مكتبة سعد الله ونوس.. هجرة وجدل

مكتبة سعد الله ونوس.. هجرة وجدل

سعد الله ونوس (فيسبوك)

في ذكرى ميلاده الخامس والسبعين، استطاعت الجامعة الأمريكية في بيروت الظفر بمكتبة الكاتب المسرحي الراحل سعد الله ونوس (1941-1997) بالاتفاق مع عائلته. هكذا إذًا غادرت المكتبة أرضها في سابقة من نوعها، وستكون رحلة مكتبةٍ سوريةٍ محطًا للتساؤل والاستفسار من قبل مثقفين وكتاب، بعضهم اعترض على خروج المكتبة من موطنها الذي يستحقها، ورأوا فيه تشييعًا لإرث ثقافي أدبي لسوريا ولمسقط رأس الكاتب، وأمكنة أخرى أحبها وكان موجودًا فيها، وبعضهم أشادوا بنجاة المكتبة وتربعها على عرشٍ ملائم وآمن.

غادرت مكتبة سعد الله ونوس أرضها لتحط بها الرحال في الجامعة الأمريكية في بيروت

ثمة قيمة ثقافية لمكتبة مثقفٍ له شأنه كسعد الله ونوس، حتى من لا يعرفونها يستطيعون أن يدركوا مقدار أهميتها، ليس لحبه للكتب كمثقف وكاتب وحامل لأسئلة وهموم ثقافية تنويرية وحسب، بل لموضوعات مسرحياته ودراساته العربية التي شكل جزء كبير منها وعي المثقف ودوره ومكانته، في فترات وأزمنة إشكالية ومضطربة. 

اقرأ/ ي أيضًا: حديث الشيخوخة.. الجاحظ في لبنان

ولذلك نخمن بأن ما امتلأت به جدران بيت الراحل، ليست إلّا كنزًا حقيقيًا، تعبَ وهنئ بتجميعها والحفاظ عليها. تقول زوجة الراحل السيدة فايزة الشاويش، حول الحدث في منشور في صفحتها على فيسبوك "قبل رحيله بشهور سألني سعد: ما مصير المكتبة؟ فقلت له هي في عيوني. فقال: لكنها عبء. قلت: عبء جميل. فأردف: تبقى عبئًا. فأجبت: لا تقلق، ثق بأنها ستكون في مكان لائق. فسألني: كيف؟ فقلت له: دعها للأيام. فرد عليّ: وعد؟ فكان ردي عليه: وهل أخلفت مرة؟".

ومن وعدها لصاحب أكبر إرث مسرحي سوري، تنقلت باحثةً عن مكان تحمي به الكتب من الضياع، شكوكها ومعرفتها بأن هناك عطبًا يصيب الكتب في دمشق، لا سيما البسطات التقليدية للكتب القديمة والمستعملة، التي صارت تتغذى على كتبٍ لأُناس سُرقت بيوتهم ومكتباتهم وبيعت لتلك البسطات، حيث يجد صاحب المكتبة نفسه أمام كتاب له معروضًا ومُسعرًا. فحرضها ذلك للبحث عن الملجأ الآمن، فخوف السيدة شاويش من تلك الصدف جعلها أخيرًا تقرر قرارًا حاسمًا بالتبرع بالمكتبة لإحدى المؤسسات التي تُعنى بالشؤون الثقافية. حين شرحت عبر منشورها أنها اعتمدت سؤال وزارة الثقافة السورية في دمشق بأن تقبل المكتبة وتجد لها مكانًا، ولكن الوزارة رفضت لعدم إمكانيتها الترتيب لذلك الأمر، أمّا جامعة دمشق التي كانت إحدى الخيارات الآمنة فيبدو أنه لم تكن باستطاعها تحمل ذلك العبء، في النهاية، ختمت السيدة شاويش بحثها عن ذلك المكان الآمن قائلةً: "توجهت إلى المعهد العالي للفنون المسرحية، أجابوني أنهم بسبب حرصهم الشديد على مكتبة الراحل الكبير التي لا تقدر بثمن، لا يستطيعون أخذها؛ لأن جدران وسقوف المعهد فيها رطوبة عالية، ستتلف الكتب. وأخيرًا قررت أن تكون المكتبة في الجامعة الأمريكية في بيروت. تبرعنا بها وقد تبنوها بامتنان واعتزاز شديدين". 

من الجيد أن تكون هذه المكتبة الثريّة في مكانها المناسب، لما تحويه من الكتب الأدبية والثقافية من مؤلفات وتراجم ثمينة وغالية فكريًا، ولكن من المؤسف أن تعيش خارج سوريا التي ستحتاجها بعد وقف الدم، بل ستكون أكثر من يحتاجها، وبالنظر إلى طبيعة المكان الذي سافرت إليه المكتبة، الذي يعتبر معلمًا أكاديميًا وثفاقيًا هامًا قبل الحرب الأهلية اللبنانية، لكنها اليوم عكس ما كانت عليه، فالشكوك كبيرة حول إمكانية وسهولة الوصول للمكتبة والاغتناء منها هناك.

من المؤسف أن تعيش مكتبة ونوس خارج سوريا التي ستحتاج إليها بعد وقف الدم

هذا ما انبرى الكثيرون ينتقدونه، ويأخذون منه موقفًا مستفهمًا. ولكن يبدو السؤال الأقرب إلى المأساة، هل حقيقةً أن مؤسسات كبيرة وهامة في سوريا لم تستطع قبول المكتبة؟ وإذا كانت تخاف عليها من الضياع، لماذا لم تُهيئ لها مكانًا مناسبًا؟ 

اقرأ/ ي أيضًا: منذر مصري وشركاه.. هكذا احتال الشعر علينا!

في بعض المؤسسات الثقافية في دمشق، أو في طرطوس مدينة الكاتب الراحل، بنية تحتية متاحة وبعيدة عن الخراب، وعليه لم لا يُبنى أو يُحضر كل ما هو مناسب وآمن لحماية الكتب والاستفادة منها، إذا كانت المسألة مادية فهم بالتأكيد يدفعون للحرب أكثر مما يدفعون لحماية إرث رجل كونوس أعطى سوريا وجهًا وأعطته الصمت. أمّا إذا كان الخوف وحده هو المبرر لتشييع المكتبة إلى بيروت، فيصبح معها حال السوريين والكتب واحد، فكثرٌ شُيعوا إلى هناك، بيروت المكان القريب البعيد، مدينة مفتوحة على الحلم والممكن. 

في مزامنة واقتران مكاني، كانت لأحداث بيروت أثر مهيمن على أحداث حياة ونوس، عندما عاد منها بعد أن اشتد حصار المدينة إثر الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 صامتًا خائبًا من تلك الهزة العربية، ليعود بعد ذلك بمسرحيته السياسية الأشهر، "الاغتصاب" 1990. نتمنى أن يعود إرثه الثقافي لمكانٍ حيوي مفيد للسوريين، ليس بعيدًا عنهم وعصيًّا عليهم، يرون من خلاله مرجعًا سياسيًا ثقافيًا عن تجارب وهزات عربية.

 

اقرأ/ ي أيضًا:

كتب تنتظرها مجلة "تايم" هذه السنة

كاثي أونيل: الرياضيات ستربتيز مجاني