مصائر مبهمة

مصائر مبهمة

جان دوبوفيه/ فرنسا

كنت أشعر بمفارقة غريبة حين وصلتني دعوة الى مهرجان موسيقى الجاز، وأنا أجهّز نفسي لسهرة استثنائية، خصوصًا أنّ صديقي تميم عضو بالمجموعة الموسيقية التي لاقت نجاحًا باهرًا، حتى ذاع صيتها بين أرجاء العالم وأحرزت إقبالًا جماهريًّا منقطع النظير، في جميع حفلاتها المتفرّقة هنا وهناك على مدار السنة.

ها هي الليلة تقيم حفلها السنوي بمدينتي الحالمة طبرقة اللاصقة بالبحر، ذات الأجواء المتوغّلة في الشغف والمتأهّبة لطقوس الغواية في كنف الفنّ.

تميم عازف متمرّس على آلة الساكسفون، فلطالما خبرت موهبته منذ بدء تعارفنا في ردهات الجامعة وهوسه بملك الجاز لويس أرمسترونغ. كان يُعدّ موهبة فذّة منذ نعومة أظافره بعد أن تعلّم عن والده العزف على التشيلّو، لكن عبثًا اختار لنفسه شيئًا آخر في ولاية لوزيانا الأمريكية، ليختزل جاذبية لون موسيقيّ اخترق القلب النابض لبلد يعجّ بالاختلاف وهو بالمهجر.

قد يبدو الأمر شاذًّا بعض الشيء لضابط شرطة تعوّد الولوج في عالم قذر تستفحل فيه الجريمة والانحراف، لكن تذكرة الحفل انتشلتني من مصفوفة معقّدة وانحباس لمجرى الإنسانية، لأقتفي أثر إيقاع مختلف لأكسير الحياة.

إنها الحاجة إلى التطهّر من أدران الواقع البائس، وكدر التفاصيل الموحشة، والقضايا المتخبطة في الحضيض، وأنا أكاد انفصل عن العالم الرخو، لأكون شاهدًا على قسوة المصائر في قلب الظلمة، والخواء الأخلاقي المتربص بأجيال متوافدة على الموبقات والعربدة بين حشيش وقتل بشع، بغاء سري، عصابات السطو والنهب ومافيا التهريب. حتى خلتها كائنات مفزعة مكوّمة فوق بعضها البعض.

تزداد سماكة ووحشيّة كلما اشتد جوعهم ونهمهم إلى حد التناحر والسقوط المرّوع.

رن هاتفي النقال فجأة وابتلعني صوت تميم وأنا أرد على المكالمة:

-أحمد. انا رهن الإيقاف. تورطت في قضية مخدرات. آسف يا صديقي لقد خذلتك.

-تميم ماذا تقول؟ كيف ذلك؟ أين أنت تحديدًا؟ ألو..

فصل الخط دون أي توضيح أو إشارة منه حتى أدرك ما يجري.

صرت أهذي وأنا أنسلّ من صوتي ثم أستنشق بقوة. كان وقع المكالمة صادمًا كلحظة دهشة أطفأت يقظتي على حين غرّة وجعلتني مشوّه التفكير. إنها الطامّة الكبرى! هل تميم متورّط فعلًا؟ الشاب اليافع العاشق للفن، المنغمس في السعي الى اقتناص حريته وخوض غمار الشهرة ونحت مصيره المشعّ، لكنّه بقي وفيًّا لهذا البلد، تونس، يزوره بين الفينة والأخرى كمن يوقظ الأمس ويدمج الغد لكسر تابوهات الزمن.

الصدمة، وسرب الأسئلة اللعينة عالقة في رأسي. هل تميم مجرّد مستهلك؟ أم هو عميل لعصابة أجنبيّة؟ ماذا لو تبين أنه مرّوج قذر في أرجاء البلد؟

أكاد لا أصدق ما سمعت. ربما كان ضحية مؤامرة، كسائر المظلومين الذين احتلوا الزنزانات المتصدعة إثر اتهامات باطلة زجت بهم في قبور مصمّغمة، فلم يتبق منهم إلا رائحة الأحشاء الفارغة والوجوه النافرة من ضوء الحياة.

أشعر بضياع وإقفار وأنا في متاهة مربكة خلّفها وابل التخمينات، فتشجنت أصابعي وأضحت منهمكة في التهام قبضتي تحت تأثير الغضب حتى بت على وشك الانهيار.

ركضت نحو خزانة ملابسي والتقطت بدلتي الرسمية، ثم علّقت شارتي وانطلقت خارجًا محاولًا السيطرة على ذعري الخاص، لئلا يطفو على وجهي تعاطفي تجاه ضحيّة مصيرها مبهم، لكنه يموت خلفي الآن تحت راية الواجب.

 

اقرأ/ي أيضًا:

تاءٌ يتراقصُ على بياضٍ

أعراس عابرة