متحرّشون وشعّبويون.. فنّانون ضدّ انتفاضة اللبنانيين

متحرّشون وشعّبويون.. فنّانون ضدّ انتفاضة اللبنانيين

جبران باسيل في حفلة لزين العمر (تويتر)

من بين قلة متبقية، يمكن الحديث عن ثلاثة وجوه "فنية" رئيسية تقف إلى جانب رئيس الجمهورية اللبناني، وإلى جانب رموز التيار الوطني الحرّ ورئيسه جبران باسيل، في مواجهة الانتفاضة الشعبيّة التي اندلعت في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، ضدّ مكونات النظام اللبناني بأسره.

رغم مبالغته في الولاء للتيار الشعبوي، احتاج الفنان العوني طوني حدشيتي إلى تغيير اسمه إلى زين العمر، حتى ينتزع "الاعتراف" به كفنان في العالم العربي

أولهم الملّحن سمير صفير، المعروف بتلحين أغاني الـ"pop" العربية، من بين جملة موزعين من ذات الصنف. وثانيهم، المخرج شربل خليل، الذي لا يوفر مناسبة لإعلان مواقف معادية من اللاجئين والعمال الأجانب وجميع الفئات التي تتعرض للاضطهاد في المجتمعات المنغلقة. وثالثهم المغني المتواضع زين العمر. والترتيب ليس مقصودًا، ويمكن أن يتجاوز الواحد منهم الآخر في التحريض تارةً، وفي الولاء الأعمى للعونية السياسية تارةً أخرى.

اقرأ/ي أيضًا: "بوعزيزي لبنان"... ينتصر أخيرًا

يقال إن هؤلاء الفنانين مع "العهد". وهذا المصطلح اتضحت هشاشته أخيرًا، بعدما وُلد مكسورًا في الأساس. أما وجوه "العهد" الفنية فتتفاوت في وظائفها، وفي حضورها على ما سمي اصطلاحًا في الصحافة التقليدية "المشهد الفني". تجمعهم أدبياتهم مع الحالة العونية عمومًا، وتجمعهم عونيتهم نفسها مع إرث اليمين اللبناني الطويل، في الإقامة بذاكرة متخيّلة لوطن غير قادر على الاكتمال، وفي مخاصمة المحيط العربي. جاءت الانتفاضة اللبنانية لتكمل ما بدأ في تونس ومصر وسوريا وغيرها من البلدان العربية، على نقيض من هذه الثقافة. صحيح أن الاعتبارات قد تختلف جذريًا أحيانًا، إلا أن الشعبويين الذين يلتفون حول النظام هم نفسهم. في لبنان، وخلال الانتفاضة الأخيرة، بات يمكننا أن نتحدث عن وجوه "فنية" إلى جانب النظام.

بطبيعة الحال، هناك آخرون. لكن لدى الثلاثة المذكورين سجّلوا حضورًا لافتًا، يتجاوز حضور الوزير جبران باسيل نفسه. الملّحن صفير، المعروف بأنه صاحب "مزاج حاد"، يكاد يكون الأكثر شبهًا بالفنانين الداعمين للنظام السوري. كان معروفًا عنه أنه يتبنى خطابًا إصلاحيًّا، ولم يوفر جهدًا قبل الانتفاضة في التعبير عن السأم من الحالة التي وصلت إليها البلاد. لكنه، وفي لحظة الحقيقة، سرعان ما التحق بثورة مضادة ضدّ انتفاضة اللبنانيين. قاد تظاهرة عونية متواضعة، تشبه التظاهرات "المؤيدة" للرئيس السوري بشار الأسد، أمام قصر العدل في بيروت. وهناك توج سلسلة تعليقات له على فايسبوك، اتهم بها الانتفاضة بالحصول على تمويل من جماعات "ماسونية"، وما إلى ذلك. والحق أنه أبدع في تعليقاته هذا أكثر مما أبدع في ألحانه. والحق أيضًا أن السوريين عرفوا ويعرفون مثل هذه التعليقات من مؤيدي النظام و"فنانيه"، أكثر من اللبنانيين الذين يكتشفون "حالة جديدة". أما التتويج، فكان بطلبه من مراسلة تلفزيون "أم تي في" اللبنانية "التوقف عن العهر". وكان ردّ المراسلة حاسمًا. لكن صفير تابع "نضاله" على فايسبوك، بكشف "المؤامرة" وتعقب أثرها إلى أمريكا، وبعدها إلى أصول جورج سوروس "الهنغاري الذي لا يحب بوتين"، كما يقول صفير في تغريدته.


