"بوعزيزي لبنان"... ينتصر أخيرًا

(Getty) تلميذات لبنانيات

الفترة الزمنية بين جورج زريق ومنى وازن ليست طويلة نسبيًا. منذ أقل من عام، شباط/فبراير 2019، أشعل الوالد النار في نفسه في باحة المدرسة بالكورة شمال لبنان.

لطالما اعتقد اللبنانيون أن عاصمتهم ستبقى أشبه بنسخة متخيّلة عن "بابل الزانية". بعيدة ومنفصلة عما يحدث في البلاد العربية

الحادثة تركت أثرًا عميقًا. لم يحدث هذا في تاريخ لبنان "الحديث" من قبل. لطالما اعتقد اللبنانيون أن عاصمتهم ستبقى أشبه بنسخة متخيّلة عن "بابل الزانية". بعيدة ومنفصلة عما يحدث في البلاد العربية. لن تصل الأمور إلى هذا الحد، أقنعوا أنفسهم. جاء جورج زريق وأيقظهم: الإنكار ليس مجديًا. بعد بغداد، نهضت بيروت. منذ أسبوعين، اندلعت الانتفاضة.

اقرأ/ي أيضًا: الانتفاضة اللبنانية تتوسع وخطاب السلطة يفشل مجددًا

ضوء خافت يأتي من بعيد، من باحة المدرسة.

منذ أيام قليلة، انتشر تسجيل صوتي لمديرة المدرسة في عبرا، جنوب البلاد. يخرج صوت الأخت منى وازن حازمًا وهي تحذر التلامذة من المشاركة في الانتفاضة التي تعمّ البلاد. عشرة أشهر تفصل بين الحادثتين لكن العلاقة بينهما متصلة بشريط طويل. لم يملك زريق سوى الاشتعال للاعتراض على عدم قدرته لتأمين الكلفة العالية للأقساط، بينما شعرت وازن أنها تملك كل شيء: السّلطة والحق في تقرير المصير. جورج زريق بوعزيري لبنان. الوصف ليس لاستجداء التعاطف، فهناك من صار يعتبر بوعزيزي إرهابيًّا، وبات هذا دارجًا. الوصف مجرد استعارة من حزن تونسي، إلى حزن لبناني.

رغم كل شيء يبدو الكليشيه - البوعزيزي ضروريًّا.

أما مديرة المدرسة، التي حاولت أن تستدرك بالتراجع، فبقي توضيحها ناقصًا. لم تقل "أنا فهمتكم" بدورها. ولكي نفهم بدورنا خروج تلامذة المداس إلى الطرقات في لبنان، ومشاركتهم في التظاهرات، يجب أن نتذكر دائمًا جورج زريق. يجب أن نفهم العلاقة بين تلك "اللحظة التأسيسية"، وبين ما تلاها من احتجاجات. ولكي نفهم موقف وازن الصارم، الذي صدر بحزم وثقة، أيضًا، ربما يجب أن نفهم موقع المدرسة في النظام (اللبناني) ودورها.

صحيح أن الحالة "محلية"، لكن عند الحديث عن العلاقة بين المدرسة والنظام، يصعب تفادي عمل بيار بورديو الطويل عن دور المدرسة في المجتمع. هناك اتجاه دائم لتبرير اللامساواة في المجتمع عبر تبريرها في التربية. خروج الصغار للتظاهر كان في شكله خروجًا عفويًا من تلامذة يعيشون في زمن السوشيال ميديا، ولكنه أيضًا خروج على القاعدة. خروج على وظيفة المدرسة التي تمرّن التلامذة على تسويغ التفاوت في المواقع خارجها. خروج ضدّ الهيمنة التي تبدأ من داخل المدرسة تحديدًا. ولا نتحدث عن الخضوع، أو عن "تنويعات" الهيمنة بمعناها المتداول، بقدر ما أننا نتحدث عن الهيمنة الممنهجة التي تحدث خارج المدرسة، انطلاقًا من الطبيعة الطبقية للمدارس. وربما يكون لبنان أحد أوضح النماذج في العالم على هذا التفاوت الطبقي بين المدارس من بين جملة المرافق العامة والخاصة. وهذا، أيضًا، قد يفسّر خروج التلامذة في صيدا وطرابلس والضواحي الشمالية، وعدم خروجهم في مدارس أكثر "رفاهية".

