مذكرات

مذكرات "الضباط الأحرار" على التلفزيون العربي.. تراكمات الهزيمة الكبرى

الراحل جمال عبد الناصر أثناء خطاب دستور 1956 (Getty)

استعرضت السلسلة الدوكودرامية  "مذكرات" التي يعرضها التلفزيون العربي، في إطار استعادتها لتجربة  تنظيم الضباط الأحرار العسكري السري،  حتى الآن ما قدمته أوراق خالد محيي الدين بخصوص تجربته وتجربة التنظيم في الإعداد للسير نحو السلطة كما السيطرة عليها. إضافة لما وفرته مذكرات محيي الدين لاحقًا بخصوص التفاعلات الداخلية ضمن قيادة التنظيم حول قضايا أساسية عديدة على صلة بإدارة الدولة والمجتمع ومواردهما. كل هذا عبر مراحل حرجة ودقيقة في عمر تجربة التنظيم ومصر الجمهورية والمنطقة العربية معهما، كالعدوان الثلاثي 1956 مثلًا أو هزيمة حزيران 1967.

يمكن لتجربة تنظيم الضباط الأحرار أن تحفز نقاشات مطولة حول تفاصيل تعاطي السلطة وإدارة موارد الدولة والمجتمع. لكن لا يفترض من مثل هذه النقاشات، على أهميتها، أن تغطي على الأدوار التي لعبها التنظيم إقليميًا ودوليًا ولا على الرؤية المحركة لمثل هذه الظاهرة السياسية

كما توقف استعراض مذكرات الضباط الأحرار والتعرض لتفاصيل كثيرة ضمنها لدى ما قدمته أوراق عبد اللطيف البغدادي، خصوصًا العلاقة التي أشيع الكثير عنها بين التنظيم المعني وتنظيم الإخوان المسلمين، يضاف إلى ذلك الكثير مما أثاره البغدادي من انتقادات بشأن عدم ديمقراطية أساليب التنظيم وسياساته في السلطة، رفقة انتقادات شبيهة ومن مصادر معاصرة للبغدادي ومحايثة لحركة الأحداث بخصوص مواقف البغدادي نفسه السلبية من الديمقراطية. كما تطرقت السلسلة سابقًا، وإن بشكل موجز، إلى تخوفات الراحل جمال عبد الناصر من وجود محمد أنور السادات ضمن التنظيم والقلق من توجهاته.

اقرأ/ي أيضًا: مذكرات "الضباط الأحرار" على التلفزيون العربي.. إنصاف علني لسيرة التنظيم السري

أما في ثالث الأجزاء ضمن السلسلة المعنية، الذي عرض على شاشة التلفزيون العربي مساء الخميس 6 آب/أغسطس 2020، فأتى التناول لتجربة تنظيم الضباط الأحرار من محاور إضافية تعلقت بتبعات هزيمة 1967 على تنظيم الضباط الأحرار ونظام عبد الناصر. إذ استهلت الحلقة الثالثة من حيث امتد موضوع الحلقة السابقة، أي هزيمة حزيران 1967. لتنقل الحلقة معطيات عامة متداولة بشأن تلك الحرب، كتدمير الأسطول الجوي المصري في ساعاتها المبكرة.

ظهر أول ضيوف الحلقة، الباحث عبد الفتاح ماضي، ليشير إلى مسألة أساسية في التأريخ لحرب 1967، مقدمًا للمقولة التي تتعاطى مع تلك الحرب على أنها هزيمة مكتملة الأركان عظيمة الأثر، وليست مجرد انتكاسة أو نكسة. كما استند ماضي على استشهادات من مذكرات خلف عبد الحكيم عامر في قيادة الجيش المصري، ومهندس حرب الاستنزاف، محمد فوزي للتأشير على بعض المعطيات المتعلقة بتلك الهزيمة.

في تلك الأثناء انتقل شريط الحلقة لاستدخال مذكرات جديدة ضمن السلسلة، هذه المرة لـجمال حماد. عضو التنظيم الذي تعرض للاعتقال  المقتضب عام 1969 لدى مخابرات عبد الناصر. وبذكر شهادة حماد/مذكراته، فقد تركزت تلك المذكرات فيما قدمته على المرحلة التي تلت حرب 1967. وكان مصير كاتبها مشابهًا لمصير أعضاء كثر ممن أسسوا التنظيم كجمال سالم وخالد محيي الدين وعبد اللطيف البغدادي.