الرئيس عون يستمع لأغاني زين العمر من موبايل الأخير

معظم المؤرخين اللبنانيين الذين يحابون اليمين، توصلوا إلى خلاصات عجيبة. واللافت أنك ستجد هذه الخلاصات دائمًا في مخيّال "الفنان العوني". لا يجلس بالضرورة على مقعد واحد مع ميشال شيحا وشارل مالك، لكنه عندما يتحدث عن لبنان، يتحدث عن "أمة لبنانية". تلك التي يرى مالك أنها "شأنها شأن أمم آسيا وأوروبا ولدت من خليط أعراق مختلفة، وساهمت بفاعلية في سبك الشخصية اللبنانية المعترف بها دوليًا". لكن اللافت أن الفنان العوني زين العمر، الذي يبالغ في الولاء للتيار الشعبوي، احتاج إلى تغيير اسمه من طوني حدشيتي إلى زين العمر، حتى ينتزع "الاعتراف" به كفنان في العالم العربي. ثم احتاج إلى "التحرش" بمراسلة تلفزيون الجديد اللبنانية قبل أيام، لانتزاع اعتراف به كشخص طيب ينتمي إلى الشعب. حاول أن يقبّل المراسلة على رأسها، ولولا أنها أبعدته لكان نجح في ذلك. ليس غريبًا أن تتقاطع ذكورية العمر، مع ذكورية صفير، في حالتين منفصلتين، وليس غريبًا أن تتقاطع نزعات زملائهم الهوموفوبية والزينوفوبية مع نزعات اليمين التقليدية في هذه الأطر وفي غيرها.

للشعبوية العونية، ومثال عليها "فنانوها"، ثلاثة مصادر أساسية: القومية المُتخيّلة، والعامل الديني، والنزعة اليمينية 

قد يصطدم الباحث عن الطبيعة المعقدة للسُلطة اللبنانية، لكن شخصية الحاكم ستنهل من أصول "شعبوية" يحافظ عليها دائمًا، ومن مهام الانتفاضة الأساسية في مراحل لاحقة "تنظيف" المجتمع من سطوة "سيكولوجيا الجماهير" على السياسة. هذه الأصول هي ذاتها التي يستخدمها وزير الخارجية اللبناني، من موقعه في الدولة، لتجاوز الديموقراطية إلى نسخات شعبوية منها، من أوضح تمثيلاتها هي "الديموقراطية التوافقية" إلى جانب الخطاب التحريضي المرتفع ضدّ اللاجئين السوريين. هذه الصيغة المجترة التي أتاحت للعونيين صياغة تحالفات عجيبة، هي نتاج الحالة الشعبوية نفسها، التي تتيح للفنانين أنفسهم، الذين يلتفون حول "العهد العوني"، ادعاء الانتماء إلى حالة شعبية، ومحاولة التعبير عن مصالح طبقات لا يمثلونها فعلاً، إذ إنهم لا يمثلون سوى مصالح سلطوية. الشعبوية، تحديدًا، التي تستخدم كأداة مجددة من الحاكم نفسه، تستخدم في الحالة اللبنانية كدليل إلى الحاكم من قبل سيل المنتفعين ولا سيما الفنانين. وإن كانت الصيغة اللبنانية معقدة، بحيث يُستعصى على الباحث إيجاد أصول مشتركة لمجموعة "الشعبويات" اللبنانية، فإن للشعبوية العونية، ومثال عليها "فنانوها"، على الأرجح ثلاثة مصادر أساسية: القومية المُتخيّلة، العامل الديني، والنزعة اليمينية التي تحاول أن تحاكي الحركات الشعبوية خارج الحدود اللبنانية.

اقرأ/ي أيضًا: فنانو البلاط في لبنان.. وجه السلطة "اللامع"

لهذه الأسباب وغيرها، يبقى قرع الطناجر اعتراضًا على السُّلطة، أطرب بكثير من أغنيات العهد، ومن ألحانه غير الشجية على الإطلاق.

 

اقرأ/ي أيضًا:

في الشارع والسوشيال ميديا.. فنانون لبنانيون شاركوا في الانتفاضة

أحد الوحدة.. الانتفاضة اللبنانية تستعيد مشهديتها