوار جزءًا من لحم الرواية ودمها، فيسترسل متدفقًا وفيًّا للحبكة البوليسية ولأجواء الرواية التي وقعت أغلب أحداثها في مخفر الشرطة. هذا ما أسهم في تحرّر الشّخصيّة من أسارها وتخليصها من قيود الذّات الكاتبة، وبذلك تدخّل طرف آخر في العمليّة الإبداعيّة ألا وهو المتلقي من خلال إنتاج المعنى بشكل يراعي مقاصد الكاتب من جهة وطبيعة النصّ من جهة ثانية. وتتالى المشاهد في الرواية فتتسلم الشخصيّات القيادة ليتنحى الكاتب جانبًا، ويكتفي بالاستماع إليها ونقل ما يرى وما يسمع دون التشويش عليها. فتكون الرواية أقرب للكتابة السينمائية بالتفاصيل الدقيقة لكتابة السيناريو.

في "البيريتا يكسب دائمًا"، لم يكتف الكاتب بالتمرد على بنية الرواية التقليدية، بل أعلن العصيان على اللغة الروائيّة أيضًا

اقرأ/ي أيضًا: جنان جاسم حلاوي.. غرباء يشهدون لحظات الحرب الأخيرة

لم يكتف الكاتب بالتمرد على بنية الرواية التقليدية، بل أعلن العصيان على اللغة الروائيّة أيضًا في سياق إعادة الاعتبار للمقصيّ وإحلاله محلّ المركز، ذلك أنّ انسحاب الكاتب من الفضاء القصصي قد سمح بظهور خطاب متعدّد جاء على ألسنة الشخصيّات التي تنحدر من طبقات اجتماعيّة مختلفة، بالإضافة إلى تنوّع مصادر معرفتها وتكوينها الفكريّ، وبموجب ذلك حرص كمال الرياحي على عدم الفصل بين الشّخصيّة وخطابها تأكيدًا لجانب الصّدق الفنّي. فدور الرواية هو الإيهام بالواقعية كما يقول الناقد والروائي الأمريكي كولن ولسن، ومن هذا المنطلق عمد الكاتب إلى التوسّل بلغة بسيطة تتماشى مع طبيعة الشّخصيّات فعبّرت عن مستواها الحقيقي حتّى يتسنى لها إقناع القارئ. فكانت اللغة التي عمد إلى الكتابة بها وسطًا بين الفصحى والعاميّة وإنّ جاز لنا تسميتها اللغة البيضاء، ذلك أنّه واع بطبيعة شخصياته التي يستقيها من قاع المجتمع، ومن ثمة لا يرى موجبًا لتهذيب خطابها بدافع أخلاقي وقيمي، فلكلّ شخصيّة لغتها التي تشبهها وقد حرص على حسن توظيفها حتّى يبدو الحوار أحيانًا نتاجًا للحدث، فيخال المتلقّي أنّ الشّخصيّات تتصرّف بمقتضى مشيئتها دون أيّ تدخّل يذكر من لدن الكاتب. كل ذلك ضمن ما تعودنا عليه من كمال الرياحي في اعتماده على بوليفونية السرد، أو وما سماه باختين بالحوارية والأسلبة.

لقد سعى كمال الرياحي إلى فتح الفضاء القصصي على المقصيّ والمهمّش، ومن هذه العوالم استمد مواضيعه، ومنها أيضًا استقى لغته، وبذلك يؤصل الرياحي روايته في عوالم تيّار "الواقعية القذرة" تلك واقعية القاع بوضعياتها ومفرداتها وأفقها، وبالتمعن في القراءة نقف على شخصيّة الكاتب متوثّبة داخل هذا النّص الروائي رافضة للقراءة الأخلاقية ومتحررة من كلّ المعايير التي قننت الأدب وعزلته عن الحياة، وفي هذا السياق لم يتردد في الاحتفاء بلغة الجسد، فحضرت الكتابة الإيروسية في مشاهد موغلة في الفحش، وهو ما يذكرنا بعوالم الماركيز دو ساد الذي يحث على إطلاق الغرائز حتّى وإن وصل الأمر إلى درجة ارتكاب الجريمة. وفي روايته الملعونة بإباحيتها وجرأتها كان الحب بالنسبة إلى شخوصها صنو المتعة والرغبة والشهوة المتقدة، وقد كلفه ذلك أن تكون رواياته مستفزة وأحيانًا جارحة للوعي الجمعي الذي يقاربها من منظور أخلاقي، فحصد اللعنات لأنّه تجرأ على هتك حجب الحياء وعمل على إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا بالدعوة إلى التمرد على السائد والمألوف.

