مسلسل

مسلسل "مناورة الملكة"... النسوية في سياقها المعتدل

من المسلسل (IMDB)

في كتابها "I'm a Bad Feminist"، تصف روكسان غاي نفسها بـ"النسوية السيئة" تقول: "أنا إنسانة -كجميع الناس- مليئة بالتناقض، ومع ذلك لا أريد أن تتم معاملتي بشكل سيئ فقط لأنني امرأة، لذا أفضل أن أكون نسوية سيئة على ألا أكون نسوية إطلاقًا".

روكسان غاي: "لا أريد أن تتم معاملتي بشكل سيئ فقط لأنني امرأة، لذا أفضل أن أكون نسوية سيئة على ألا أكون نسوية إطلاقًا"

يبدو أن هذه واحدة من أهم الأفكار التي يتناولها مسلسل "مناورة الملكة" المأخوذ عن رواية تحمل نفس الاسم  لكاتبها والتر تافيس ويعرض على نتفليكس حاليًا؛ يبدأ المسلسل بمشهد انتحار اليسون هارمون التي قررت أن تنهي حياتها وحياة طفلتها اليزابيث أو بيث ذات التسعة أعوام، بعد أن وجدت نفسها بلا حول ولا قوة ولا مال، تنجح الأم بقتل نفسها وتنجو الطفلة بأعجوبة، تنتقل لتلقى الرعاية في دار "ميثوين" لرعاية الفتيات اليتيمات، هناك تتعلم اليزابيث هارمون الشطرنج على يد الحارس شايبل في القبو، ومن القبو ستنطلق لتصبح نجمة عالمية في اللعبة وحالة فريدة من العبقرية.

اقرأ/ي أيضًا: نتفليكس: أول تشويقة للموسم الرابع المرتقب من مسلسل "ذا كراون"

في دار الرعاية حيث لا مكان للتميز والخصوصية يبزغ نجم هارمون، مع وصولها بعد الحادث تستقبلها السيدة ديردورف المسؤولة هناك، وترافقها للتعرف على غرف ومرافق الدار، حيث تشاركها واحد وعشرون طفلة غرفةَ النوم وباقي المرافق، بعدها تطلب منها أن تخلع فستانها الذي طرزت عليه والدتها اسمها بيث لتبدله بزي عادي ترتديه أغلب البنات من حولها، ثم تقوم بقص شعرها الأحمر الطويل لتصبح نسخة جديدة مكررة من فتيات دار الرعاية لا يميزها في مظهرها عنهن شيء، لكنها مع ذلك ستخلق لنفسها فسحة وستمتلك سقف الغرفة لتخوض عليه بخيالها الخصب معارك ومناورات الشطرنج، وتثبت تميزها واختلافها، فهي بارعة في الرياضيات والجغرافيا وقارئة نهمة.

بعد أن تتبناها عائلة ويتلي تتفاجأ بأن لها غرفة خاصة لا يشاركها بها أحد، فتسأل السيدة ألما باندهاش: "هل كل هذه الغرفة لي؟" حتى الآن قد تبدو الرواية أو المسلسل عملًا عاديًا لا تخرج قصته عن إطار المألوف، فما الذي يجعل هذه الرواية عملًا جديرًا بالتقدير ومستحقًا للترجمة الدرامية التلفزيونية ومصنفًا عند الكثيرين كأفضل مسلسل دراما في عام 2020؟

لعل أهم نقاط الاستحقاق وقوفه في مواجهة فكرة العنصرية، فإليزابيث هارمون تقتحم صالات اللعب المخصصة للرجال، يقول لها شايبل عندما تطلب منه تدريبها واللعب معها: "الفتيات لا يلعبن الشطرنج". لكنها تلعب وتهزمهم في أغلب مباراياتها، تتجاهل المجلات والصحف عبقريتها وموهبتها وجميع انتصاراتها وتركز على كونها "فتاة تلعب الشطرنج". تشتكي هارمون لوالدتها بالتبني فتقول: "أغلبه عن كوني فتاة، لا ينبغي أن يكون الأمر بهذه الأهمية، لم يذكروا نصف الأشياء التي قلتها عن السيد شايبل ولم يذكروا طريقتي باللعب، بيث هذا يجعلك مشهورة. مشهورة لأني فتاة".

