مذكرات

مذكرات "الضباط الأحرار" على التلفزيون العربي.. إنصاف علني لسيرة التنظيم السري

محمد نجيب رفقة جمال عبد الناصر سنة 1953 (رونالد ستارتأب/Getty)

يصادف الـ23 من تموز/يوليو 2020 ذكرى مرور 68 سنة على تحرك تنظيم "الضباط الأحرار" العسكري السري نحو السلطة في مصر، التي كانت بيد الملك فاروق سليل الأسرة العلوية قبل ذلك اليوم من عام 1952. لم تمر ذكرى، ولا ذاكرة، حدث سياسي نفذه العسكر في كيان سياسي بحجم مصر في المنطقة العربية عن برمجة بث التلفزيون العربي  مرورًا عابرًا. بل قدمت شاشة العربي ضمن سلسلتها التي تعنى بالشخصيات والأحداث التاريخية في المنطقة العربية، مذكرات، مساء الخميس 23 تموز/يوليو الجاري الجزء الأول من "مذكرات: الضباط الأحرار". لتعنى هذه البادرة التسجيلية الدوكودرامية بما يمكن اعتباره أحد أبرز الأحداث المفصلية التي طبعت وجه مصر الحديث وخلفت أثرًا ملموسًا في المنطقة العربية والعالم بحكم ما ترتب على مسارها لاحقًا.

يمكن اعتبار تنظيم "الضباط الأحرار"، وما ترتب عليه لاحقًا، من أبرز البصمات التي طبعت وجه الدولة والسياسة في مصر الحديثة

كما بدا بمتابعة باكورة سلسلة "الضباط الأحرار" أنها تتجه نحو تأريخ مفصل ومتمهل يتتبع مسار حركة الضباط الأحرار لناحية تبلورها والظروف التي أحاطت بهذا التشكل. ليتبع ذلك نجاح الحركة في السيطرة على السلطة بقوة الأمر الواقع والتأسيس لنسق جديد من السياسة والسلطة في مصر الحديثة. فيما تهتم السلسلة بالجانب المتعلق بالأليات والظروف الداخلية التي حكمت صراعات التنظيم وخلصت إلى تركز السلطة في يد رجل واحد، الراحل جمال عبد الناصر، خلفًا للواء الذي صار رئيسًا لفترة محدودة، محمد نجيب (1901-1984)، والاثنين من القيد العسكري لسلاح المشاة ما قبل حيازتهما السلطة السياسية والعسكرية الكاملة لمصر. أي أن المشاهد أمام عمل دوكودرامي يتوقف عند الجوانب الداخلية لتنظيم سري عسكري الطابع ومتعدد الصراعات ومراكز القوة، لا الظروف المحيطة والمسببة فقط.

اقرأ/ي أيضًا: وثائقي مملكة الحجاز: كيف أسس آل سعود دولة بالتطرف والدعم الأجنبي؟

تبدأ الـ30 دقيقة الأولى من السلسلة، وهي مدة الجزء الأول منها، بلقطات أرشيفية لأيام الحدث الأولى، أي 23 يوليو، رفقة بعض المانشيتات الصحفية التي نقلت الخبر آنذاك. وتصرح المذكرات بأن الرواية حول هذا التنظيم والحدث لم تكتمل إلى اليوم، وأن أبرز المراجع بشأنها بقيت أوراق التنظيم نفسه ومذكرات ضباطه، كنجيب والبغدادي وخالد محيي الدين، من الجيل المؤسس للتنظيم. وهو ما اعتبره الباحث محمد عفان، الذي استضافه الشريط، أن اعتماد مذكرات الضباط أنفسهم للتأريخ لتجربة تنظيمهم ليس أفضل ما يمكن فعله إذا ما كانت الدقة والموضوعية هي الغاية.

لتنتقل العدسة نحو التعاطي مع شهادات العضو المؤسس خالد محيي الدين، الذي أطيح به لاحقًا من مجلس قيادة الثورة. وهو صاحب مذكرات عامرة بالأسرار التي نشرت لأول مرة على يده. الرأي أو التقييم الذي أيده الباحث الفلسطيني صقر أبو فخر، مشيدًا بنزاهة محيي الدين القادم من سلاح الفرسان/المدرعات. كما اعتبر أبو فخر أن أهمية مذكرات محيي الدين تنبع من الحقائق التي قدمها والسياقات التي وضحها وكان لها عظيم الأثر في إزاحة الكثير من التشويه عن صورة جمال عبد الناصر.

فيما ينتقل صوت الراوي نحو توصيف الخلفيات الطبقية لأعضاء التنظيم بما هم أبناء الطبقة الوسطى في الجيش، متحدثًا عن تنامي الطموح السياسي لديهم كأحد الدوافع لتحركهم. ويستعين الشريط مجددًا بمذكرات محيي الدين ليثبت واقعة الاجتماع الأول للتنظيم في منزل عبد الناصر، وهو المؤسس الأول له. دون حضور أنور السادات، من سلاح الإشارة، الذي ادعى أنه من المؤسسين لاحقًا. وهذا ما شدد على إيضاحه ضيف الحلقة صقر ابو فخر.


جمال عبد الناصر عقب الإطاحة بمحمد نجيب 1954 (Getty)

يتوسع الشريط لاحقًا عبر مشاهد دوكودرامية، ممتزجة بالكثير من الصور الأرشيفية، ليتناول العلاقة المبكرة للتنظيم مع تنظيم الإخوان المسلمين. والتي اعتبرها الباحث محمد عفان علاقة مبكرة وقريبة تتوزع على مراحل متتابعة لا تخلو من التحفظ وقبول بعض الأعضاء بصعوبة لتلك العلاقة. وهو في ذلك إنما يستند إلى رواية خالد محيي الدين.