الجريمة والعقاب

تدور أحداث الرواية حول جريمة قتل، فيجد القارئ نفسه مورطا في البحث عن الجاني، ويقحمه كمال الرياحي في شبكة من العلاقات المشبوهة مع شخصيّات تعاني من اضطرابات نفسيّة وسلوكيّة، هو عالم من المجرمين والمشتبه بهم ويخيل إلينا في كلّ مرة أنّ أركان الجريمة قد اكتملت، ولكننا نصطدم بمؤشر جديد يقلب الحسابات رأسًا على عقب. هي متاهة يدخلها القارئ بمحض إرادته دون أن يملك القدرة على الخروج منها لأنّ خيوط اللعبة بيد الكاتب يحركها كما يريد ليزيد في تعقد الأحداث وتشعبها وتنثال الحكايات الواحدة تلو الأخرى، وكلّما ظنّ أنّه قد اقترب من فكّ رموز هذا العالم المشفر إلاّ وباغته الكاتب بلغز جديد وبحكاية مختلفة؛ ونكتشف أنّ الجريمة جرائم وكلّ حكاية هي جزء من قطعة فسيفساء جديدة تنضاف إلى اللوحة التي تحمل صورة جريمة كبرى، وبالتثبت فيها نلاحظ شظايا جرائم متناثرة هنا وهناك يرشدنا إليها صوت البيريتا الملعون وبقايا بقع دم متخثر. وهذا علي كلاب يبحث في جريمة ويقترف هو نفسه جريمة قتل الكلاب وقتل الغوريلا، أمّا الملازمون فيحققون في قضية وهم متهمون بجريمة سرقة البيريتا، وبية شاهدة في قضية وفي الآن ذاته نجدها مورطة في جريمة الافتراء على الملاكم الأسترالي، وتحضر جريمة مقتل شكري بلعيد وجريمة يوسف التي يريد أن يقترفها في حق ماري سلاحه البيريتا ثم يهدد بالانتحار، وهو ما يذكرنا بحادثة انتحار ديفيد والاس.

هكذا تصبح كل الشخصيّات داخل دائرة الاتهام وتتقاطع الصّراعات وتنمو داخل الحبكة فيتسارع النسق السردي وتتوسّع شبكة العلاقات بين الشّخصيّات. فلا يقدم لنا كمال الرياحي صورة جريمة عادية مثلما نقرأها في الروايات البوليسية أو نشاهدها في أفلام الجريمة، وإنّما نحن إزاء جريمة من نوع خاصّ يلعب فيها الخيال دورًا مهمًا وبارزًا، علمًا أنّ الكاتب خبير بفن الحبكة البوليسية التي توهم أنّ الأحداث قد حصلت فعلًا، ويغدو القارئ طرفًا مورطًا في هذا العالم الموبوء المليء بالدسائس والقتل والدماء ويتصاعد فيه وتيرة العنف، ولعلّ العنف الأخطر هو الإفلات من العقاب حيث تتوفر كلّ القرائن من المتهم إلى سلاح الجريمة، ولكن لا أحد يقوى على محاسبة المجرم أو عقابه. هو أشبه بهذا الواقع الذي نعيشه اليوم؛ عالم من الفوضى من كان في القاع صعد إلى السطح ومن هم على السطح يقاومون حتّى لا يغرقوا في القاع.

رواية "البيريتا يكسب دائمًا" هي قراءة للمشهد العام بعد الرجة التي أحدثها الشعب بإسقاط نظام بن علي وتغيير مجرى الأحداث

رواية "البيريتا يكسب دائمًا" هي قراءة للمشهد العام بعد الرجة التي أحدثها الشعب بإسقاط نظام بن علي وتغيير مجرى الأحداث؛ هي تونس الاغتيالات والجرائم التي ما زال البحث فيها جاريًا لمعرفة الجناة الحقيقيين على الرغم من أن أداة الجريمة معروف مصدره مسبقًا، فهو ذاته البيريتا الذي استخدمه علي كلاب لقتل الكلاب وفي واحدة من غزواته فقده، غير أنّ البحث يتواصل وكأنه يعلن عن عودة السيستم الضال بعد تسجيل التاريخ للحظة التغيير الفارقة، وستكون العودة بأكثر الرموز شراسة من خلال شخصيّة علي كلاب "لقد أصبح لا يطاق" كما جاء على لسان أحد الملازمين الذين يعملون معه. عاد ظنًّا منه أنّه سيعود كما كان، بيد أنّ شيئًا ما حدث جعل العودة مشوهة لأنّ الرموز ارتبطت بالسيستم الذي سقط منذ لحظة تسلق الغوريلا الساعة. إذًا الزمن تغير والواقع لم يعد هو ذاته بعد الرابع عشر من كانون الثاني/يناير. عاد السيستم مثقلًا بالجراح معطوبًا لا خير فيه ولا رجاء. وهنا تضيع على علي كلاب لحظة البطولة التي يشاركه فيها أكثر الشخصيّات ضآلة وتهميشًا، هو رجل الحمام ذلك الملاكم الذي حوّله السيستم إلى رجل مقعد كسيح لأنّه حاول أن يكشف ألاعيبه ويفضح خفايا عالم المصالح القذرة، فإذا علي كلاب يتسبب في بتر جزء من تونس بالممارسات ذاتها؛ التعذيب والسحل والكذب والافتراء ويتغول رجل الحمام داخل النسيج السردي فيمسك بخيوط اللعبة ويتموقع من جديد.