في مسلسل "مناورة الملكة"، تقتحم فتاة صالات الشطرنج المخصصة للرجال، يقول لها أحدهم: "الفتيات لا يلعبن الشطرنج"

تواجه صديقتها جولين المراهقة السوداء العنصرية بالتمرد والسخرية، تكافح وتحارب لتحصل على منحة وتدرس المحاماة لتكسب معركتها ضد مجتمع ينبذ المرأة السوداء، فتصبح امرأة مستقلة ومحترفة ومحترمة في عملها ومجتمعها، يتعدى العمل فكرة العنصرية المبنية على ثنائيات "أبيض وأسود" و"رجل وامرأة"، فيتناول ثنائيات أخرى أكثر اتساعًا مثل "الشرق والغرب"، فالخصم الروسي الذي يبدو قاسيًا ومرعبًا في البداية كما تصوره عادةً الدراما الأمريكية، يتحول إلى بشر عادي عند الاقتراب منه، فاللاعبون الروس والجمهور الروسي يحتفل بهارمون  وعبقريتها رغم أمريكيتها وهزيمتها لمواطنهم بورغوف، تحاول الكنيسة التدخل واستغلال اللعبة لغايات التبشير ومواجهة الإلحاد والشيوعية بتمويل رحلة هارمون الباهظة إلى موسكو مقابل تصريحات تخدم الدين والكنيسة لكن الثانية ترفض، "أنا مجرد لاعبة شطرنج". "لكنك مسيحية أيضًا". ثم تحاول الدولة أيضا الترويج لنفسها من خلال اللعبة فيقول المبعوث المرافق للبطلة في موسكو: "اخرجي للصحافة، أخبريهم أن وجودك في روسيا يجعلك فخورة بكونك أمريكية".

اقرأ/ي أيضًا: 8 مسلسلات من أفضل إنتاجات نتفليكس

البطلة ترفض تمويل الكنيسة لرحلتها وترفض أي تصريح سياسي يمليه عليها رجال السياسة وتنحاز لإنسانيتها ولشغفها باللعبة، يطرح العمل فكرة الدعم بقوة، ومع أن هذه الفكرة قد تعتبر امتدادًا لفكرة نبذ العنصرية إلا أنها تستحق أن نسلط عليها الضوء، فالأطراف التي قد نتوقع لها أن تكون أطرافًا متنافسة ستقف إلى جانب بعضها وستقدم الدعم لـ هارمون، فالرجال في هذا المسلسل أو الرواية طرف داعم ومساند لمسيرتها ونجاحها، إذ يدربونها ويشكلون معها فريقًا، ويقدمون النصائح والخطط.

يقول بيني واتس بطل أمريكا في المسلسل: "الروس يساعدون بعضهم، أما نحن الأمريكيين فكل واحد منا يعمل بمفرده، إننا فرديون لا نحب أن يساعدنا أحد". وتقدم جولين الدعم المعنوي والمادي لهارمون بغض النظر عن اختلاف لونيهما، تدعمها والدتها بالتبني وتؤمن بها، ثم يصفق لها الروس عندما تهزم بطلهم ومواطنهم بورغوف.