أما حضور الباحث المصري جمال الجمل، فكان من شأنه أن يعمق الإيضاح بشأن الطبيعة الحقيقية لعلاقة التنظيم ليس فقط بالإخوان المسلمين، بل أيضًا بمصر الفتاة وأوساط سياسية كثيرة أخرى آنذاك. ليشير الجمل إلى جانب بالغ الأهمية في سيرة التنظيم، مفاده أن التنظيم لم يكن مجرد تجمع عسكري، بل كان له تداخلاته الأيدولوجية وأفكاره السياسية، التي تباين الأعضاء أيضًا بشأنها. فيما اعتبر الباحث صقر أبو فخر أن طبيعة العلاقة مع الإخوان المسلمين هي عبارة عن اتصالات ولقاءات في إطار تنسيقي سياسي تعاوني دون التزام تنظيمي، نافيًا بذلك تأكيدات سامي شرف مؤكدًا استخلاصات محيي الدين، الذي اعتبره أبو فخر العنصر اليساري في التنظيم، والذي اجتمع بتنظيم الإخوان في ذلك الوقت.

اقرأ/ي أيضًا: برنامج "قراءة ثانية".. حوار في مواجهة الوصاية الفكرية

أما  مطالبة عبد الناصر بضم عبد الحكيم عامر وأنور السادات للتنظيم، وريبته اللاحقة من أنور السادات بل وعدم ثقته بالسادات، كما غاية عبد الناصر السياسية البراغماتية من وراء جلب السادات إلى التنظيم. فقد تم استعراضها كما وردت خلال مذكرات محيي الدين. كما تم توزيعها على مشهد دكودرامي مطول نسبيًا أوضح فيه الخطط المبكرة للتنظيم بخصوص السيطرة على السلطة وعزل الملك. مع إعادة التوضيح التي فندت الكثير من ادعاءات السادات. ولم يفت السلسلة في تناولها لحظة انطلاق فعل التنظيم إحدى أشهر لقطات عبد الناصر المصورة بخصوص الفرق في التوقيت الذي أساء فهمه يوسف صديق. إذ كان صديق قد استأنف تحركه بوقت أبكر من المتفق عليه، دون أن يشكل ذلك عامل فرق كبير لاحقًا.

يشير الشريط إلى أن العلاقة بين التنظيم والأمريكيين بقيت أمرًا يكتنفه الغموض لعقود طويلة، ليستعين ببعض التسريبات الأمريكية الموثقة رفقة مذكرات عدد من الضباط أنفسهم. فيما خلص إليه الشريط مدعومًا بالتوثيق وبتقييم الباحث صقر أبو فخر أن عبد الناصر لم تجمعه علاقة خارجة عن المألوف بالأمريكيين، وأن ما حصل هو مجرد اتصالات مع الأطراف الدولية المتعددة تعد أمرًا طبيعيًا عقب الانقلابات العسكرية. كما أكد أبو فخر نفي أي دور أمريكي في تأسيس التنظيم أو رسم الخطط له. بينما أكد الباحث محمد عفان الاهتمام الأمريكي بتلك الحركة والسعي للعب دور شبيه بالأدوار التي لعبتها واشنطن مع الجيوش في القارة اللاتينية والتي نجحت الاستخبارات الأمريكية بتنصيب قيادات وعقائد يمينية موالية على رأسها.


صورة محطمة الإطار للملك فاروق 1952 (Getty)

نبه الجمل إلى ما يعتبر أبرز إشكالات الحركات الانقلابية العسكرية، وهي ما يمكن تسميته ثالوث العسكر والسياسة والحياة المدنية. وهو الأمر الذي لم تتجاوزه تحركات الضباط الأحرار من موقع السلطة تمامًا. ليستعرض الشريط أزمة آذار/مارس 1954، وصراع نجيب وعبد الناصر، كما حل الأحزاب واستهداف الموجود منها. ليستند الشريط مجددًا على مذكرات محيي الدين في تأكيد دور التنظيم، وبالأخص عبد الناصر، في استهداف البنى السياسية الحزبية القائمة، الإخوان والشيوعيين بشكل أساسي. وليذكر بأحد المعاني بأهمية رؤية منح الصلح بخصوص مركزية دور الجهد الفكري والثقافي والمعنوي الموازي للتغيرات البنيوية اقتصاديًا واجتماعيًا، وهو الأمر الذي تبقى تجربة تنظيم الضباط الأحرار موضع مساءلة بشأنه.

أما عن عزل نجيب واستبعاد محيي الدين، الذي وصفه صوت الراوي بأن وقته توقف عام 1955، أي وقت الحركة التصحيحية فهي ما اختتمت به وقائع هذا الجزء. ليمكن القول بحق هذه الجولة من مذكرات الضباط الأحرار أنها قدمت مزجًا دوكودراميًا أرشيفيًا تعمق في موضوعه بما يكفل أن يعبر عن إحاطة تاريخية وافية الأركان. كما لم تغب عنه مقابلات تسجيلية ملائمة لناحية الغرض والاختصاص والتوظيف، نظرًا لاختصاص الضيوف وسمعتهم البحثية. وهو، أي الجهد الرصين والمتعقل تأريخيًا بخصوص الأحداث المركزية في المنطقة العربية من أمس ما يحتاجه واقع اليوم بخصوص درس التاريخ تلافيًا للمزيد من تكرار أخطاءه، وهو هنا لمصادفة ممتعة حاضر عبر قالب دوكودرامي رفيع المستوى إنتاجيًا.  

 

اقرأ/ي أيضًا:

موت السياسة في مصر

تنظيم الدولة المصرية