التلامذة استبقوا أعمارهم. ليسوا بحاجة إلى اختبار الطبقية. كان شعورهم بها كافيًا.

قبل أشهر أحرق جورج زريق نفسه في الباحة، لكن التلامذة حملوا روحه وخرجوا من الباحات. وربما تنتهي أصواتهم في الفراغ

ثمة من يحبّ ألا يشاهد كل هذا. أن يتجاهل التفاوت بين المدرسة الرسمية والمدرسة الخاصة، وبين المدرسة الدينية والمدرسة العلمانية. وبين المدرسة الخاصة الفقيرة، ومدارس الطبقة العليا. بين مدارس الأوقاف والمؤسسات الدينية، وبين كتاب تربية وطنية خجولة. وهذا نفسه سيغض بصره عن التسرب المدرسي. وعن مئات المدراس الخاصة، التي تعرّف عن نفسها أنها مجانية، ويدفع فيها آلاف التلامذة الأقساط، ورغم ذلك تتلقى دعمًا من الدولة يتجاوز مئة مليار ليرة سنويًا (77 مليون دولار حسب سعر الصرف الحالي). ثمة من يريد ألا يعترف أن هذه مدارس تديرها الطوائف، ويصرف وقته في البحث عن الفقراء في كل طائفة، والأغنياء في كل طائفة، مدافعًا عن "العقد الاجتماعي" القديم الذي قامت عليه الطوائف: كل طائفة لديها بورجوازيتها، في مقابل الفقراء المنتمين إليها. ثمة من لا يرى الأغنياء خارج طوائفهم، فيعجز كذلك عن تصور الفقراء خارج طوائفهم. وهكذا تعيد الصيغة انتاج نفسها.

Bla bla bla، Blab la bla.

التلامذة خرجوا، في لحظتهم، ضد سذاجة التصور الطائفي، من دون أن يعني هذا أنهم أنتجوا وهمًا جديدًا، وأنهم خرجوا من طوائفهم. خرجوا من باحة الطائفية في استكمال عفوي للحظة جورج زريق. لم يخرجوا للنقاش في القانون 515. لم يخرجوا للنقاش في كلفة الأقساط الهائلة. طالبوا بكل هذا، لكنهم في الأساس خرجوا، عندما سمعوا التسجيل الصوتي. وهم في هذا مثل الكبار تمامًا. شعروا بالاستفزاز. أما وازن، التي نشرت لها صور مع وزير الخارجية جبران باسيل، فعادت وتراجعت. وهذا ليس مألوفًا أيضًا، فقد اعتاد أصحاب النفوذ في لبنان على عدم التراجع. باسيل نفسه لم يتراجع عن شيء. ما يمكننا التأكد من تراجعه، هو الجانب الذي يتحدث عنه بورديو، في علاقة السيستم بالمدرسة، أو وظيفة المدرسة في السيستم. ذلك البحث في "الأصل الاجتماعي" للتلامذة الذي يلعب دورًا رئيسيًا في تدرجهم داخل المدرسة. لقد سقط ليوم كامل. سقطت معه وظيفة المدرسة في الحفاظ على الاختلافات بين التلامذة وترتيبها، ولا سيما الفوارق الطبقية. خرجوا في انتفاضة ضدّ الفوارق.

اقرأ/ي أيضًا: خريطة التظاهرات في لبنان.. إصرار أكبر قمع أكثر

قبل أشهر أحرق جورج زريق نفسه في الباحة، لكن التلامذة حملوا روحه وخرجوا من الباحات. وربما تنتهي أصواتهم في الفراغ. الأمل ليس كافيًا. لكنهم على الأقل أعادوا الاعتبار لجورج زريق.

ما زال حيًا والذي أشعله ذلك اليوم كان مجرد خوفه وخوفهم.

 

اقرأ/ي أيضًا:

اللبنانيون من إكراهات الطوائف إلى فضاء الشعب

في لبنان.. بركان الغضب ينفجر