رسمت تجربة تنظيم الضباط الأحرار خارطة طريق عسكرية نحو السلطة والسياسة معًا تتم الاستفادة من تقنياتها في مصر حتى اليوم دون أن تكون المشتركات متعلقة بالدوافع أو الرؤى

احتل انسحاب أعضاء التنظيم وإقصاء بعضهم مساحة محورية في الثلث الأول من الحلقة الثالثة من السلسلة، ليدفع الحديث نحو الجيل الجديد من أعضاء التنظيم أو الوجوه الجديدة التي تصدرته للدقة، كما المرحلة الجديدة في عمر تجربته بعد هزيمة 1967. إذ يرى حماد تلك الهزيمة على أنها مرحلة فاصلة في عمر التنظيم  والناصرية، بل إنها نهاية لهما بأحد المعاني.

اقرأ/ي أيضًا: مذكرات "الضباط الأحرار" على التلفزيون العربي.. عبد الناصر من زوايا كثيرة

هذا أن من بين ما برز إلى العلن بعد هزيمة 1967، ليست حقيقة إسرائيل وطبيعة قوتها وتحالفاتها في المنطقة العربية فقط، بل أيضًا أتت هذه الهزيمة كاشفة لعورات كثيرة في الجمهورية التي أسسها تنظيم الضباط الأحرار وممكناتها. كما قادت تلك الهزيمة إلى تفاقم الصراعات على السلطة أكثر في دواخل التنظيم الحاكم.

يعود شريط الحلقة إلى مذكرات حماد، في الإشارة إلى موقف وأفكار عبد الناصر فيما يخص عبد الحكيم عامر ورغبة عبد الناصر في التخلص منه. إلا أنها قبل أن تستفيض في هذا السياق انتقلت لتناول استقالة جمال عبد الناصر الشهيرة، التي تراجع عنها لاحقًا بعد مطالبات شعبية بذلك. ليعود الشريط  مع عودة عبد الناصر إلى السلطة متناولًا انتحار عبد الحكيم عامر، الذي شكك في حقيقته المؤرخ جميس بار في حديثه لعدسة مذكرات. إذ رجح بار أن يكون قد تم التخلص من عامر في حقيقة الأمر وأنه لم ينتحر.

باقتباس مذكرات حماد، قدمت هذه الحلقة  في أحد مشاهدها المطولة إعادة تشكيل دوكودرامي لشهادة حماد بخصوص اعتماد عبد الناصر الكبير والمفاجئ على سامي شرف، وما تلاه من إسناد عبد الناصر الكثير من المهمات والصلاحيات لمحمد أنور السادات، الذي كان قد عبر  عبد الناصر نفسه عن عدم ثقته به في مناسبات كثيرة، تم توثيق بعضها في حلقات السلسلة السابقة.


جنود إسرائيليون في صورة مع صورة عبد الناصر عقب العدوان الثلاثي (Getty)

تدخل الضيف الذي حضر في حلقات السلسلة جميعها حتى الآن، الباحث جمال الجمل، ليفتح مسار تناول مشروع إعادة بناء الجيش الذي شرع فيه عبد الناصر بعد هزيمة 1967، وتحضيراته ودور هذا المشروع في الحرب المنسية إلى حد بعيد في التأريخ للصراع مع إسرائيل، أي حرب الاستنزاف.

كما أشارت هذه الحلقة إلى توصيف المفكر عزمي بشارة بخصوص التجربة الناصرية، ومقولته عن عدم استطاعة الكثير من المراقبين الأجانب فهم محاور أساسية في الحقبة الناصرية وتجربة عبد الناصر،  بشكل أساسي توفير تلك التجربة لأسس حقيقية لمشروع دولة تحديثي. كما أن المرحلة الناصرية شكلت علامة فارقة عربيًا في تجاوز الإرث الاستعماري. وهذا ما يعيد الحديث إلى مقولة عبد الناصر بخصوص قصر حقبة حكم الضباط المفترض كما كان يراها هو، ودور الضباط بشأن قيادة المجتمع إلى المرحلة التالية لا الاستمرار أبدًا في السلطة.

كيف انتهى المشروع الناصري إلى ما انتهى إليه؟ سؤال قابل لاستقبال إجابات واسعة، طرحه صوت الراوي في الشريط، لينتقل إلى اقتباس عبد الناصر بخصوص انتقاداته وتقييمه للواقع الذي وصلت إليه تجربة تنظيمه في السلطة.  بهذا تكون سلسلة مذكرات "الضباط الأحرار" قد تعرضت لمجموعة من مذكرات أبرز الشخصيات الفاعلة في تأسيس التنظيم وعمله. كما توقفت عند مراحل شائكة في تجربته لا يسهل تناولها سريعًا ولا مجرد استعراضها ببث تلفزيوني، لكن بالإضاءة على معطيات ووثائق شبيهة تكون هذه السلسلة صاحبة أثر في إثارة نقاش ضروري حول تجربة ما زالت الاستفادة من دوافعها وهفواتها ومنجزاتها قابلة للدرس والإفادة.

اقرأ/ي أيضًا:

بين سينما مصر و"ثورة" ضباطها (2-2)

الدعاية العسكرية بين إسماعيل ياسين ومحمد رمضان