لعل أهم فكرة يقدمها العمل هي النسوية في سياقها المعتدل والبطولة في حدود المعقول والواقعي، فالبطلة فتاة عادية أبعد ما تكون عن المثالية، إنها مليئة بالتناقضات والأخطاء، تكذب وتسرق وتحتال وتدمن الكحول والحبوب المهدئة، لكنها مع ذلك ليست إنسانة سيئة، بل تقاوم مرارًا رغبتها بالشرب وتناول الحبوب المهدئة، تنجح حينًا وتخفق حينًا، إنها بطلة عادية يتخلل رحلتها الكثير من الصعود والهبوط، تفوز وتخسر، تنفعل وترتكب الحماقات رغم عبقريتها، تدفع ثمن تهورها وغرورها وثقتها الزائدة بنفسها، إنها نموذج نسوي جديد، نموذج واقعي ومعتدل، فهي العبقرية صاحبة الموهبة، الواثقة بنفسها والمستقلة، لكنها في الوقت ذاته بحاجة للحب والأصدقاء والدعم والمساعدة، عاشقة للموضة والفساتين، أنيقة تهتم بتفاصيل ملابسها قبل المباريات، تهتم بترتيب شعرها وإطلالتها، فلا تتعارض عبقريتها مع اهتماماتها الأنثوية ولا يتناقض استقلالها وثقتها بنفسها مع علاقتها بالرجال أو حاجتها للمساعدة، ولا تجد نفسها دائمًا مثالية، وبكل الأحوال لن يكون جمالها أو أناقتها سبب انجذاب الرجال لها، بل تفردها وتميزها وتمسكها بحقها في اللعب وخوض المنافسات حتى لو كانت المرأة الوحيدة بينهم.

يتعدى مسلسل "مناورة الملكلة" فكرة العنصرية المبنية على ثنائيات "أبيض وأسود" و"رجل وامرأة"، ليتناول ثنائيات أخرى أكثر اتساعًا مثل "الشرق والغرب"

إنه التمرد الهادئ على العرف والمألوف والذي لا تنسلخ به المرأة عن ذاتها واهتماماتها حتى الساذجة والبسيطة منها، ولا تحتاج فيه المرأة للتطرف لتلفت النظر لقضيتها، يفاجئك العمل بعجزك عن توقع الأحداث، فهو يكسر عدة صور نمطية في أذهننا كمشاهدين أو قراء، ففي حين يتوقع المشاهد أن تكون دار الرعاية بيئة قاسية على طفلة عبقرية سنتفاجأ بكونها بيئة داعمة إلى حد ما، ومتعاطفة مع الفتيات واحتياجاتهن، وحين نتوقع قسوة ألما والدة هارمون بالتبني بسبب إدمانها واضطراب علاقتها بزوجها وإفلاسها سنجدها داعمة لها على عكس أمها البيولوجية، ففي الوقت الذي اختارت فيه أليسون والدة هارمون البيولوجية لها الموت لعجزها وإفلاسها، نجد أن والدتها بالتبني ألما اختارت لها الانطلاق والحرية وآمنت بموهبتها، فصارت هذه الموهبة مصدر رزقهما وسببًا للسفر والشهرة. لعل أمها البيولوجية تمثل بطريقة ما النسوية المتطرفة المنعزلة عن واقعها ومجتمعها.

اقرأ/ي أيضًا: مسلسل "النخبة".. عن التعدّدية الجنسيّة وتنوّع الثقافات وفلسفة العالم الحديث

العبقرية وحدها لا تكفي، فالخيال والقراءة والاجتهاد والمثابرة والدعم والمساعدة كلها أمور يحتاجها العبقري مهما بلغ من العبقرية، ما أحوجنا للاعتراف بعدم حاجتنا لأن نكون مثاليين وللاعتراف بحاجتنا لتعاطف الآخرين ودعمهم ومساندتهم، وحاجتنا لأن نكون شركاء رجالًا ونساء لا متنافسين لنمنح الفرص والأمل لمستحقيها بعيدًا عن جنسهم ولونهم وجنسيتهم وأصلهم وفصلهم.

اقرأ/ي أيضًا:

على نتفليكس.. الجنس والعنف ومستقبل البشرية

فيلم "The King".. المؤامرة التي تصنع ملكًا