اقرأ/ي أيضًا: علي المقري في رواية "بلاد القائد".. بارانويا الحاكم العربي

وفي الطرف المقابل أو ربما الوجه الآخر للرواية تقف على ناصية الخيال سيرة حياة الروائي الأمريكي " ديفيد فوستر والاس" الذي انتحر سنة 2008 وهو في قمة العطاء والإبداع والشهرة، وقد بقيَ لُغزًا في مشهد الأدب العالمي وعندما رثاه صديقه الروائي "جوناثان فرانزن" وصفه بالكاتب المحبوب، وقد سأله في تأبينه "ما بك يا رجُل؟"، فانطلق كمال الرياحي من هذا السؤال "ما بك يا رجل؟"، وحاول البحث في قضية موته: هل تعلق الأمر بانتحار أم بقتل؟ وتتقاطع الشخصيّات في مسارات عديدة من تاريخها وتتوالى المشاهد السينمائية من قبيل العلاقة بين يوسف غربال الصحفي في إحدى الصحف الأجنبية وصديقة زوجته ماري الذي يمثل انعكاسًا لصورة الكاتب الأمريكي وامتدادًا له، ومن خلالهما يحاور الكاتب شبح ديفيد فوستر وعشيقته كاثرين وكلاهما يعاني من كابوس الخيانة، فهذا جوناثان صديق ديفيد وملاك جار يوسف الذي يفكر جديًا في الانتحار حتّى يتخلص من كلّ هواجسه التي تؤرقه وتحرمه العيش بسلام. وتبقى الشخصيّة الجامعة لكلّ مفاصل العمل الروائي هي البيريتا الذي يفرض حضوره باعتباره شخصيّة رئيسية ومحورية تماشيًا مع الاتجاه الروائي الذي يولي أهميّة للشخصيّة مهما كانت طبيعتها طالما أنّ الشخصيّات ليست إلاّ كائنات ورقية يحدد الكاتب موقعها. هذا المسدس الملعون يجوب طول الرواية وعرضها هو الكلمة المفتاح فيها وهو لغزها؛ هو الأداة التي استخدمها علي كلاب في جرائمه ولكنّه ضاع منه ووصل إلى يد غيره من راكبي الفيسبا فارتكبوا جرائم اغتيال شكري بلعيد ومحمد البراهمي ويبقى السؤال مطروحا كيف وصل إلى أيديهم؟

تندرج هذه الرواية في سياق مشروع بدأه كمال الرياحي مع رواياته "المشرط" و"الغوريلا" و"عشيقات النذل".. المستمدة جميعها من أحداث حصلت في تونس وشكّلت منعرجات على المستوى الفكري والسياسي والاجتماعي. فقد تمكن بكلّ حرفيّة من التقاط لحظات فارقة في تاريخ تونس المعاصرة بعيدًا عن الكليشهات التي يروج لها، تونس العمق بكلّ تفاصيلها وجزئياتها لوّنها بألوان خياله الذي يوهم هو ذاته بالواقعية. وهذا أمر لا نستغربه من كاتب يعتبر أن الخيال لا يمتّ إلى الفانتازيا والهلوسات بصلة، فهو يمشي معنا وينام معنا ويقلّب معنا صفحات الجرائد وينزعج من مواء القطط، فكلّ ما في الرواية ينبئ بواقعيتها في أمكنتها وزمانها وشخوصها وأحداثها.

تعبٍّر هذه الرواية عن رؤية كمال الرياحي لفعل الكتابة بوصفها انتصارًا للمنبوذين وللمهمشين وللمجرمين وللضحايا، انتصار للإنساني في الإنسان، وإفشاء للسرائر بكلّ ما فيها من ندوب وقروح ودمامل، وبكلّ ما فيها من رعب وقبح، هو انتصار للحقير وللدوني تلك الرغبات الحيوانية التي تكبح بفعل الضوابط المعيارية والمنظومة السلوكية والصورة النمطية ليخرج جمالية القبح فيها. هي كتابة غاضبة متمردة ثائرة على الفساد في وجوهه المختلفة السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة والإعلامية كتابة تستمد نسغها من حركة استنزافية وانفجارية للذات المعطوبة تكتب أعماق النفس البشريّة وتسبر أغوارها وتقلب بواطنها لتكشف عن الأعشاش الصغيرة التي يرقد فيها الشر والجريمة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الحبيب السالمي.. بكارة المكان ومجهر الثورة

رواية "مخاض السلحفاة" وكتابة تيار الوعي